د. طه علي أحمد
لم يعد الحديث المتزايد عن إحياء خط سكة حديد الحجاز أو إنشاء ممرات نقل تربط تركيا بسوريا والأردن وصولًا إلى السعودية ودول الخليج مجرد نقاش تقني يتعلق بقطاع النقل أو البنية التحتية، بل أصبح جزءًا من تحولات استراتيجية أوسع تشهدها المنطقة في ظل إعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة والنفوذ السياسي في الشرق الأوسط.
فالتصريحات المتلاحقة الصادرة عن المسؤولين الأتراك والسوريين والأردنيين، والاتفاقيات الثلاثية التي أُبرمت خلال الأشهر الماضية، تكشف عن توجهٍ متنامي نحو إعادة بناء ممر بري يمتد من الأناضول عبر الأراضي السورية وصولًا إلى الخليج العربي، في محاولةٍ لاستعادة دور تاريخي فقدته المنطقة خلال سنوات الحرب والاضطرابات السياسية.
وتكتسب هذه التحركات أهميةً استثنائية لأنها تأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولاتٍ جيوسياسية عميقة، فالتوترات التي أصابت الملاحة الدولية في البحر الأحمر، والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، والارتفاع المتزايد في تكاليف الشحن البحري، دفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائلٍ برية أكثر أمناً واستقراراً، وفي هذا السياق عادت الجغرافيا السورية لتفرض نفسها بوصفها أحد أهم المسارات المحتملة لربط منطقة الخليج بتركيا وأوروبا.
ولذلك؛ فإن المشروع المطروح لا يمكن فصله عن التحول العالمي المتسارع نحو ما يمكن تسميته بـ”سياسة الممرات”، فخلال العقد الأخير أطلقت قوى دولية وإقليمية كبرى مشاريع عملاقة لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية، من مبادرة الحزام والطريق الصينية إلى الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا والشرق الأوسط، وصولاً إلى مشروع طريق التنمية العراقي – التركي، وقد كشفت جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والاضطرابات المتلاحقة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، هشاشة سلاسل الإمداد التقليدية وأعادت الاعتبار للممرات البرية والسككية باعتبارها أدوات استراتيجية للأمن الاقتصادي، ومن هذا المنظور، يبدو الممر السوري المقترح جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية، وليس مجرد مشروع نقل إقليمي محدود.
غير أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في كونه ممرًا للنقل، بل في كونه يعيد طرح سؤال الدور الإقليمي لسوريا بعد أكثر من عقدٍ من الحرب. فسوريا التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى ساحةٍ للتنافس العسكري والإقليمي تسعى اليوم إلى استثمار موقعها الجغرافي لإعادة تموضعها داخل النظام الاقتصادي الإقليمي. ومن هنا يمكن فهم الحراك السوري المكثف باتجاه تركيا والأردن والسعودية باعتباره محاولة لتحويل الجغرافيا من عبءٍ أمني إلى أصلٍ استراتيجي قادر على إنتاج النفوذ والعائدات الاقتصادية.
فمنذ اندلاع الحرب السورية عام 2011 فقدت دمشق إحدى أهم وظائفها الجيوسياسية بوصفها عقدة عبور رئيسة بين الخليج العربي وتركيا وأوروبا، وخلال سنوات الصراع انتقلت أجزاء واسعة من حركة التجارة الإقليمية إلى مساراتٍ بديلة أكثر كلفة وأطول زمنياً. لذلك؛ فإن ما يجري اليوم يمثل محاولة لإعادة توظيف الموقع الجغرافي السوري واستعادة دور تاريخي فقدته البلاد خلال أكثر من عقدٍ، فالجغرافيا التي كانت لعقودٍ أحد مصادر القوة السورية تتحول مجدداً إلى رصيد استراتيجي تسعى دمشق إلى استثماره في مرحلة إعادة التموضع الإقليمي.
وتشير المعطيات الحالية إلى إن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل سوريا إلى عقدةٍ لوجستية تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط وأوروبا، فالموقع السوري يوفر أقصر ممر بري بين شبه الجزيرة العربية وتركيا، كما يتيح الوصول المباشر إلى موانئ المتوسط عبر طرطوس واللاذقية وبانياس، وهو ما يمنحه أفضلية نسبية مقارنةً بعددٍ من المشاريع المنافسة التي تعتمد على مسارات أطول أو ترتبط بتعقيداتٍ سياسية أكبر.
