لم يعد الجدل الدائر اليوم في العراق حول مستقبل قوات البيشمركة، وحصر السلاح بيد الدولة العراقية، مجرد نقاش قانوني أو إداري، يتعلق بإعادة تنظيم المؤسسات العسكرية، بل تحول إلى ملف استراتيجي بالغ الحساسية للكرد في عموم كردستان، فالتطورات المتسارعة التي تشهدها بغداد، بالتوازي مع التحولات التي سبقتها في سوريا، تدفع كثيراً من المراقبين والسياسيين الكرد، إلى التساؤل عما إذا كانت المنطقة تدخل مرحلة جديدة يجري خلالها إعادة رسم موازين القوى، على حساب الدور الكردي، الذي برز خلال العقد الأخير كأحد أهم الفاعلين في الشرق الأوسط.
خلال السنوات الماضية؛ استطاع الكرد، سواء في روج آفا، أو باشور كردستان، تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية وإدارية، اعتبرت الأكبر منذ عقود طويلة، هذه المكتسبات لم تأتِ نتيجة تفاهمات سياسية فحسب، بل جاءت أيضاً نتيجة تضحيات هائلة قدمتها قوات البيشمركة وقوات سوريا الديمقراطية في مواجهة مرتزقة داعش والمجموعات المتطرفة التي هددت المنطقة والعالم بأسره.
واشنطن وتغيير قواعد اللعبة في العراق
لا يمكن فهم التطورات الجارية في العراق، دون التوقف عند الدور الأميركي، الذي لا يزال مؤثراً بصورة كبيرة في رسم التوازنات السياسية العراقية. فخلال السنوات الأخيرة، مارست الولايات المتحدة، ضغوطاً سياسية مكثفة لمنع عودة شخصيات تعتبرها مرتبطة بالمشروع الإيراني إلى واجهة الحكم في بغداد، وفي هذا السياق برزت معارضة أمريكية واضحة لعودة نوري المالكي، إلى رئاسة الحكومة العراقية، وسط مخاوف من إعادة إنتاج مرحلة شهدت تصاعد النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية.
بالتوازي مع ذلك، دعمت واشنطن، صعود حكومة علي الزيدي باعتبارها حكومة قادرة على تنفيذ برنامج إصلاحي يهدف إلى تعزيز سلطة الدولة العراقية، وتقليص نفوذ المجموعات المسلحة الخارجة عن المؤسسة العسكرية الرسمية.
ومن هذا المنطلق جاء التركيز الأمريكي على ملف حصر السلاح بيد الدولة، فالإدارة الأمريكية، ترى أن وجود تشكيلات مسلحة متعددة المرجعيات، يشكل تهديداً لاستقرار العراق، ويقوض سلطة الحكومة المركزية، ولذلك دعمت بصورة واضحة الخطوات الرامية إلى دمج أو حل المجموعات المسلحة المختلفة، سواء تلك المرتبطة بالحشد الشعبي أو غيرها من القوى المسلحة. لكن؛ ما يثير قلق الأوساط الكردية، هو أن هذا التوجه لا يقتصر على الفصائل المرتبطة بإيران فحسب، بل يمتد أيضاً إلى ملف البيشمركة، رغم الفوارق الجوهرية بين الجانبين.
فالبيشمركة ليست تنظيماً طارئاً ظهر نتيجة ظروف سياسية مؤقتة، بل مؤسسة عسكرية تمتد جذورها لعقود طويلة، كما أنها تحظى باعتراف دستوري رسمي ضمن النظام السياسي العراقي، ومع ذلك؛ فإن الضغوط الدولية الحالية تتجه نحو إعادة تنظيمها بصورة تجعلها أكثر ارتباطاً بالمؤسسات الاتحادية العراقية، وأقل ارتباطاً بالبنية السياسية الكردستانية التقليدية.
هنا يبرز السؤال، الذي يشغل المجتمع الكردي اليوم، هل الهدف هو بناء دولة عراقية قوية بالفعل، أم أن هناك عملية أوسع لإعادة ضبط الدور الكردي، ضمن معادلات الشرق الأوسط الجديدة؟
من سوريا إلى العراق سياسة المركز الواحد
ما يجري اليوم في العراق، يعيد إلى الأذهان كثيراً من التطورات التي شهدتها سوريا، خلال الفترة الأخيرة. ففي روج آفا، حصل الكرد خلال الأزمة السورية، على مساحة واسعة من الأرض، والإدارة الذاتية والقدرة العسكرية والتنظيمية، وقد جاء ذلك نتيجة ظروف استثنائية فرضتها المقاومة ضد داعش، والانهيار الجزئي لمؤسسات الدولة السورية في مناطق واسعة من البلاد. لكن؛ مع تغير الظروف الدولية والإقليمية، بدأت تظهر ضغوط متزايدة لإعادة جميع المؤسسات والقوى العسكرية إلى إطار الدولة المركزية، وبات الحديث يدور بصورة متكررة حول ضرورة توحيد الجيش والمؤسسات الأمنية والإدارية، تحت سلطة دمشق.
