عاد مهجرو عفرين إلى ديارهم، لكن عفرين لم تعد تلك التي عهدوها بعد أن تغيرت معالمها بشكلٍ ممنهج إدارياً وجغرافياً بعد تخريبها بشكل متعمد من الاحتلال التركي ومرتزقته، الذين عاثوا فساداً في هذه المدينة التي تعد رمز المقاومة والصمود، وحمامة السلام بأرضها وجبالها وسهولها، لكنها عانت أقسى أزمات التهجير القسري في سوريا ومرت بواحدة من كبريات الأزمات الإنسانية في سوريا خلال العقود الأخيرة واليوم هناك مخاوف جسيمة تتعلق بغياب الاستقرار الكامل في بعض المناطق بعفرين.
فاليوم، ومع تتابع قوافل عودة، تكون آمنة مستقرة، تتنامى الهواجس والمخاوف من عوائق قد تؤثر على مستقبل المدينة وسكانها الأصليين خصوصاً مع معاناتهم من أوضاعاً إنسانية معقدة، في ظل تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إلى جانب صعوبة تأمين السكن والرعاية الصحية والتعليم وهو ما يعيق عودة كثير من السكان إلى مناطقهم الأصلية ناهيك عن المخاوف الأمنية، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية الثقيلة التي تمنع آلاف العائلات من إعادة ترميم منازلها أو استعادة مصادر رزقها، خصوصاً في المناطق الزراعية التي تعرضت أراضيها للتخريب أو الإهمال.
سنوات من التهجير
شهدت منطقة عفرين الواقعة شمال غربي سوريا موجات تهجير واسعة منذ عام 2018 عقب العمليات العدوانية التي شهدتها المنطقة، ما أدى إلى تهجير آلاف السكان من قراهم وبلداتهم، وخلال السنوات الماضية، وتحدثت تقارير حقوقية وإنسانية عن انتهاكات متعددة طالت ممتلكات المدنيين، شملت الاستيلاء على المنازل والأراضي الزراعية وقطع الأشجار وعمليات النهب والتخريب، في وقت ما تزال فيه المنطقة تواجه تحديات إنسانية وخدمية كبيرة مع بدء عودة بعض العائلات إلى مناطقها الأصلية.
عاد قسم كبير من مهجري مدينة عفرين إلى قراهم وبلداتهم بعد سنوات طويلة من التهجير القسري، فوجدوا واقعاً مأساوياً خلّفته سنوات التهجير والانتهاكات، التي طالت منازلهم وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية، في مشهد يعكس حجم الأضرار التي تعرضت لها المنطقة منذ عام 2018 وهو ما شكل حالة من الصدمة والحزن بين الأهالي العائدين؛ بسبب حجم الدمار الذي لحق بمنازلهم وممتلكاتهم.
فأظهرت القرى التابعة لناحية شرا آثار تخريب كبيرة طالت عشرات المنازل، التي أصبحت غير صالحة للسكن نتيجة عمليات التدمير والنهب، التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، كما بدت المنازل خالية من محتوياتها، بعد سرقة الأبواب والنوافذ وتكسير الجدران والأرضيات، الأمر الذي زاد معاناة العائلات العائدة التي كانت تأمل استعادة جزء من حياتها السابقة في المدينة.
مشاهد مصورة بينت حجم الأضرار، التي لحقت بالممتلكات الخاصة، فتعرضت العديد من المنازل للتخريب الكامل، في حين اختفت محتويات بعضها بشكل تام، كما اشتكى الأهالي من الأوضاع الإنسانية الصعبة، التي تواجههم مع غياب مقومات الحياة الأساسية وتضرر البنية التحتية في عدد من القرى.
ولم تقتصر الأضرار على المنازل فقط بل امتدت إلى الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون التي تشكل المصدر الرئيسي لدخل السكان في المنطقة، وتعرضت أعداد كبيرة من أشجار الزيتون للقطع والتخريب، ما تسبب بخسائر اقتصادية كبيرة للأهالي الذين يعتمدون على الزراعة بوصفها مورداً أساسياً للعيش.
عراقيل العودة الآمنة
التطورات في عفرين لا زالت مثار قلق بالغ رغم عودة الكثير من مهجريها إليها بموجب اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني إلا أن رصد توثيقات ميدانية دقيقة تشير إلى جملة من الانتهاكات ترتكبها مرتزقة الاحتلال التركي في تلك المناطق، وهو ما دفع العديد من الباقين بانتظار عودتهم الآمنة التي وعدوا بها.
