قامشلو/ دعاء يوسف – أصبحت مشاركة المرأة السورية في مواقع صنع القرار إحدى القضايا الأساسية التي تشغل الحكومات والمؤسسات والمنظمات المدنية، خصوصاً مع تزايد القناعة بأن بناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدالة يتطلب إشراك جميع مكوناتها في رسم السياسات واتخاذ القرارات.
ورغم التقدم الذي تحقق خلال العقود الماضية، لا يزال مفهوم “التمثيل العادل” محل نقاش، إذ يرى كثيرون أن وجود النساء في المناصب القيادية لا يعني بالضرورة تحقيق مشاركة حقيقية أو تأثير فعلي في صناعة القرار.
يُقصد بالتمثيل العادل للمرأة ضمان حصول النساء على فرص متكافئة للوصول إلى مواقع صنع القرار والمشاركة فيها، سواءً في المؤسسات السياسية أو الإدارية أو الاقتصادية أو المجتمعية، ولا يرتبط هذا المفهوم بعدد المقاعد أو المناصب التي تشغلها النساء فقط، بل بقدرة النساء على التأثير في القرارات والسياسات التي تنعكس على حياة المجتمع بأكمله.
وجود شكلي دون تغيير محوري
يؤكد خبراء الحوكمة أن العدالة في التمثيل لا تتحقق من خلال تعيين عدد محدود من النساء في مناصب رمزية بهدف إظهار التنوع أو الاستجابة للضغوط المجتمعية، وإنما عبر إشراك النساء في المواقع التي تمتلك صلاحيات حقيقية وتمكنهن من المساهمة في رسم الأولويات ووضع الخطط واتخاذ القرارات، فوجود امرأة في مؤسسة ما لا يعني بالضرورة أن صوت النساء ممثل فيها، خصوصاً إذا كانت صلاحياتها محدودة أو إذا كانت عملية صنع القرار محصورة في دوائر ضيقة.
ويستند تعزيز مشاركة المرأة في مواقع القرار إلى مجموعة من المبررات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فمن الناحية الديمقراطية، يشكل النساء نحو نصف المجتمع، وبالتالي فإن غيابهن عن مواقع التأثير يعني غياب جزء كبير من المجتمع عن المشاركة في تحديد مستقبله. أما من الناحية العملية، فقد أظهرت العديد من الدراسات أن تنوع وجهات النظر والخبرات داخل المؤسسات يساهم في تحسين جودة القرارات ويعزز قدرة المؤسسات على فهم احتياجات مختلف الفئات الاجتماعية.
كما أن مشاركة المرأة في مواقع القرار لا تقتصر آثارها على المؤسسات نفسها، بل تنعكس أيضاً على المجتمع بشكل أوسع، فعندما تتولى النساء مواقع قيادية، تزداد فرص طرح قضايا قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في ظل هيمنة الرجال على مراكز القرار، مثل قضايا التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وهذا لا يعني أن النساء يتبنين مواقف موحدة أو يمتلكن رؤية واحدة، لكنه يعني أن التنوع في صناعة القرار يساعد على إنتاج سياسات أكثر شمولاً وتوازناً.
وفي العديد من الدول، جرى اعتماد آليات مختلفة لتعزيز تمثيل النساء، من بينها نظام الكوتا أو الحصص النسائية الذي يحدد نسبة معينة من المقاعد للنساء في المجالس المنتخبة أو المؤسسات العامة، ويعتبر مؤيدو هذه الآلية أنها أداة مؤقتة تهدف إلى معالجة اختلالات تاريخية منعت النساء من الوصول إلى مواقع القرار، بينما يرى منتقدوها أن المعيار يجب أن يكون الكفاءة فقط إلا أن خبراء الحوكمة يشيرون إلى أن الحديث عن الكفاءة لا يمكن فصله عن تكافؤ الفرص، إذ إن النساء غالباً ما يواجهن عوائق اجتماعية واقتصادية وسياسية تقلل من فرص وصولهن إلى المناصب القيادية.
ماذا عن المرأة السورية..؟!