اليوم تتكرر المفردات ذاتها تقريباً في العراق، فالشعار المطروح هو توحيد السلاح، وتوحيد القرار العسكري، وتوحيد المرجعيات الأمنية، وبينما يبدو هذا الطرح منطقياً من منظور بناء الدولة المركزية، فإن كثيراً من الكرد ينظرون إليه باعتباره جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى تقليص الهامش السياسي، والعسكري، الذي تمكنوا من تحقيقه خلال العقود الماضية.
هذا القلق لا ينبع من رفض فكرة الدولة أو المؤسسات، بل من التجارب التاريخية التي عاشها الكرد طوال القرن الماضي، حيث غالباً ما كانت الوعود المتعلقة بالشراكة والحقوق، تنتهي إلى سياسات مركزية تهمش الوجود الكردي، وتحد من قدرته على إدارة شؤونه الخاصة.
الأوضاع تؤثر على الأجزاء الكردستانية الأربعة
قد تبدو التطورات الجارية اليوم محصورة ضمن حدود العراق، إلا أن القراءة الأعمق للمشهد الكردي، تكشف أن ما يحدث في أي جزء من كردستان لا يبقى محصوراً داخله، بل ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على بقية الأجزاء، فالقضية الكردية، عبر تاريخها الحديث كانت دائماً قضية مترابطة، وما يتعرض له الكرد في جزء من كردستان، سرعان ما يترك تأثيراته السياسية، والنفسية، والأمنية، على الأجزاء الأخرى.
ففي سوريا، شهد الكرد خلال السنوات الماضية تجربة استثنائية تمثلت ببناء إدارة ذاتية، ومؤسسات مدنية وعسكرية، استطاعت أن تفرض نفسها لاعباً أساسياً في المعادلة السورية، لكن هذه التجربة واجهت منذ بدايتها تحديات هائلة، سواء من التدخلات الاحتلال التركي، أو من التحولات الدولية المتسارعة، أو من محاولات إعادة إنتاج المركزية السورية بصيغ جديدة.
ومع مرور الوقت بدأ الكرد في روج آفا، يكتشفون حقيقة مرة عاشها أسلافهم مراراً خلال القرن الماضي، وهي أن القوى الدولية تدعم المشاريع المحلية، طالما أنها تتقاطع مع مصالحها، لكنها لا تقدم ضمانات دائمة لحماية تلك المشاريع عندما تتغير حساباتها السياسية.
هذا الدرس الذي تعلمه الكرد في روج آفا، يبدو اليوم حاضراً بقوة في باشور كردستان، فالدعم الأميركي للبيشمركة، كان خلال السنوات الماضية أحد أهم عناصر القوة العسكرية الكردية، لكن واشنطن نفسها باتت تتحدث اليوم عن ضرورة استكمال توحيد قوات البيشمركة، وإنهاء الازدواجية العسكرية وربط مختلف أوجه الدعم بالمؤسسات العراقية الاتحادية.
أما في روجهلات كردستان، فإن الكرد يعيشون منذ عقود تحت ضغوط سياسية وأمنية، متواصلة داخل إيران، حيث تنظر السلطات الإيرانية، إلى أي تطور إيجابي في الأجزاء الأخرى من كردستان، باعتباره تهديداً مباشراً لمعادلاتها الداخلية. وفي باكور كردستان، لا تزال القضية الكردية، تواجه سياسات أمنية وسياسية معقدة، رغم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. لهذا السبب؛ فإن أي تراجع يصيب أحد الأجزاء لا ينعكس على ذلك الجزء وحده، بل يترك آثاراً عميقة على مجمل القضية الكردية.
تقاطع المصالح والحد من تنامي النفوذ الكردي
قد يكون من الصعب الحديث عن مؤامرة دولية موحدة تستهدف الكرد بصورة مباشرة، لكن الوقائع على الأرض تكشف وجود مصالح متقاطعة بين عدد من القوى الإقليمية والدولية تدفع باتجاه الحد من تنامي النفوذ الكردي.
فالكرد يشكلون اليوم أحد أكبر الشعوب، التي لا تمتلك دولة مستقلة، كما أنهم ينتشرون في أربع دول رئيسية تمتلك جميعها حساسيات تاريخية، تجاه أي مشروع قومي كردي، ولهذا السبب؛ فإن أي تجربة كردية ناجحة غالباً ما تواجه مخاوف إقليمية متشابهة، سواء جاءت هذه المخاوف من أنقرة أو طهران أو دمشق أو حتى من بعض القوى السياسية في بغداد. وعندما تتقاطع هذه المخاوف مع رغبة القوى الدولية، في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتجنب الصدامات الكبرى، تصبح الأولوية لدى كثير من العواصم الدولية هي دعم الدول المركزية القائمة، بدلاً من تشجيع أي نماذج قد تُفسر باعتبارها مقدمة لتغييرات جيوسياسية أوسع.
