بدرخان نوري
لم يسعَ الكرد في ماضيهم أو حاضرهم، لتحقيق مكاسب سياسيّة جائرة على حساب غيرهم من الشعوب التي تشاطرهم جغرافيا المنطقة، بل يعملون على استعادة حقوقٍ فطريةٍ مشروعة ومستلبة. وجسّد الكرديّ في نضاله التحرريّ على مدى أكثر من قرنٍ محاولات سيزيف، في الأسطورة اليونانيّة، الذي أعاد مراراً ودون يأس محاولة رفع الصخرة دفعاً إلى الأعلى ولكنها كانت تتدحرج إلى السفح كلما شارفت على الوصول إلى القمة، وواقع الكرد اليوم هو جزء من سياقٍ تاريخيّ سابق واستمرارٌ له في دفع صخرةِ الحقوق من قعرِ وادي التهميشِ والإقصاءِ إلى قمةِ العدالةِ.
بينَ منطقِ العقابِ وصلابةِ المحاولةِ
تذكرُ الميثولوجيا الإغريقيةُ إنَّ كبير الآلهةِ “زيوس”، أنزل عقاباً أبديّاً بسيزيفَ جزاءً لذكائِهِ الحادِ وتمرُّدِهِ الوجوديِّ وجرأتِهِ على كشفِ أسرارِ الآلهةِ وخداعِهِ بمكرٍ إله الموت ثانتوس؛ فكان الحكمُ أنْ يحملَ جلموداً صخرياً ضخماً من أسفلِ الوادي ويدفعَهُ بسواعدِهِ وجسدِهِ النحيلِ إلى قمةِ الجبلِ، وما إنْ يلامسَ الذروةَ حتى ينفلتَ الحجرُ ويتدحرج إلى قعرِ السفحِ، فيضطرُّ سيزيفُ للنزولِ مجدداً وتكرارِ الدفعِ في حلقةٍ مفرغةٍ بلا نهايةٍ. غيرَ أنَّ المأزقَ الفلسفيَّ لهذا العقابِ قد حوَّرَهُ سيزيفُ لصالحِهِ دونَ أنْ يدري جلادُه؛ فإصرارُهُ المتواصلُ على الانحناءِ تحتَ الصخرةِ والعودةِ لإمساكِها مرةً بعد أخرى من غيرِ يأسٍ، حوَّلَ الفعلَ من عقوبةٍ سكونيّةٍ مذلةٍ إلى رسالةِ تحدّي واعية، وغدا الصعودُ مسؤوليتهُ الخاصةُ وخيارَهُ الوجوديَّ، وبرهنَ ضمناً إنَّ الآلهةَ وإنْ تفوقت بفرض قوانينها وإعادة الصخر إلى السفح فإنَّها عجزتْ تماماً عن صهرِ إرادتِهِ أو انتزاعِ اعترافِهِ بالدونيّةِ والاستسلامِ، ليصبحَ الصراعُ نحو القممِ بمفردِهِ كافياً لهزيمةِ العبثِ وتثبيتِ جدارةِ الذاتِ الحيةِ.
تُختزلُ القراءاتُ التقليديّةُ لأسطورةِ سيزيفَ مأساةَ الإنسانِ في فكرةِ العقابِ السكونيِّ والعبثيةِ القدريةِ الصماءِ، حاصرةً الرؤيةَ في ثقلِ الصخرةِ وهبوطِها الحتميِّ. غيرَ إنَّ الجوهرَ الأعمقَ يكمنُ في “فعلِ الارتفاعِ” ذاتِهِ وفي سيزيفَ الذي يواصلُ الدفعَ عارياً من اليأسِ، محوّلاً الصخرةَ من عذابٍ إلى تكليفٍ ورسالةٍ، ومثبتاً إنَّ صلابةَ الإرادةِ الواعيةِ الصاعدةِ نحو السويةِ الأخلاقيّةِ والسياسيّةِ الأعلى هي دائماً أثقلُ وأبقى من جلمودِ الحجرِ الأصمِّ ومن قهرِ الجلادين.