وفي السياق السوري، اكتسبت قضية مشاركة المرأة أهمية إضافية خلال السنوات الأخيرة مع الحديث عن مستقبل البلاد وإعادة بناء المؤسسات. وتؤكد ناشطات وسياسيات أن أي عملية إصلاح أو انتقال سياسي لا يمكن أن تكون شاملة ومستدامة إذا جرت من دون مشاركة فعلية للنساء، كما تشير العديد من المبادرات النسوية إلى أن التمثيل العادل لا يقتصر على زيادة عدد النساء في المؤسسات، بل يشمل ضمان مشاركتهن في صياغة السياسات العامة والقرارات المتعلقة بمستقبل البلاد.
ورغم الخطوات التي شهدتها بعض المؤسسات في إشراك النساء، ما تزال هناك تحديات كبيرة تعيق الوصول إلى تمثيل متوازن، فمن بين هذه التحديات استمرار بعض الصور النمطية التي تربط القيادة بالرجال، إضافةً إلى محدودية الفرص المتاحة للنساء في بعض القطاعات، وضعف الدعم السياسي والاقتصادي الذي يساعدهن على الوصول إلى المناصب القيادية كما تواجه النساء أحياناً حملات تشهير أو ضغوطاً اجتماعية قد تدفع بعضهن إلى الابتعاد عن العمل العام.
ويرى مختصون أن تحقيق التمثيل العادل يتطلب العمل على عدة مستويات في الوقت نفسه، بدءاً من تطوير التشريعات والسياسات التي تكفل تكافؤ الفرص، مروراً بدعم مشاركة النساء في الحياة العامة، ووصولاً إلى تعزيز ثقافة مجتمعية تؤمن بحق النساء في القيادة والمشاركة السياسية. كما أن توفير برامج تدريب وتأهيل للقيادات النسائية الشابة يمكن أن يسهم في توسيع قاعدة النساء القادرات على الوصول إلى مواقع القرار مستقبلاً.
ويمكن القول: النساء ابتعدن عن مواقع صنع القرار في سوريا خلال سنوات الأزمة. ولكن؛ اليوم وبالحديث عن بناء سوريا جديدة يجب الحديث إعادة خرط النساء في المجال السياسي وأن تتبوأ مراكز هامة في مواقع صنع القرار وأن تحفظ حقوقها ضمن الدستور السوري.
المرأة في الإدارة الذاتية
وتُعد تجربة المرأة في روج آفا وشمال وشرق سوريا من أبرز التجارب في مجال المشاركة السياسية وصنع القرار على المستوى السوري، حيث اعتمدت مؤسسات الإدارة الذاتية منذ تأسيسها مبدأ الرئاسة المشتركة ونظام التمثيل المتساوي بين النساء والرجال في العديد من المؤسسات والمجالس.
وقد أتاح هذا النموذج للنساء الوصول إلى مواقع قيادية في الإدارات المحلية والهيئات التنفيذية والمجالس التشريعية، بعد عقود من محدودية المشاركة السياسية وأسهمت هذه التجربة في تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة وإشراكها في إدارة الملفات السياسية والخدمية والاجتماعية، ما جعلها نموذجاً يُستشهد به عند الحديث عن تمكين المرأة في مواقع صنع القرار.
ورغم التحديات الاجتماعية والسياسية والظروف الأمنية التي مرت بها المنطقة، تمكنت النساء من لعب دور فاعل في رسم السياسات واتخاذ القرارات والمشاركة في إدارة المؤسسات، الأمر الذي ساهم في ترسيخ مفهوم الشراكة بين الجنسين وتعزيز دور المرأة كفاعل أساسي في إدارة الشأن العام.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال التمثيل العادل للمرأة في رقم أو نسبة محددة، رغم أهمية المؤشرات الكمية في قياس التقدم؛ فالمعيار الحقيقي يتمثل في مدى قدرة النساء على المشاركة الفعلية في صناعة القرار والتأثير في السياسات العامة وعندما تصبح مشاركة النساء أمراً طبيعياً في مختلف مستويات القيادة، وعندما يتم تقييمهن على أساس الكفاءة والخبرة بعيداً عن التمييز أو الإقصاء، يمكن عندها الحديث عن تمثيل عادل يعكس حقيقة المجتمع ويعزز فرص التنمية والاستقرار والعدالة للجميع.