هذه المعادلة ليست جديدة، فقد شهد القرن العشرين عشرات المحطات التي وجد فيها الكرد، أنفسهم ضحايا لتفاهمات إقليمية ودولية، من اتفاقيات التقسيم بعد الحرب العالمية الأولى، مروراً باتفاقيات السبعينات بين القوى الإقليمية، وصولاً إلى محطات عديدة تراجعت فيها القوى الدولية عن وعودها عندما تغيرت مصالحها.
اليوم يخشى كثير من الكرد، أن يكون التاريخ يعيد نفسه بصورة مختلفة، فبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، يجري الحديث عن إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعن مركزية القرار، وعن توحيد المرجعيات السياسية والعسكرية، ورغم أن هذه العناوين تبدو قانونية وإدارية في ظاهرها، إلا أن نتائجها النهائية قد تؤدي إلى تقليص هامش الحركة الكردية، إذا لم ترافقها ضمانات دستورية وسياسية واضحة.
المشكلة الأساسية لا تكمن في فكرة الدولة أو القانون، بل في غياب الثقة المتراكمة نتيجة عقود طويلة من الصراعات والتجارب المؤلمة، فالكرد يسألون اليوم، إذا جرى تسليم جميع أوراق القوة دون وجود ضمانات حقيقية، فمن الذي سيحمي المكتسبات التي تحققت بعد عشرات السنين من النضال والتضحيات؟
المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الكرد
إذا كانت القوى الإقليمية والدولية، تتحرك وفق مصالحها الخاصة، فإن المسؤولية الأولى في حماية القضية الكردية تبقى مسؤولية كردية قبل أي شيء آخر. التاريخ الكردي مليء بالأمثلة، التي أثبتت أن الانقسامات الداخلية كانت في كثير من الأحيان أخطر من التهديدات الخارجية، فحين يتوحد الكرد يصبح من الصعب تجاوزهم أو تجاهل مطالبهم، أما حين ينقسمون فإن القوى الأخرى تجد فرصتها لإعادة رسم المعادلات بما يخدم مصالحها.
اليوم تقف الحركة السياسية الكردية أمام اختبار تاريخي جديد، فالتحديات التي تواجه باشور كردستان، لا يمكن التعامل معها بعقلية المنافسة الحزبية، أو الحسابات الضيقة، كما أن التطورات الجارية في روج آفا، وروجهلات، وباكور كردستان، تؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب رؤية قومية أشمل تتجاوز الانقسامات التقليدية.
إن الخطوة الأولى تتمثل في استكمال توحيد قوات البيشمركة ضمن مؤسسة وطنية مهنية، لا تخضع للاستقطابات الحزبية، فالجيش المنقسم لا يستطيع حماية شعبه مهما بلغت شجاعة أفراده.
أما الخطوة الثانية فتكمن في بناء موقف سياسي كردي موحد، تجاه بغداد والمجتمع الدولي، فالتفاوض من موقع الانقسام يضعف القدرة على انتزاع الحقوق والضمانات، بينما يمنح التوحد السياسي قوة إضافية في مواجهة الضغوط المختلفة.
وتتمثل الخطوة الثالثة، في تعزيز المؤسسات الديمقراطية والاقتصادية داخل باشور كردستان، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي لحماية المكتسبات، إن لم ترافقها مؤسسات قوية واقتصاد قادر على الصمود أمام الأزمات.
كذلك يحتاج الكرد، إلى تطوير خطاب دبلوماسي أكثر فاعلية يشرح للعالم أن المطالبة بالحقوق القومية، لا تتناقض مع الاستقرار الإقليمي، بل يمكن أن تكون جزءاً من الحلول طويلة الأمد لأزمات المنطقة.
وسط هذه التحولات يقف الكرد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في الانقسامات التي تستنزف الطاقات وتفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة من الوحدة والتنسيق الاستراتيجي لحماية ما تحقق من مكتسبات.
لقد أثبت القرن الماضي، أن القوى الدولية قد تتغير مواقفها، وأن التحالفات قد تتبدل، وأن المصالح قد تتقدم على المبادئ، أما الحقيقة الوحيدة التي بقيت ثابتة في جميع المراحل فهي أن قوة الكرد كانت دائماً مرتبطة بمدى قدرتهم على توحيد صفوفهم والدفاع عن حقوقهم بأنفسهم.
ومن هنا، فإن درع حماية المكتسبات الكردية، في المرحلة المقبلة، لن يكون قراراً دولياً ولا ضمانة خارجية، بل سيكون وحدة الصف الكردي نفسها، تلك الوحدة التي يمكنها وحدها أن تمنع تكرار مآسي الماضي، وأن تحول دون بقاء الشعب الكردي، أسيراً لصراعات الآخرين ونفوذهم لقرن جديد من الزمن.