المفارقة أنّ الكاتب الفرنسيّ ألبير كامو ألّف كتابه “أسطورة سيزيف” حول عبثيّة الحياة واستفتحه بطرح السؤال الوجوديّ: “هل تستحق الحياة أن تُعاش؟” مع غيابِ المعنى المطلق في العالم، ورأى إنّ حياتنا تشبه حياة سيزيف، يمكن أن نراها غير مجدية ولا معنى لها. وما معنى أن يقوم سيزيف بنفس المهمة كلّ يوم ولا يصل إلى نتيجة؟ يتساءل كامو: ما معنى أن نحيا في هذه الدنيا؟ ما جدوى وجودنا في عالمٍ محكومٍ بالزوال؟ ما جدوى أن نعمل؟ ما جدوى أن نأتي للحياة ثم نموت؟ وما معنى أن نؤمنَ بمعتقداتٍ وأفكار في عالم لا توجد فيه حقائق مطلقة؟ الحقيقة أنّ كامو أخذ قصة سيزيف في اجتزاء لعبرتها، وطرح أسئلة جدليّة يعجز هو نفسه عن الإجابة عنها، وتخلق آثار سلبيّة في البشريّة لدرجة اعتقال العقل، فسرُّ الحياةِ ليس ما نراه بل ما نفهمه وندركه ولذلك لكلٍّ منا عالمه، وقضية المعنى ليست منتجاً جاهزاً، بل يفترض أن نصنعه بأنفسنا، وهذا هو الجانب الأخلاقيّ فينا، وسيزيف لم يعتبرِ الفشلَ قدراً بل واصل المحاولة.
إرث الصعود والتراكم التاريخيّ
لم يولدْ جلمودُ الصخرةِ الكرديّةِ من ترفِ الأيديولوجيا، بل تشكّلَ بنيويّاً في جغرافيا القهرِ العاريةِ مع اتفاق سايكس بيكو واُستكمل عقبَ انهيارِ الدولةِ العثمانيّةِ وتمزيقِ وعودِ “سيفر” (1920)، ثم زِيدتِ الصخرةُ ثقلاً مضافاً تحتَ ركامِ “لوزان” (1923)، ليتضاعفَ وزنُها لاحقاً في ظلِّ صعودِ الأنظمةِ السياسيّةِ الشوفينيةِ المجاورةِ. وفي الوقتِ الذي وُزعت فيه الجغرافيا على كائناتِ الكياناتِ الناشئةِ ومُنح الآخرونَ صخوراً رُفعت إلى القممِ لتتحولَ إلى دولٍ ركنتْ لاحقاً إلى كسلٍ تنمويٍّ واعتمادٍ ريعيٍّ على الثرواتِ الباطنيةِ، جرى حرمانُ الكردِ من أبسطِ مقوماتِ الوجودِ الوطنيِّ، وصاغتْ عواصمُ الطوقِ الحاكمةِ (أنقرة وطهران) من مخاوِفِها هواجسَ وجوديةً متبادلةً سُمّيت زوراً وتشويهاً بـ “الأمنِ القوميِّ”، وجرى حقنُ شعوبِ المنطقةِ بوهمٍ يزعمُ أنَّ الحركةَ السيزيفيةَ الكرديّةَ نحو الانعتاقِ تعني بالضرورةِ دحرجةَ صخورِ الآخرينَ نحو المنحدرِ وتفكيكَ دولِهِم، بينما يؤكد الواقعُ أنَّ الكرديّ غير معني إلا برفعِ صخرتِهِ الفطريةِ وتثبيتِ هويتِهِ فوقَ ترابِهِ التاريخيِّ.
لا ينبغي قراءة تدحرج الصخرةِ اليوم كحدثٍ معزولٍ أو نكبةٍ طارئةٍ بلا جذورٍ، بل كفصلٍ من مسيرةِ صعودٍ تاريخيّةٍ ممتدةٍ، ضربت عميقاً في وجدانِ الزمنِ، ولم يعرف فيها سيزيفُ الكرديّ الاستسلامَ القهريّ يوماً.
