عندما سقط النظام السوري السابق في الثامن من كانون الأول 2024، لم تكن الحكومة المؤقتة التي تشكلت في التاسع والعشرين من آذار 2025 أمام تحديات سياسية وأمنية واقتصادية فحسب، بل وجدت نفسها أيضاً أمام أحد أكثر الملفات تعقيداً وخطورة في البلاد؛ وهو ملف القطاع الصحي الذي تعرض خلال أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب والتدمير الممنهج والاستنزاف البشري والمالي إلى انهيار غير مسبوق جعل ملايين السوريين يقفون على حافة الحرمان الكامل من حقهم في العلاج والرعاية الصحية.
المشافي الحكومية تتحول تدريجياً إلى عبءٍ على المرضى
خلال العقود الماضية كانت المشافي الحكومية في سوريا تمثل الملاذ الأخير للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، حيث كانت الخدمات العلاجية تقدم بأسعارٍ رمزية مقارنةً بالقطاع الخاص. غير أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد دفعت الجهات المسؤولة إلى اتخاذ سلسلة قرارات أثارت جدلاً واسعاً بين المواطنين والكوادر الطبية على حدٍ سواء.
ففي مشفى الأسد الجامعي؛ صدرت قرارات تقضي برفع أجور المعاينات والخدمات الطبية والعمليات الجراحية والإقامة داخل المشفى، ووصلت بعض الزيادات إلى نحو 500 بالمئة في عدد من الأقسام والخدمات، هذه الزيادات لم تكن مجرد أرقام إدارية، بل انعكست مباشرةً على حياة المرضى الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن تحمل تكاليف العلاج في وقتٍ تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة.
أما مشفى المواساة الجامعي، فقد أصبح بدوره محوراً للنقاشات الحكومية المتعلقة بفرض رسوم إضافية على الخدمات الصحية العامة، رغم استمرار تقديمه لعدد من الخدمات المدعومة، وبينما لم يتحول المشفى رسمياً إلى مؤسسة مدفوعة بالكامل، فإن ارتفاع تكاليف الفحوصات والخدمات العلاجية جعل الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر صعوبة بالنسبة لآلاف المرضى.
وهكذا بدأت تتشكل معادلة جديدة وخطيرة داخل سوريا؛ فالمواطن الذي لم يعد قادراً على اللجوء إلى القطاع الخاص بسبب الأسعار المرتفعة، بات يواجه أيضاً صعوبات متزايدة في الاستفادة من خدمات المشافي الحكومية التي كانت تاريخياً تمثل شبكة الأمان الصحي للفئات الفقيرة.
وترافق ذلك مع شكاوى متزايدة من نقص الأدوية الأساسية، وتأخر العمليات الجراحية، وتعطل أجهزة طبية متخصصة بسبب عدم توفر قطع الغيار أو التمويل اللازم للصيانة، ما جعل رحلة العلاج نفسها تتحول إلى معاناة يومية لكثير من السوريين.
احتجاجات الكوادر الطبية ونزيف الكفاءات
لم يكن المرضى وحدهم ضحايا الأزمة، بل إن الكوادر الطبية نفسها وجدت نفسها في مواجهة ظروف عمل قاسية دفعت كثيرين إلى التفكير بمغادرة البلاد أو ترك المهنة نهائياً.
فمنذ سنوات تعاني المؤسسات الصحية السوريّة من تراجع أعداد الأطباء والممرضين نتيجة الهجرة الواسعة التي شهدتها البلاد. ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ازدادت الضغوط على العاملين في القطاع الصحي الذين وجدوا أنفسهم أمام رواتب لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
وشهدت عدة مناطق خلال الأشهر الماضية احتجاجات واعتصامات ومطالبات بتحسين أوضاع العاملين في القطاع الصحي وإعادة النظر في سياسات الفصل والإقصاء التي طالت عدداً من الكوادر الطبية. كما حذر مختصون من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى خسارة المزيد من الخبرات والكفاءات التي تحتاجها البلاد بشدة في هذه المرحلة الحرجة.