فتؤكد البيانات الصادرة عن منظمة حقوق الإنسان في عفرين سوريا أن هذه الممارسات لا تزال تشكل عائقاً جوهريا أمام استقرار السكان الأصليين، وتعرقل بشكل مباشر مسارات عودة المهجرين، الذين يتطلعون لاستعادة ممتلكاتهم في ظل أوضاع أمنية غير مستقرة تستدعي تدخلا عاجلا.
هذه التطورات تزامنت مع صدور تقرير شهري مفصل عن منظمة حقوق الإنسان في – عفرين سوريا يوثق سلسلة من الحوادث الأمنية والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت بحق أهالي عفرين وتوضح هذه التوثيقات الحالة المعيشية والأمنية، فتم رصد مقتل 13 مدنيا وإصابة آخرين بالإضافة إلى تسجيل أكثر من 70 حالة خطف واحتجاز تعسفي؛ ما يفاقم من معاناة المواطنين الساكنين هناك.
التقارير الحقوقية ترصد بدقة حالات القتل والاعتقال، حيث تم توثيق مقتل 13 مدنيا بينهم امرأة وشابة في أماكن متفرقة من عفرين ومدينة حلب وتتنوع الأسباب التي أدت إلى الوفاة بين انهيار مبان سكنية في حي الأشرفية نتيجة التدهور الإنشائي، والأزمات الصحية وحالات الانتحار والسيول الجارفة التي ضربت المنطقة.
وتؤكد هذه الأرقام التي وثقتها منظمة حقوق الإنسان في عفرين ـ سوريا على ضعف آليات الحماية المدنية المتوفرة للسكان في ظل الغياب الواضح للخدمات الأساسية والرقابة الأمنية الفعالة، وتواصل الجهات المسؤولة عن الاعتقالات تنفيذ حملات تستهدف المدنيين، حيث سجلت المنظمة أكثر من 70 حالة خطف واحتجاز تعسفي إلى الآن. بالإضافة إلى اعتقال أربعة شبان في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وتأتي هذه التحركات في سياق حملات أمنية متواصلة تهدف إلى تضييق الخناق على السكان المدنيين؛ ما يعزز حالة من الخوف وعدم الاستقرار التي تخيم على المنطقة بشكل عام وتحد من حركتهم.
إن الوضع الأمني الهش يبدو جلياً في تلك المناطق حيث تنشط عمليات السرقة والسطو المسلح بشكل منظم في منطقة عفرين؛ فتم توثيق العديد من حالات السطو على ممتلكات خاصة وسرقة مبالغ مالية ومصاغا ذهبية حيث تم تسجيل سرقة 18 رأسا من الماشية في مدينة جندريسه.
وتم توثيق اعتداءات جسدية طالت مدنيين بينهم سائق سيارة أجرة ومواطن وزوجته في ناحية شيه؛ ما يعكس حالة الفوضى الأمنية التي تستبيح الحقوق والممتلكات الخاصة في المنطقة كما تعتبر عمليات الاستيلاء على الممتلكات الخاصة عائقا جوهريا أمام إتمام مساعي عودة المهجرين إلى منازلهم الأصلية.
تتحدث بعض المصادر، أن جني المحصول يتطلب دفع إتاوات وضرائب تفرضها المجموعات المسلحة المسيطرة على القرى كما تقتطع هذه المجموعات نسباً تصل إلى نصف المحصول، وتفرض مبالغ مالية بالدولار أو الليرة التركية على معاصر الزيتون؛ ما يحول عملية الزراعة من مهنة شريفة إلى عبء اقتصادي ثقيل يعجز المدنيون عن تحمله، ليصبح العائد غريباً ومستغلاً في أرضه التي يملكها قانوناً.
منظمة حقوق الإنسان في عفرين ـ سوريا؛ أعادت التشديد على ضرورة أن تكثف الحكومة المؤقتة وإدارة المنطقة جهودهما وتحمل مسؤولياتهما القانونية والأخلاقية تجاه السكان إلى جانب اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين والعائدين وضمان استعادة ممتلكاتهم المنهوبة ووقف الانتهاكات الممارسة بحق الأهالي الأصليين كما نقلت المنظمة عن العفرينيين مطالبهم بتوفير بيئة أمنية مستقرة لتحقيق عودة آمنة للمهجرين المتبقين خارج عفرين بما يسهم في حماية النسيج الاجتماعي للمنطقة من التفكك المستمر بفعل هذه الممارسات والانتهاكات المتواصلة.
الاحتلال حَجر عثرة في طريق الاستقرار
بعد تثبيت السيطرة دخل الاحتلال التركي في عفرين مرحلة جديدة اتسمت بسياسات ممنهجة، كان أبرزها التغيير الديمغرافي، من خلال إعادة توزيع السكان وفرض وقائع جديدة على الأرض هذه المرحلة شكّلت تحولًا طويل الأمد في بنية المدينة والمجتمع وهو ما تتضح ترسباته على الأرض اليوم مع عودة المهجرين الذين تركوا المدينة بمعالم مختلفة عما رأوها اليوم.