بدأت محاولاتُ الكرد لرفعِ الجلمودِ مبكراً منذ القرنِ التاسعِ عشرَ، بانتفاضات الأمير بدرخان باشا (1847) والشيخ عبيد الله النهريّ (1880) كحركاتٍ طليعيّةٍ مبكرةٍ لرفضِ الخنقِ المركزيِّ العثمانيِّ وصياغةِ الوعيِ القوميِّ الأولِ. ومع مطلعِ القرنِ العشرينَ، تجددتِ الأنفاسُ الصاعدةُ مع الشيخ محمود الحفيد 1919، ضد السلطة العراقيّة وثورة الشيخ سعيد بيران (1925)، التي واجهت أعتى آلاتِ القمعِ الطورانيّة الأتاتوركيّة، لتتبعَهُما محاولةُ “حزبِ خويبون” أعلنت استقلالها ذاتيّاً في 28/10/1927 لتأسيسِ جمهوريةِ آرارات (1927 – 1930) في محيطِ الجبلِ الأشمِّ، بقيادة اللجنة المركزيّة لحزب خويبون Xoybûn القوميّ الكرديّ، وقاد جناحها العسكريّ الجنرال إحسان نوري باشا، وسُحقتْ بتواطؤٍ إقليميٍّ مروّعٍ سمحَ للجيشِ التركيِّ بالالتفافِ عبر الأراضي الإيرانيّةِ ومحاصرةِ الثوارِ وتصفيتِهِم في 12/7/1930 في مجازرِ “وادي زيلان”، تلتْها انتفاضةُ ديرسم 1937 بقيادةِ سيد رضا التي انتهتْ بإبادةٍ جماعيّةٍ خنقتِ المنطقةَ معنويّاً لعقودٍ.
كلُّ هذه المحطاتِ المتلاحقةِ لم تكن هباءً عبثيّاً، بل كانتْ مخاضاً تراكمياً مقدساً لاكتشافِ مكامنِ القوةِ والضعفِ، وتثبيتاً لإرثٍ جماعيٍّ يرفضُ التخلّي عن الحجرِ ومغادرةِ حلبةِ التاريخِ.
أثمان التفاهمات الدوليّة
تُظهرُ المقارنةُ الصارمةُ للصعودِ الكرديّ في القرن الماضي فصلاً متكرراً، يتجسدُ في فخِّ التعويلِ على الروافعِ الدوليّةِ والعهودِ الاستراتيجيّة المنقوضةِ التي تتحولُ عند حوافِ القممِ إلى مساوماتٍ رخيصةٍ. ويتجلى هذا الخذلانُ بأوضحِ صورِهِ السياسيّةِ في تجربةِ جمهوريةِ مهاباد الكرديّةِ (1946) في إيران، التي لم تدُمْ سوى أحد عشرَ شهراً؛ إذ كان لدورِ موسكو السوفيتيّةِ الأثرُ الحاسمُ بإنهائِها، حين سحبتْ قواتِها فجأةً وتركتِ الجمهوريةَ الفتيةَ وحيدةً أمامَ مخالبِ الجيشِ الإيرانيِّ، بعدما نالتْ موسكو امتيازاتٍ نفطيةً وتوصلت لتفاهماتٍ استراتيجيةً مع حكومةِ طهران، ليُقادَ القاضي محمد إلى منصةِ الإعدامِ نتيجةَ هذا الغدرِ الدوليِّ.