وتكمن خطورة هذه الأزمة في أن بناء المستشفيات وتأهيل الأبنية يمكن أن يتم خلال سنوات، لكن إعادة إنتاج الكفاءات الطبية تحتاج إلى عقود من الزمن، فالأطباء الاختصاصيون والجراحون والاستشاريون الذين غادروا البلاد يمثلون رأس المال الحقيقي للقطاع الصحي، وخسارتهم تعني استمرار حالة الضعف والعجز حتى لو توفرت الموارد المالية لإعادة إعمار المنشآت الصحية.
كما أن نقص الكوادر انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة، حيث ارتفعت ساعات العمل وضغط المناوبات، وتراجعت القدرة على استقبال الأعداد المتزايدة من المرضى، خاصةً في الاختصاصات الدقيقة التي تعاني نقصاً حاداً في الخبرات.
التمويل الدولي يتراجع وملايين السوريين أمام المجهول
في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الصحية السورية تنتظر زيادة الدعم الدولي لمواجهة التحديات المتراكمة، جاءت أزمة التمويل الإنساني لتضيف عبئاً جديداً على القطاع الصحي المنهك أصلاً. ففي شمال غربي سوريا حذرت منظمة الصحة العالمية خلال عام 2025 من أن تعثر التمويل الإنساني يهدد الخدمات الصحية المقدمة لأكثر من 5.1 مليون شخص، بينهم نحو مليوني نازح يعيشون في المخيمات.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن أكثر من 400 منشأةً صحية تأثرت بخفض التمويل الدولي منذ منتصف عام 2025، ما أدى إلى تراجع الخدمات المجانية وتعطيل برامج صحية أساسية كانت تشكل خط الدفاع الأول ضد الأمراض والأوبئة. وتبرز خطورة هذه الأرقام في كونها لا تتعلق فقط بالمشافي الكبيرة، بل تشمل أيضاً مراكز الرعاية الأولية وعيادات الأمومة والطفولة وبرامج التلقيح والمراقبة الوبائية التي يعتمد عليها ملايين السوريين.
ومع استمرار تراجع الدعم الدولي، باتت قطاعات واسعة من السكان مهددة بفقدان إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام أزمات صحية أكبر خلال السنوات المقبلة.
الإدارة الذاتية وتجربة بناء قطاع صحي تحت الحصار
في مقابل الصورة القاتمة التي تسيطر على المشهد الصحي في معظم المناطق السورية، برزت خلال السنوات الماضية تجربة مختلفة في مناطق الإدارة الذاتية، حيث سعت الإدارة الذاتية، رغم ظروف الحرب والحصار والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، إلى بناء منظومة صحية محلية قادرة على الاستجابة للاحتياجات الأساسية للسكان.
لم تكن المهمة سهلة بأي حال من الأحوال. فمنذ السنوات الأولى للأزمة السورية، وجدت مناطق الإدارة الذاتية نفسها أمام تحديات مركبة؛ فالمؤسسات الحكومية المركزية انسحبت من العديد من المناطق، وتعرضت البنية التحتية لأضرار كبيرة نتيجة النضال ضد داعش، كما واجهت المنطقة حصاراً اقتصادياً متواصلاً وصعوبات كبيرة في الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية والتجهيزات الحديثة.
ورغم هذه الظروف، بدأت المؤسسات الصحية المحلية العمل على تأسيس نموذج يعتمد على الإمكانات الذاتية المتاحة، مع الاستفادة من الدعم الإنساني والمنظمات العاملة في المنطقة. وتركزت الجهود على إنشاء المشافي والمراكز الصحية وتأهيل الكوادر المحلية وتوسيع نطاق الخدمات الطبية الأساسية.