وتستند هذه الرؤية إلى ميزة جغرافية يصعب تجاهلها؛ فالأراضي السوريّة تمثل عملياً أقصر حلقة وصل برية بين تركيا وشبه الجزيرة العربية، كما تمنح منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط عبر موانئ طرطوس واللاذقية وبانياس. وفي ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، تزداد أهمية هذه الميزة بوصفها خياراً استراتيجياً يختصر المسافات ويخفّض تكاليف النقل ويحد من الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للتوترات السياسية والعسكرية. لكن؛ هذه العودة المحتملة لسوريا إلى قلب خرائط النقل الإقليمي لا تجري في فراغٍ، بل تأتي وسط منافسة محتدمة بين مجموعة من المشاريع الكبرى التي تسعى جميعها إلى إعادة رسم خطوط التجارة العالمية، فهناك “طريق التنمية” العراقي – التركي الذي يربط ميناء الفاو بالحدود التركية، وهناك الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط، المعروف إعلامياً بـ”طريق التوابل”، إضافةً إلى مشاريع الربط السككي والموانئ المرتبطة باتفاقيات التطبيع الإقليمية.
فالمنافسة لا تقتصر على مشروع “طريق التنمية” العراقي – التركي كما يُشاع أحياناً، بل تشمل مجموعة من المشاريع العملاقة التي تتنافس على إعادة رسم خريطة التجارة بين آسيا وأوروبا، فهناك الممر الاقتصادي الهندي – الأوروبي الذي يحظى بدعمٍ دولي واسع، وهناك مشاريع الربط السككي والموانئ المرتبطة بمسارات التطبيع الإقليمي، إضافةً إلى شبكات النقل التي يجري تطويرها في الخليج العربي، ولذلك؛ فإن التحدي الذي يواجه سوريا لا يتمثل فقط في تشغيل ممر جديد، بل في ضمان أن يكون هذا الممر أكثر جاذبية وكفاءة من البدائل المطروحة على الساحة الإقليمية.
ومن هنا فإن ما يجري لا يتعلق بممر نقل واحد، بل بصراع جيو – اقتصادي واسع حول من سيمتلك موقع القلب في شبكة الممرات الجديدة التي تربط آسيا بأوروبا، وفي هذا السياق تبدو سوريا أمام فرصة تاريخية للعودة إلى المشهد الاقتصادي الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته تواجه منافسةً شديدةً من مشاريع تمتلك تمويلاً ضخماً وتحظى بدعمٍ سياسي واستثماري واسع.
كما تزداد أهمية المشروع مع عودة الحديث عن إحياء الخط الحديدي الحجازي، الذي يتجاوز رمزيته التاريخية ليصبح جزءاً من رؤية أوسع لربط تركيا والخليج بشبكة نقل برية وسككية متكاملة، فالمشروع المطروح لا يهدف فقط إلى نقل البضائع، بل إلى بناء فضاء اقتصادي جديد يمتد من الأناضول إلى الخليج العربي مروراً بسوريا والأردن، بما يتيح إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة بالأزمات الجيوسياسية.
ولا تقتصر أهمية إحياء الخط الحجازي على بعده الاقتصادي فقط، بل تحمل أبعاداً رمزية واستراتيجية عميقة، فالخط الذي ربط دمشق بالحجاز مطلع القرن العشرين كان أحد أكبر مشاريع التكامل في المنطقة قبل ظهور الدول الحديثة وحدودها السياسية الحالية، وإعادة إحيائه اليوم تعكس اتجاهاً متزايداً نحو استعادة منطق الترابط الاقتصادي الإقليمي، في وقت تتجه فيه دول الشرق الأوسط إلى بناء شبكات تعاون عابرة للحدود تقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة أكثر من الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية التقليدية.
ومع ذلك، فإن تحويل هذه الرؤية إلى واقعٍ عملي لا يزال يواجه تحدياتٍ كبيرة، فالبنية التحتية السورية تعرضت خلال سنوات الحرب لأضرارٍ واسعة تحتاج إلى استثماراتٍ ضخمة لإعادة تأهيلها. كما إن نجاح أي ممر تجاري دولي يتطلب مستوى مرتفعاً من الاستقرار الأمني والقدرة المؤسسية والوضوح القانوني، وهي عناصر لا تزال تخضع لاختباراتٍ معقدة داخل سوريا، تفرض على حكومة دمشق بذل المزيد من الجهد والجدية اللازمتين لضمان استقرار داخلي وتماسك عميق بين كافة مكونات المجتمع السوري.
وربما لا تكمن العقبة الأساسية في التمويل أو الهندسة بقدر ما تكمن في الثقة، فالممرات التجارية الدولية لا تُبنى على الجغرافيا وحدها، بل على استقرار البيئة السياسية والقانونية التي تمر عبرها، وهو ما ينظر له شركات الشحن العالمية والمستثمرون من خلال مؤشرات الأمن والاستقرار ووضوح القوانين واستدامة العلاقات الإقليمية قبل اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
كما إن نجاح المشروع يتوقف على مدى قدرة دمشق على إقناع الشركاء الإقليميين والدوليين بأن الأراضي السورية يمكن أن تتحول إلى فضاءٍ آمن ومستقر لحركة التجارة والاستثمار طويلة الأمد، فشركات النقل العالمية لا تبحث فقط عن أقصر الطرق، بل عن أكثرها استقراراً وأقلها مخاطرة.