وتكررتِ المحنةُ بذاتِ السيناريو القاتلِ في ثورةِ أيلول عام 1961، ردّاً على انحراف عبد الكريم قاسم عمّا تمّ الاتفاق عليه في الدستور الجديد، الذي أقرَّ بالشراكةِ بين الكرد والعرب، واعترف بالحقوق القوميّة للشعب الكرديّ، واستمر حتى عام 1975، وحين تلاقتْ مصالحِ شاهِ إيران والولاياتِ المتحدةِ برعايةِ هنري كيسنجر مع نظامِ بغداد، وُقعت “اتفاقيةُ الجزائرِ” في 6/3/1975، على هامش اجتماع منظمة أوبك، لحلِّ النزاع الحدوديّ بين العراق وإيران فتنازل العراق عن شط العرب وتوقفت طهران عن دعم الكرد فجأةً في اللحظةِ الحرجةِ لتتدحرجَ الصخرةُ نحو السفحِ في نكسةٍ كبيرة.
لم يقتصرِ العداءُ الإقليميُّ للصخرةِ الكرديّةِ على قمعِ الانتفاضاتِ المسلحةِ، بل تمددَ ليعلنَ حرباً شاملةً ضدَّ أيِّ ممارسةٍ ديمقراطيّةٍ سلميّةٍ تبحثُ عن تثبيتِ الوجودِ؛ وهو ما تجلى بوضوحٍ ساطعٍ في الاستنفارِ الإقليميِّ العارمِ الذي تقاطعتْ فيه مصالحُ بغداد وأنقرة وطهران عقبَ إجراءِ إقليمِ كردستان العراقِ لاستفتاءِ حقِّ تقريرِ المصيرِ في 25/9/2017. وجُوبه ذلك الحراكُ المدنيُّ الخالصُ بطوقٍ خانقٍ وإغلاقٍ للمنافذِ الحدوديّةِ والأجواءِ، وأُطلقت تهديداتٌ عسكريّةٌ مباشرةٌ، وكانت كركوك ثمناً غالياً، لتؤكدَ عواصمُ الطوقِ أنَّ مجردَ الحلمِ الكرديّ بالحريةِ يستدعي تجميدَ الخلافاتِ البينيةِ وتوحيدِ سكاكينِ المسلخِ الإقليميّ.
وتكرر ذاتُ الإجماعِ الاستئصاليِّ في المشهدِ السوريِّ الراهن عبر العداءِ المطلقِ لتجربةِ “الإدارةِ الذاتيةِ”، وتحديداً عبر منصةِ “أستانه” التي جمعتْ (روسيا، تركيا، وإيران)، هذه المنصةُ دأبتْ عبر كافةِ بياناتِها الختاميّةِ على توجيهِ الاتهاماتِ الجاهزةِ لنهجِ الإدارةِ الذاتيّةِ، وصياغةِ لغةٍ سياسيّةٍ إقصائيةٍ تُعدُّ بمثابةِ “إعلاناتِ حربٍ” صريحةٍ ومشرعنةٍ ضدَّ المكوناتِ المحليّةِ، مبررةً تحتَ زعمِ حمايةِ وحدةِ الأراضي السوريّةِ والتركيّةِ أيَّ توغلٍ عسكريٍّ احتلاليّ وتدميرٍ للبنى التحتيّةِ والخدميّةِ التي شيدتْها سواعدُ أبناءِ الأرضِ ودفع ثمنها من دماءِ شبابِهِم.
كمائن الجغرافيا المكشوفة
تستمرُ الاستطالاتُ الجيوسياسيّةُ في تعميقِ جراحِ الجغرافيا السوريةِ المعاصرةِ، مخلصةً للنسقِ التاريخيِّ ذاتِهِ في سقوطِ الصخرةِ؛ وتحديداً في تتبعِ مسارِ قواتِ سوريا الديمقراطيّة (قسد) التي حاربت بوعيٍ وطنيٍّ كاملٍ ورهانٍ على قدراتِها الذاتيةِ وفهم ضروراتِ التنسيقِ الدوليِّ المشتركِ في الحربِ الوجوديّةِ ضدَّ إرهابِ مرتزقة “داعش” العابر للحدود، وجابهت العدوان التركيّ الاحتلاليّ، ودفعتْ فواتيرَ الدم في العدوان على عفرين واحتلالها في آذار 2018 والعدوان على سري كانيه وكري سبي في تشرين الأول 2019.