ومع مرور الوقت، ظهرت مجموعة من المؤسسات الصحية التي أصبحت تشكل أعمدة أساسية للقطاع الصحي في روج آفا وشمال وشرق سوريا، من بينها مشفى الشعب، ومشفى الشهيد خبات، ومشفى الحكمة، ومشفى كوباني، إضافة إلى مشفى العين والقلب في قامشلو الذي يعد من أبرز المراكز التخصصية التي جرى تطويرها خلال السنوات الأخيرة.
هذه المؤسسات لم تنشأ في ظروفٍ مستقرة أو ضمن موازنات ضخمة، بل تأسست في بيئة تعاني من نقص التمويل والحصار وإغلاق المعابر وارتفاع تكاليف المعدات الطبية. ومع ذلك تمكنت من توفير خدمات صحية لمئات الآلاف من السكان الذين كانوا سيجدون أنفسهم دون أي بديل علاجي في حال غياب هذه المنشآت.
كما شهدت السنوات الماضية افتتاح عدد من المراكز الصحية والعيادات المجتمعية التي هدفت إلى تخفيف الضغط عن المشافي المركزية، وتقديم خدمات الرعاية الأولية في المدن والبلدات والقرى النائية، الأمر الذي ساهم في رفع مستوى الاستجابة الصحية وتقليل معاناة المرضى.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تعتمد فقط على الأبنية والمعدات، بل سعت أيضاً إلى بناء كوادر صحية محلية من خلال التدريب والتأهيل المستمر، في محاولة لتعويض النقص الكبير الذي تعاني منه سوريا عموماً في المجال الطبي.
الهلال الأحمر الكردي.. اليد التي وصلت إلى المناطق المنسية
عندما نتحدث عن القطاع الصحي في روج آفا، يصعب تجاهل الدور المحوري الذي لعبه الهلال الأحمر الكردي خلال سنوات الحرب والأزمات الإنسانية المتلاحقة. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض المناطق تعيش ظروفاً استثنائية نتيجة العمليات العدوانية وهجمات الإبادة أو موجات التهجير أو ضعف الخدمات، كانت فرق الهلال الأحمر الكردي تتحرك للوصول إلى السكان وتقديم الدعم الطبي والإغاثي في أصعب الظروف.
وقد شكلت العيادات المتنقلة واحدة من أهم المبادرات التي ساهمت في إيصال الرعاية الصحية إلى المناطق البعيدة والمحرومة من الخدمات الطبية المنتظمة، فهذه العيادات لم تكن مجرد سيارات إسعاف أو فرق طبية متنقلة، بل كانت بالنسبة لآلاف العائلات نافذة الحياة الوحيدة للحصول على العلاج والاستشارات الطبية والأدوية الأساسية.
كما لعب الهلال الأحمر الكردي دوراً مهماً في دعم المهجرين والنازحين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الحرب أو الهجمات الاحتلالية أو الكوارث الطبيعية، حيث قدم خدمات الإسعاف الأولي والرعاية الصحية والدعم الإنساني في المخيمات ومراكز الإيواء.
وخلال جائحة كورونا، برزت أهمية هذه المؤسسة بشكل أكبر من خلال مساهمتها في حملات التوعية الصحية وتقديم الخدمات الطبية للمصابين والمساعدة في تخفيف الضغط عن المشافي والمراكز الصحية.
ورغم التحديات الكبيرة التي واجهتها هذه المؤسسة، سواء من حيث التمويل أو الإمكانات أو الظروف الأمنية، فإنها استطاعت أن تتحول إلى أحد أهم الفاعلين الإنسانيين في المجال الصحي داخل روج آفا وشمال وشرق سوريا.
ولهذا؛ فإن أي حديث عن مستقبل القطاع الصحي في المنطقة لا يمكن تجاهل أهمية استمرار دعم الهلال الأحمر الكردي وتوسيع إمكاناته، باعتباره جزءاً أساسياً من شبكة الحماية الصحية والاجتماعية للسكان.
