إذا كان الشعر الكلاسيكي يشبه نهرا يسير في مجرى محدد بقيود الوزن والقافية، فإن الشعر الحداثوي هو فيضان يخرق الضفاف، حاملاً معه رؤى جديدة تفكك اليقينيات وتستبدل الإجابات بأسئلة وجودية، ويتحول الشعر في هذا السياق من أداة جمالية إلى فعل مقاومة، خاصة عندما تمسكه أنثى تكتب بجسدها وذاكرتها قبل أن تكتب بالحبر، ويصبح الشعر الحداثوي عند المرأة ليس مجرد تيار أدبي، بل مانيفستو ثوري يعيد تعريف الهوية الأنثوية عبر تشظي اللغة نفسها، كما نرى في نص “الأرض التي شربت وجهي” للشاعرة التونسية العامرية سعد الله الجباهي، الذي يمثل علامة فارقة في شعر المرأة العربية.
حيث تتحول الرغبة الأنثوية المكبلة تاريخيا بوصمة “العيب” إلى مطرقة تفكيك تضرب صخور التقاليد، مستخدمة أدوات الحداثة من تكرار إيقاعي وانزياحات رمزية لخلق لغة موازية، اللغة التي لا تعبر عن الأنثى فحسب، بل تعيد اختراعها كما لو أن القصيدة ورشة وجودية تصنع فيها الذات من جديد:
“لي رغبة/ أن أقشر ليلي/ وأن أفتح فيه فتحة/ تسع وجهي/ وجهي الذي ما عاد يشبهني/.
لي رغبة/ أن أفرش ملامحي/ النازفة/ فتشربها الأرض العطشى/ وعندما تهب العاصفة/ تجرفها إلى قاع البحر/ البحر الهادر أكثر أمناً/.
لي رغبة/ أن أجلس في مهب الريح وأفرد شعري/ فيتطاير/ وتتناثر خطايا زمني المثقوب/ تلك التي تلبست بي/ تستيقظ في امرأة تشبهني/ امرأة لا تحصي/ حماقاتي الغفيرة/ ولا تنشرها على حبل في شرفة الليل/ لكنها تضحك ملء الحلم/”.
في هذا النص الشعري نجد مفردات ورموزاً تتجاوز حدود التعبير التقليدي لتفتح آفاقاً من المعاني المتعددة، حيث تظهر الشاعرة حالة وجدانية معقدة تتداخل فيها رغبة التحرر الذاتي مع صراع الهوية وإعادة التشكيل الذاتي.
وأن تكرار عبارة “لي رغبة” ثلاث مرات ليس مجرد توكيد بلاغي، بل هو تفجير لـ “الرغبة” كفعل ثوري ضد خطاب الهوية الثابت، مما يخلق إيقاعاً داخلياً يؤكد على تعدد الأبعاد في الرغبة، وهذه التكرارية تبرز كيف يتحول الشعور إلى نداء دائم يدعو لإعادة تأطير الذات، مما يشير إلى انقسام الهوية بين ما كانت عليه وما تتوق إليه الشاعرة، فكل تكرار يعيد تشكيل الرغبة من جديد من تقشير الليل إلى تفصيل الملامح، ثم إلى تفريغ الخطايا. الانزياح عن الوزن التقليدي نحو الشعر الحر يعكس رفض الانضباط الشعري، تماما كما تتمرد الشاعرة على الانضباط الاجتماعي المحدد لهويتها.
تستخدم الشاعرة صورة “أقشر ليلي” و”أفتح فيه فتحة تسع وجهي”، في إشارة إلى رغبتها في الكشف عن طبقات ذاتها المدفونة، وربما المنقسمة، حيث يمثل الليل مجمل التجارب والأسرار التي تحتاج إلى التفكيك لإبراز وجوه متعددة، هذا التفكيك يشير إلى فقدان التشابه مع الذات القديمة وظهور “وجهي الذي ما عاد يشبهني”، في إشارة إلى عملية إعادة البناء والتجدد.
الفراغات بين الأسطر مثل: “تسع وجهي/ وجهي الذي ما عاد يشبهني” تحاكي تشظي الذات، فكل سطر هو مرآة مكسورة تعكس جزءاً من الوجه/ الهوية.
الرمزية التفكيكية.. تشريح الذات والطبيعة
الليل مخبأ للذات المكبوتة:
عندما تصرح الشاعرة: “أقشر ليلي” فهي تحول الليل من رمز تقليدي للغموض إلى جسد قابل للتشريح، فالتقشير هنا فعل جراحي يفضح ما تخفيه الذات تحت ستار الظلام.
الوجه/ القناع
الوجه الذي “ما عاد يشبهني” هو تفكيك لـ “قناع الهوية” الذي تفرضه الثقافة الذكورية، الوجه هنا ليس عضواً بيولوجيا بل نصاً ثقافياً تعيد الشاعرة كتابته.