سرعان ما ارتدَّ الحليفُ الأمريكيّ لاحقاً إلى خططِهِ الاستراتيجيةِ في حرب إيران والمحافظةِ على توازناتِ حليفِهِ التركيِّ في الناتو، ليتجنب الكرد بحكمةٍ مخططاً أشدّ خطورةً، برفض طلب منهم المبعوث الأمريكيّ مواجهة الحشد الشعبيّ، الأمر الذي من شأنه استهداف الإدارة الذاتيّة وإقليم كردستان بالوقت نفسه وتفجير فتنةٍ عربيّة ــ كرديّة، فعملت واشنطن على استثمارِ بدائلَ وظيفيّةٍ أقلَّ كلفةً وأضمنَ لمصالحِها الإقليميّةِ عبر توظيفِ العروبةِ بصيغتِها العشائريّةِ النفعيّةِ، والجهاديّةِ بمرجعيتِها المذهبيّةِ، والثوريّةِ بصيغتها الفصائليّةِ المتحولةِ إلى بنيةِ ارتزاقٍ خاضعةٍ لأنقرة، وهذا ما يتوافق موضوعيّاً ووظيفيّاً مع مشروع توطين الكياناتِ الجهاديّةِ العابرة للحدودِ على حسابِ الكيانِ الوطنيّ والخصوصياتِ الثقافيّةِ، وتتكرر بذلك محاولة دحرجة الصخرة الكرديّة للأسفل، بتنكر الأطراف الإقليميّة والدوليّة لقرابين الكردُ الباهظة في محاربةِ إرهاب “داعش”، في سياق حساباتِ المصالحِ وتوافقات التسويات.
بلغ التواطؤُ النفعيُّ ذروتَهُ مطلعِ عام 2026، في استهداف قواتِ “قسد” في كمائن دمويّةٍ على الطرقِ العامةِ وخارجَ الوضعِ القتاليِّ في 18/1/2026، وتزامنت في ذاتِ النسقِ الغادرِ مع حصارٍ متعددِ الأطرافِ فُرضَ قبلَها بأيامٍ لضربِ الصمودِ الأسطوريِّ تبعته عملية اقتحام بالقوة العسكريّة المفرطة لحيي الشيخِ مقصودٍ والأشرفيةِ في مدينة حلبَ.
دمشق وعوائق الشراكة الدستوريّة
لا تتوقفُ معوقاتُ استقرارِ الصخرةِ فوق قممِ الاستقرارِ الوطنيِّ عند حدودِ غاراتِ الطائراتِ وبطشِ مجموعات المرتزقة، بل تصطدمُ بجدرانِ ليلِ السلطةِ البيروقراطيّةِ والذهنيّةِ المركزيّةِ، والتي تحظى اليومَ بدعمٍ وتفاهماتٍ مبطّنةٍ بين أنقرة وواشنطن لإعادةِ تعويمِ المركزِ على حسابِ الهوامشِ الديمقراطيّةِ. وحين تنزاحُ لغةُ الميدانِ العسكريّةِ وتتفجرُ استحقاقاتُ الحلِّ السياسيّ، تبرزُ الفجوةُ الحادةُ والتناقضُ الصادمُ بين تصريحاتِ دمشقَ اللفظيّةِ المداورةِ التي تتضامن شكليّاً مع المكوناتِ وتدّعي تفهّمَ مطالبِها، وبين ممارساتِها التشريعيّةِ والدستوريّةِ على أرضِ الواقعِ؛ وهي الممارساتُ التي تعيقُ حتى اليوم صياغةِ أيِّ شراكةٍ وطنيّةٍ حقيقيّةٍ حاميةٍ للتنوعِ.