بين التدهور العام وتجربة الصمود
لا يعني الحديث عن تجربة روج آفا وشمال وشرق سوريا أن القطاع الصحي هناك وصل إلى مرحلة مثالية أو أنه خالٍ من المشكلات والتحديات. فالمنطقة لا تزال تواجه نقصاً في الأدوية والمعدات الطبية المتخصصة والكوادر المؤهلة، كما تعاني من صعوبات مرتبطة بالتمويل والحصار والظروف السياسية والأمنية. لكن؛ المقارنة مع الواقع السائد في أجزاء واسعة من سوريا تكشف وجود فروق واضحة على مستوى التنظيم والاستمرارية وإدارة الخدمات الصحية.
فبينما تتراجع قدرة العديد من المشافي الحكومية في مناطق الحكومة المؤقتة على تقديم الخدمات المجانية، وتزداد الأعباء المالية على المرضى، ما زالت قطاعات واسعة من الخدمات الصحية في روج آفا تعتمد على مبدأ الخدمة المجتمعية ومحاولة الحفاظ على تكاليف مقبولة نسبياً للمواطنين. كما أن وجود شبكة من المشافي والمراكز الصحية والعيادات المتنقلة أسهم في تعزيز القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة في المناطق الريفية والبعيدة عن المراكز الحضرية. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الإدارة المحلية للقطاع الصحي سمحت باتخاذ قرارات أكثر ارتباطاً باحتياجات السكان الفعلية، بدلاً من انتظار قرارات مركزية قد تستغرق وقتاً طويلاً أو تتأثر باعتبارات سياسية واقتصادية مختلفة.
ولذلك؛ يرى كثير من المختصين أن تجربة روج آفا وشمال وشرق سوريا تمثل نموذجاً يمكن البناء عليه وتطويره مستقبلاً، خاصة إذا ما توفرت الموارد اللازمة والدعم الفني والإنساني المطلوب.
حماية المؤسسات الصحية مسؤولية مجتمعية ووطنية
اليوم، وفي ظل استمرار الانهيار الذي يواجهه القطاع الصحي السوري بشكل عام، تبرز الحاجة إلى رؤية مختلفة تقوم على حماية ما تبقى من المؤسسات الصحية ودعمها بدلاً من تركها تواجه مصير التراجع والانهيار. فالمشافي والمراكز الصحية التي جرى بناؤها خلال السنوات الماضية ليست مجرد أبنية أو مشاريع خدمية، بل تمثل استثماراً مجتمعياً وإنسانياً ضخماً أنقذ حياة مئات الآلاف من المرضى وساهم في تخفيف آثار الحرب والأزمات.
ومن هنا تبرز أهمية التمسك بالمؤسسات الصحية الموجودة في روج آفا والعمل على تطويرها وتعزيز قدراتها. وإذا كانت هذه المؤسسات تعاني من نقص في التجهيزات أو الكوادر أو التمويل، فإن الحل لا يكون بإضعافها أو التقليل من أهميتها، بل بتوفير الدعم اللازم لها وتحويلها إلى قاعدة متينة لبناء قطاع صحي أكثر قوة واستدامة.
كما أن حماية الكوادر الطبية يجب أن تكون أولوية قصوى خلال المرحلة المقبلة. فالأطباء والممرضون والفنيون الصحيون يمثلون الثروة الحقيقية لأي نظام صحي، والحفاظ عليهم يتطلب توفير بيئة عمل مستقرة وأجوراً عادلة وفرصاً للتدريب والتطوير المهني.
وفي الوقت نفسه، لا بد من العمل على تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل مستمر، وتوسيع نطاق الخدمات المجانية أو منخفضة التكلفة، وضمان وصول الرعاية الصحية إلى جميع السكان دون تمييز.
إن الحق في الصحة ليس امتيازاً يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان يجب أن يبقى مصاناً مهما كانت الظروف السياسية أو الاقتصادية.