فعفرين المقاومة والزيتون تغيرت هويتها فمنذ سيطرة الاحتلال التركي والمجموعات المرتزقة التابعة لها على عفرين، فرضت أنقرة إدارة مباشرة على المنطقة، حيث تم تعيين والٍ تركي وربط المؤسسات المحلية بالإدارات التركية في غازي عنتاب والمدن الحدودية الأخرى كما بات علم الاحتلال التركي هو السائد في أجواء المدينة والقواعد العسكرية التركية لا زالت تحكم سيطرتها وتهيمن على الواقع الأمني والعسكري في المدينة، فالمنطقة شهدت خلال السنوات الطويلة الماضية عمليات نهب واسعة شملت المنازل والمحال التجارية والأراضي الزراعية تم أيضاً توطين عائلات من مناطق سورية أخرى في منازل السكان الأصليين المهجّرين، ضمن مخطط ممنهج لتغيير التركيبة الديمغرافية للمدينة.
مراقبون يؤكدون إن هذه السياسات تُظهر أن احتلال عفرين لم يكن إجراءً عسكرياً مؤقتاً بل تحوّل إلى مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل المنطقة ديمغرافياً وثقافياً وهو ما يبرهن حجم الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، والتي شملت القتل العشوائي، والاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، حيث وثّقت منظمات حقوقية اختطاف مئات المدنيين واحتجاز العديد منهم في سجون سرية تعرّضوا فيها للتعذيب، ما أدى إلى وفاة بعضهم تحت ظروف قاسية.
كما أن المجموعات المرتزقة شرعت فرض إتاوات وضرائب غير قانونية على السكان المحليين والعائدين بموجب اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بعد أن استولت على محاصيل الزيتون، كما جرى قطع وبيع آلاف الأشجار، ما ألحق ضرراً بالغًا بالغطاء النباتي للمنطقة.
ناهيك عن معاناة السكان في المدينة من تضييق متواصل على هويتهم الثقافية شمل التمييز ومصادرة الحقوق والتضييق على العادات والتقاليد الكردية وإزالة الرموز الثقافية وتغيير أسماء الشوارع والساحات وفرض التعليم باللغة التركية في بعض المدارس فكل ذلك يشير إلى سياسة ممنهجة لطمس الهوية الكردية للمنطقة وتحويلها إلى امتداد إداري وثقافي للنفوذ التركي.
فبعد سنوات طويلة من التهجير والنزوح وما رافقها من معاناة إنسانية واجتماعية، يقف أبناء عفرين اليوم أمام استحقاقٍ أساسي يتمثل في استعادة حياتهم الطبيعية داخل مدينتهم التي عُرفت عبر التاريخ بمدينة السلام والزيتون؛ فأهالي عفرين الذين اضطر الآلاف منهم لمغادرة منازلهم وأراضيهم، يتطلعون لمرحلة جديدة يسودها الاستقرار والأمن والطمأنينة، بعيداً عن مخاوف التهجير والتغيير الديموغرافي والصراعات التي أنهكت المنطقة.
ولا يقتصر مطلب الأهالي على العودة إلى منازلهم فحسب، بل يمتد ليشمل الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية وهويتهم الوطنية والاجتماعية التي تشكلت عبر قرون من التاريخ فاللغة الكردية، والعادات والتقاليد المحلية، والموروث الثقافي الذي تزخر به عفرين، تمثل جزءاً أصيلاً من شخصية المنطقة وتنوعها الإنساني، وهو تنوع ينبغي أن يُصان ويُحترم ضمن أي رؤية لمستقبل سوريا.
وتحمل بساتين الزيتون المنتشرة في سهول وجبال عفرين دلالات تتجاوز بعدها الاقتصادي، إذ ترتبط بذاكرة السكان وحكاياتهم وأسلوب حياتهم لذلك فإن حماية هذا الإرث الإنساني والثقافي تعد خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة وترميم ما خلفته سنوات الأزمة.
فضمان عودة آمنة وكريمة لمهجري عفرين، وتمكينهم من ممارسة حقوقهم الثقافية واللغوية، والحفاظ على تاريخهم المتجذر في أرضهم، يشكل أساساً لتحقيق الاستقرار الحقيقي؛ فالمجتمعات لا تُبنى بالأمن وحده، بل بالاعتراف بحق أبنائها في الانتماء إلى أرضهم وهويتهم ومستقبلهم المشترك.