لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالدبابات والطائرات وحدها، بل أصبحت تُدار عبر الاقتصاد والإعلام والسياسة والحرب النفسية واستهداف البنية الاجتماعية للمجتمعات، وفي روج آفا، حيث تشكلت تجربة الإدارة الذاتية وسط واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الشرق الأوسط، يبدو أن الصراع دخل مرحلة جديدة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة نحو حرب استنزاف طويلة الأمد تستهدف مقومات الصمود الداخلي.
ففي الوقت الذي دخلت فيه الإدارة الذاتية مرحلة من الحوار والتفاوض حول مستقبل علاقتها بسوريا، بدأت تتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وزراعية متلاحقة، ترافقت مع تصاعد حملات إعلامية وسياسية تستهدف شرعية الإدارة وقدرتها على إدارة المنطقة. وهنا يبرز السؤال المركزي: هل نحن أمام أزمات طبيعية ناجمة عن الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، أم أمام نمط متكامل من الضغوط يهدف إلى إضعاف التجربة السياسية في روج آفا من الداخل؟
من الحرب العسكرية إلى الحرب المركبة
خلال السنوات الماضية؛ أثبتت الإدارة الذاتية قدرتها على الصمود عسكرياً أمام تحديات وجودية كبرى. لكن؛ خصومها أدركوا أن إسقاط أي مشروع سياسي لا يتحقق دائماً عبر المواجهة العسكرية المباشرة. فالتجارب السياسية غالباً ما تنهار عندما تفقد ثقة مجتمعها، وعندما تصبح عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. لذلك؛ انتقلت المعركة تدريجياً إلى ساحات أكثر حساسية: الاقتصاد، الزراعة، التجارة، الإعلام، والخدمات العامة. إنها حرب تستهدف البيئة الحاضنة للمشروع السياسي أكثر مما تستهدف مؤسساته العسكرية والأمنية.
الاقتصاد كسلاح سياسي
تعتمد مناطق الجزيرة وسهل الخابور بصورةٍ رئيسية على النفط والزراعة والإنتاج الزراعي. ولذلك؛ فإن أي اضطراب في هذا القطاع ينعكس مباشرةً على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
في السنوات الأخيرة تصاعدت شكاوى المزارعين من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتأخر استلام المحاصيل، وتحديد أسعار شراء القمح والشعير بمستويات لا تتناسب مع التكاليف الحقيقية، إضافةً إلى النقص المتكرر في المحروقات اللازمة للحصادات والعمليات الزراعية.
هذه المشكلات لا تقتصر آثارها على الجانب الاقتصادي، بل تتحول إلى مصدر تآكل تدريجي للثقة الشعبية، فحين يشعر المزارع بأن جهده وإنتاجه لم يعودا يوفران له الحد الأدنى من الاستقرار، يصبح أكثر عرضة للإحباط وأكثر قابلية للتأثر بالخطابات المعارضة والدعوات الاحتجاجية.
حرائق الجزيرة وفيضان الفرات أسئلة أكبر من الصدفة
تكتسب الحرائق التي طالت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الجزيرة وسهل الخابور أبعاداً تتجاوز الخسائر المادية المباشرة؛ فهي حرائق مفتعلة في إطار الحرب الخاصة المستهدفة للمشروع الديمقراطي في المنطقة من خلال سياسة التجويع. ففي مناطق النزاع، لا تُقرأ هذه الأحداث دائماً باعتبارها مجرد كوارث عرضية، خصوصاً عندما تتكرر وتستهدف مناطق تشكل الخزان الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات المحلية. وينطبق الأمر نفسه على الأزمات المرتبطة بمياه الفرات، سواء من خلال انخفاض المنسوب أو الاضطرابات التي تؤثر على الزراعة والطاقة والإنتاج الاقتصادي. فالمياه في الشرق الأوسط أصبحت منذ سنوات جزءاً من أدوات الصراع الجيوسياسي وليست مجرد مورد طبيعي.
كما أن تضرر مناطق وعشائر كانت تُعتبر جزءاً من الحاضنة الاجتماعية للإدارة الذاتية، بما فيها قطاعات من عشائر الشرابين وغيرها من الشعوب المحلية، يثير تساؤلات سياسية حول طبيعة هذه الأزمات وتوقيتها وتأثيرها على التوازنات الاجتماعية في المنطقة.
ورغم غياب الأدلة الحاسمة التي تسمح بتوجيه الاتهامات بصورةٍ قطعية، فإن تكرار هذه الوقائع يفرض الحاجة إلى تحقيقات شفافة ومستقلة تكشف الحقائق أمام الرأي العام وتمنع استغلال الغموض في تأجيج الانقسامات.
الحرب الإعلامية وصناعة السخط الشعبي
في الحروب الحديثة أصبح الإعلام جبهة قائمة بذاتها. فمع كل أزمة اقتصادية أو خدمية تتوسع حملات التشكيك بالإدارة الذاتية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الافتراضي، وبعض هذه الانتقادات يعكس بالفعل مشكلات حقيقية تحتاج إلى معالجة. لكن؛ جزءاً منها يتحول إلى حملات منظمة تهدف إلى تضخيم الأخطاء وتحويلها إلى أزمة ثقة شاملة.
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس نشر المعلومات المضللة فحسب، بل قدرتها على استثمار الأزمات الواقعية وتحويلها إلى أدوات تعبئة سياسية ضد المؤسسات القائمة.