ويتجلى هذا العزلُ المنظمُ في خفضِ وتقييدِ التمثيلِ البرلمانيِّ والسياسيّ للكردِ، والرفضِ القاطعِ لتضمينِ الإعلانِ الدستوريِّ موادَ واضحةً وغيرَ قابلةٍ للتأويلِ تصونُ الحقوقَ الثقافيّةَ والقوميّةَ الوجوديّةَ، واختزالِ لغتِهِم التاريخيّةِ باعتبارِها مجردَ لغةٍ “وطنيّةٍ” محليةٍ وليست لغةً “رسميّةً” في مناطقِ ثقلِهِم الديمغرافيِّ، وحصرِ حمايتِها في إطارِ مراسيمَ تشريعيّةٍ هشّةٍ ومؤقتةٍ يمكنُ إلغاؤُها أو تجميدُ العملِ بها بجرّةِ قلمٍ إذا ثبت النظام المركزيِّ، ما يفرغُ مفهوم المواطنةِ المتساويةِ من محتواهُ القانونيِّ الضامنِ.
الإصرار والنجاة من فخ الدونيّة
تثبت قراءةَ التاريخِ بوعيٍ صارمٍ إنَّ الخطرَ الأشدَّ فتكاً من تدحرجِ الصخرةِ الجغرافيّةِ أو خسارةِ معركةٍ ميدانيّةٍ، هو الانكسارُ النفسيُّ الذي يتسللُ إلى العقولِ حين يُقاسُ الوجودُ فقط بعددِ النكساتِ وفواتيرِ الدمِ الباهظةِ؛ ما يدفعُ بالبعضِ نحو متاهاتِ جلدِ الذاتِ المفرطِ وإطلاقِ الأحكامِ العدميّةِ القاسيةِ وتخوينِ رفاقِ الأمسِ، وكأنَّ العلةَ كامنةٌ في الكينونةِ الكرديّةِ ذاتِها، وبذلك يُبتلع الطُعم الذي وضعته إدارة الحرب الخاصة في الطريق.
هناك من يسقط في فخِ الاحتقانِ، في سياق ممارسة النقد الذاتيّ، لينضم مجاناً ومن حيث لا يدري إلى أجندة معادية لطرفٍ يستثمرُ في الهزيمةِ النفسيّةِ فيؤكّدَ الفرضيّة العنصريّةَ حول “قصورِ الشخصيّةِ الكرديّةِ” ودونيتِها وعدمِ جدارتِها بحملِ الصخرةِ أو إدارةِ شؤونه الذاتيّة، ويقتضي الوعيُ الحقُّ إدراكَ أنَّ الإنسانَ الكرديّ ليس شاهداً خارجيّاً على التاريخِ بل هو صانعُهُ ومادتُهُ؛ والذين دفعوا أثماناً باهظةً من دمائِهِم لم يفعلوا ذلك ليورثوا الأجيالَ اللاحقةَ إحباطاً وعجزاً مكتسباً، بل ليورثوهُم عهدَ الإصرارِ ومعرفةِ مواطنِ الضعفِ الهيكليّةِ السابقةِ لتفاديها في صعودِ الغدِ.
الصخرةَ التي تتدحرجُ مراراً تفرزُ في كلِّ مرةٍ الخائنَ من الوفي، والنفعيَّ من المناضلِ، وتثبتُ أنَّ التخلّي عن الحجرِ عند أولِ منحدرٍ هو الموتُ المعنويُّ الحقيقيُّ، والنجاةُ تبدأُ من السفحِ بإعادةِ لمِّ شملِ السواعدِ والأكتافِ تحت الجلمودِ الوطنيِّ الجامعِ، وتحييدِ المعاركِ الحزبيّةِ والأيديولوجيّةِ الضيّقةِ لصالحِ حمايةِ الإنسانِ وصون الإرادةِ والتشبثِ بحقولِ الزيتونِ ومراعي الجبالِ؛ فسيزيفُ لم يُهزمْ ولم تستطعِ الآلهةَ صهرَ إرادتِهِ أو إجبارَهُ على القبولِ بالدونيّةِ، وبقاءُ الصخرةِ في يدهِ صاعدةً كان الملحمةُ الحيّةُ التي تُسقِط فرضيّةَ القدر وتصنعُ الجدارةَ والحريةَ فوق أعلى القممِ.