قامشلو/ دعاء يوسف – الفخار السوري إرث حضاري عريق يواصل البقاء رغم تراجع الحرف التقليدية، فيما يسعى الحرفي “أنتون ميساك بيدروسيان” للحفاظ على هذه المهنة ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
تُعدّ صناعة الفخار من أقدم الحرف التي عرفتها البشرية، وقد ارتبطت بالأرض السورية منذ آلاف السنين، حيث كشفت المواقع الأثرية المنتشرة في مختلف المناطق عن أوانٍ فخارية تعود إلى عصور ما قبل الميلاد، ما يدل على المكانة التي احتلتها هذه الحرفة في حياة السكان منذ بدايات الاستقرار الزراعي. وعلى الرغم من التطورات الصناعية والتقنية التي شهدها العالم، ما تزال صناعة الفخار والخزف تحافظ على حضورها بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية والتراثية السورية.
حرفة ترفض الاندثار
بدأ السوريون باستخدام الطين لصناعة الأواني المخصصة لحفظ الماء والحبوب والطهو، قبل أن تتحول هذه الأدوات البسيطة إلى أعمال فنية تحمل زخارف ونقوشاً تعكس ثقافة المجتمعات المحلية. ومع تعاقب الحضارات على سوريا، تطورت تقنيات التشكيل والحرق والزخرفة، لتصبح صناعة الفخار أحد أبرز مظاهر الإبداع الحرفي في المنطقة.
وشهدت مدن سورية عديدة ازدهاراً في هذه الحرفة، لا سيما دمشق وحلب والرقة والجزيرة السورية، حيث ظهرت مدارس فنية متخصصة في صناعة الخزف الملوّن والقيشاني والزخارف المعمارية التي لا تزال تزيّن العديد من المباني التاريخية حتى اليوم. كما ساهمت طرق التجارة القديمة في نقل الخبرات والأنماط الفنية بين سوريا ومختلف الحضارات المجاورة.
في الجزيرة، ورغم تراجع عدد الحرفيين خلال العقود الأخيرة، ما تزال ورشة صغيرة تحافظ على هذا الإرث، ويُعدّ الحرفي “أنتون ميساك بيدروسيان” من آخر العاملين في مهنة صناعة الفخار اليدوي في المنطقة، حيث يواصل العمل داخل ورشته في مدينة قامشلو، مستنداً إلى خبرة طويلة ورثها عن الأجيال السابقة. حيث قال “أنتون ميساك بيدروسيان” خلال لقاء مع صحيفتنا “روناهي”: “إن الفخار ليس مجرد مهنة، بل حكاية عمر وتراث يجب أن يبقى حياً”، موضحاً، أن القطعة الواحدة تمر بعدة مراحل تبدأ باختيار الطين المناسب وتنقيته، ثم تشكيله يدوياً أو باستخدام عجلة الفخار، قبل أن يُترك ليجف ويُنقل إلى الفرن ليُحرق بدرجات حرارة عالية.
وأضاف: “إن العمل في هذه الحرفة يحتاج إلى الصبر والدقة، لأن أي خطأ بسيط قد يؤدي إلى تلف القطعة بعد أيام من العمل عليها”، مشيراً إلى أن أكثر ما يميّز الفخار اليدوي هو أن كل قطعة تحمل بصمة صانعها ولا يمكن أن تتكرر بالشكل نفسه.
ويرى “بيدروسيان”، أن الإقبال على المنتجات الفخارية التقليدية تراجع مقارنة بالماضي نتيجة انتشار البدائل الصناعية، إلا أن الكثير من الناس ما زالوا يبحثون عن القطع اليدوية لما تحمله من قيمة فنية وتراثية، كما لفت إلى أن السياح والمهتمين بالحرف التقليدية يشكلون جزءاً هاماً من زبائن هذه المنتجات.
التحديات التي تواجه صناعة الفخار
وتواجه صناعة الفخار في سوريا اليوم تحديات عديدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تأمين المواد الأولية والأفران المتخصصة، إضافة إلى ضعف التسويق وقلة عدد المتدربين الراغبين في تعلم المهنة، ومع ذلك، يواصل عدد من الحرفيين جهودهم للحفاظ على هذا التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وأكد بيدروسيان، أن استمرار الحرفة يتطلب دعماً أكبر للمشاغل التقليدية وبرامج تدريب للشباب، معتبراً، أن الفخار جزء من ذاكرة المجتمع السوري وتاريخه الثقافي.
واختتم الحرفي “أنتون ميساك بيدروسيان” حديثه: “إذا فقدنا هذه المهن، فإننا لا نخسر مصدر رزق فقط، بل نخسر جزءاً من هويتنا وتراثنا الذي وصل إلينا من آلاف السنين”.
ورغم كل التحديات، ما تزال قطع الفخار السورية شاهدة على حضارة عريقة استطاعت أن تترك بصمتها عبر الزمن، لتبقى هذه الحرفة جسراً يربط الماضي بالحاضر، ويحمل في تفاصيله قصة الإنسان السوري وإبداعه المستمر.