دمشق وأنقرة اختلاف الأهداف ووحدة النتيجة
رغم الخلافات العميقة بين دمشق وأنقرة في ملفاتٍ كثيرة، فإن الطرفين ينظران بقلق إلى أي تجربة سياسية كردية تمتلك مقومات الاستمرار. فدمشق ترى أن استمرار الإدارة الذاتية خارج سلطة المركز يمثل تحدياً لمفهوم الدولة المركزية التقليدية، بينما تنظر تركيا إلى أي كيان سياسي كردي مستقر على حدودها الجنوبية باعتباره تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
ورغم اختلاف الأدوات والمقاربات، فإن الضغوط الناتجة عن سياسات الطرفين غالباً ما تصب في اتجاه واحد: تقليص قدرة الإدارة الذاتية على تثبيت نفسها كنموذجٍ سياسي مستدام.
أخطاء الداخل التحدي الذي لا يمكن تجاهله
في المقابل، سيكون من الخطأ تفسير جميع الأزمات باعتبارها نتاج مؤامرات خارجية فقط. فالتجارب السياسية لا تُقاس بقدرتها على مواجهة خصومها فحسب، بل بقدرتها أيضاً على تصحيح أخطائها الداخلية، وتأخر الإصلاحات الاقتصادية، وضعف بعض آليات الرقابة والمحاسبة، والبطء في الاستجابة لشكاوى المواطنين، كلها عوامل تسهم في تعميق الأزمات وتمنح الخصوم فرصاً إضافية للتأثير. إن الاعتراف بأوجه القصور لا يُضعف المشروع السياسي، بل يُشكل الخطوة الأولى نحو تحصينه.
الأمن الغذائي قبل الأمن العسكري
ربما يكون الدرس الأهم الذي تفرضه المرحلة الحالية هو أن الأمن الغذائي لم يعد ملفاً اقتصادياً ثانوياً، بل أصبح جزءاً من الأمن القومي للإدارة الذاتية. فأي مشروع سياسي لا يستطيع حماية موارده الزراعية ومصادر غذائه وسلاسل تجارته، سيبقى عرضة للابتزاز والضغوط مهما امتلك من قوة عسكرية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة للحماية الذاتية الاقتصادية، تقوم على دعم الإنتاج الزراعي، وتأمين الوقود للمزارعين، وإنشاء مخزون استراتيجي من الحبوب، وتطوير الصناعات الغذائية، وتنويع قنوات التجارة، وتقليل الاعتماد على المعابر أو التفاهمات التي يمكن استخدامها كورقة ضغط سياسية.
الأمن المجتمعي خط الدفاع الأول
لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يصمد إذا فقد حاضنته الاجتماعية. لذلك؛ فإن تعزيز الشراكة بين شعوب روج آفا من الكرد والعرب والسريان وبقية الشعوب لا يقل أهمية عن حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية، فالقوة الحقيقية لأي إدارة تنبع من قدرتها في الحفاظ على وحدة المجتمع وثقة المواطنين بمؤسساتهم.
إن استهداف العلاقة بين الإدارة الذاتية والعشائر والمجتمعات المحلية قد يكون أكثر خطورة من أي هجوم عسكري مباشر، لأنه يضرب أساس الشرعية السياسية من الداخل.
معركة الشرعية ومستقبل روج آفا
إن مستقبل روج آفا لن يُحسم فقط في غرف المفاوضات أو على خطوط التماس العسكرية، بل سيتحدد من خلال قدرة الإدارة الذاتية في الحفاظ على شرعيتها الشعبية. فالشرعية ليست إنجازاً دائماً، بل عملية متجددة تقوم على تحسين حياة المواطنين، وحماية مصالحهم الاقتصادية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإشراك المجتمع في صناعة القرار. وكلما ازدادت الثقة بين المجتمع والمؤسسات، تراجعت فعالية الضغوط الخارجية والحملات الإعلامية والاستراتيجيات الهادفة إلى الاستنزاف.
معركة البقاء عبر الإصلاح والصمود
مهما تعددت الانتقادات الموجهة إلى الإدارة الذاتية أو اختلفت الآراء حول توجهاتها الفكرية والسياسية، فإنها ما تزال الإطار السياسي والعسكري الأكثر تأثيراً في حماية المكتسبات التي تحققت للكرد ولشعوب روج آفا خلال السنوات الماضية. غير أن الحفاظ على هذه المكتسبات لم يعد مرتبطاً فقط بالقوة العسكرية أو بالدعم الخارجي، بل أصبح مرهوناً بقدرة الإدارة على بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي والتجاري والمجتمعي، وعلى معالجة نقاط الضعف الداخلية قبل أن تتحول إلى أدواتٍ بيد الخصوم.
ففي عالم اليوم، لا تسقط المشاريع السياسية الكبرى بسبب أعدائها وحدهم، بل بسبب عجزها عن تجديد عقدها مع المجتمع الذي قامت باسمه، ولذلك فإن المعركة الحقيقية التي تواجه روج آفا ليست فقط معركة حدود أو نفوذ، بل معركة بناء القدرة على الصمود الذاتي، واستعادة الثقة، وتحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تأسيس مشروع أكثر قوة واستدامة في مواجهة عواصف الإقليم وتحولاته.