الشعر فعل جسدي .. وجسد حقل معركة
الأرض العطشى والبحر الهادر:
الأرض التي تشرب “الملامح النازفة” تجسد التناقض بين الخصب والدمار، فالأرض رمز الخصوبة الأنثوي تتحول إلى فم يبتلع جراح الذات، بينما البحر الهادر رمز الفوضى يصير ملاذا آمنا في قلب المفارقة.
تنتقل الشاعرة إلى استخدام صور الأرض والبحر كرموز للانغماس في الذات والعالم الخارجي على حد سواء، إذ تفرش “ملامحي النازفة” لتتشربها الأرض، في حين أن العاصفة والبحر ترمزان إلى القوة التدميرية والتحرر من القيود.
البحر “الهادر” الذي يصور هنا بأنه أكثر أماناً يعيدنا إلى فكرة أن الخوض في العواطف الجياشة قد يكون الملاذ الحقيقي لتلك الرغبة المدمرة والبناءة في آن واحد.
المفردات الجسدية “أقشر”، “نازفة”، “شعري”، “تلبست بي” تحول القصيدة إلى فعل تشريحي فالشاعرة لا تكتب عن الجسد بل تكتب بالجسد.
الخطيئة علامة جسدية
“خطايا زمني المثقوب” ليست ذنوباً أخلاقية بل ندوباً وجودية تخلفها الثقافة على جسد الأنثى، وتناثرها في مهب الريح هو محو لـسردية التأنيث المذنب.
المرأة التي “تشبهني” ولا تشبهني
الانقسام الداخلي بين الأنا والآخر:
تجسد الشاعرة حالة الانفصال الداخلي، حيث تجلس “في مهب الريح” وتفرد شعرها، في إشارة إلى إطلاق الذات من قيود الزمن والخطايا الماضية، فتتجسد فكرة التفكيك على مستوى الذاكرة والجسد، إذ تتناثر “خطايا زمني المثقوب” لتظهر امرأة تشبهها، لكنها تختلف عنها، امرأة لا تحصي “حماقاتي الغفيرة” بل تضحك، مما يرمز إلى تقبلها لجزء من ذاتها الذي طالما كان مكبوتاً أو مذموماً”.
المرأة التي “تستيقظ في” هي الذات البديلة التي ترفض عد “الحماقات الغفيرة”، وحضورها يعلن انفصال الشاعرة عن النسخة المجتمعية من نفسها.
الضحك فعل مقاومة
ضحك المرأة “ملء الحلم” هو تهكم على سردية التضحية الأنثوية، فالضحك هنا ليس فرحاً بل سلاح ضد ثقافة العيب.
تفجير النظام الدلالي
النقد التفكيكي.. الهوية كوهم مؤقت:
النص لا يبحث عن هوية ثابتة بل يفكك فكرة الهوية نفسها، فالوجه يتغير، والمرأة المستيقظة تختلف عن الذات الأصلية، كما أن الخطايا تتناثر فلا يبقى منها أثر.
هذا التفكيك يجسد مقولة دريدا (لا وجود لمعنى خارج النص)، فالهوية هنا نص مفتوح على التشظي.
ومن خلال هذه الرموز والصور، تتجلى الحالة الوجدانية للشاعرة التونسية العامرية سعد الله الجباهي، التي تنتمي إلى جيل من الشاعرات العربيات اللواتي حولن القصيدة إلى مختبر لتفكيك الذات وإعادة تركيبها خارج الوصايات.
وإذا كانت دواوينها السابقة، من “نقر على أوتار الحرف” إلى “امرأة في وادي الفراشات” وما تسرب من عين الشمس”، قد أرست ملامح مشروعها الشعري، فإن هذا النص يبدو أشبه بخلاصة معرفية لامرأة تكتب وكأنها تنزع عن وجهها الأقنعة، قناعاً بعد آخر، حتى تلتقي بذاتها الأولى في مهب الريح.
ولعل في عنوان مخطوطها المنتظر “ريح أطفأت ليلي” ما يشي بأن مشروع تقشير الليل لم يكتمل بعد، وأن الرغبة، كما تكتبها العامرية، ليست نقطة وصول، بل ريح لا تهدأ، تعصف باليقينيات، وتترك خلفها امرأة تضحك ملء الحلم.
سيرة ذاتية
العامرية سعد الله
شاعرة تونسية، عضو اتحاد الكتاب التونسيين
شاركت بعدة مهرجانات وملتقيات ثقافية
نشرت في عدة صحف وجرائد ورقية ومواقع إلكترونية
صدر لها:
1) ديوان شعري “نقر على أوتار الحرف” 2015
2) ديوان “حنين إلى مرافئ الحلم”
3) ديوان “امرأة في وادي الفراشات” 2020
4) ديوان “ما تسرب من عين الشمس” 2026
5) مخطوط ديوان ينتظر الطبع بعنوان “ريح أطفأت ليلي”