إخلاص فرنسيس
نعيش اليوم في سياق عالمي مأزوم، تتداخل فيه صراعات الواقع وضغوطاته اليومية الحادة. وفي كل مرة يعجز فيها الإنسان عن مواجهة صقيع الحياة ورعب الانكسار النفسي، يبحث لنفسه عن ملجأ يحتمي فيه من ضراوة الوجود. لكن؛ هذا المَخْبَأ المُعَاصِر لم يعد جدراناً إسمنتية، بل شاشة زجاجية صغيرة؛ لقد هرب الإنسان الحديث بكل ثقله إلى “العالم الِافْتِرَاضِيّ”، لا ليتواصل، بل ليصنع واقعاً بديلاً تماماً.
في بداية القرن الرابع قبل الميلاد، صاغ الفيلسوف اليوناني أفلاطون أسطورته الشهيرة عن “الكهف”، حيث يقبع مجموعة من السجناء المقيدين الذين لا يرون الحقيقة، بل ينظرون إلى جدار تنعكس عليه “ظلال” الأشياء المارة خلفهم، فظنوا واهمين أن هذه الظلال هي الواقع العيني الوحيد. واليوم، نرى هذه الأسطورة تتجسد في كل من يكتب، ويعيش، ويتنفس عبر منصات التواصل الاجتماعي. لقد أعاد الملقون بأنفسهم في فخاخ “السوشيال ميديا” إنتاج الكهف؛ فصاروا يعتبرون هذه المنصات هي “الواقع النهائي”، وليست مجرد أداة. هناك من يختزل كَيْنُونَتَه، ونجاحه، وحتى قيمته الإنسانية بعدد “الإعجابات” والمشاركات، متناسياً أن ما يراه ليس إلا ظلالاً باهتة لحياة حقيقية تحدث في الخارج. نحزن رقمياً، ونفرح رقمياً، ونحاكم الآخرين رقمياً، كما لو أن الحياة لا تدور إلا في مدار هذه الخوارزميات الموجهة.
ويتجلى هذا التزييف في أقصى صوره عندما تندلع الحروب وتتفكك الأوطان؛ حيث ينزح الجميع إلى الفضاء الِافْتِرَاضِيّ لبناء حقائق مصطنعة. في زمن النار والظلم، يتسابق الكتاب والمستخدمون خلف الشاشات لتأطير المأساة، فيتحول وجع الوطن الحقيقي، وأنين النازحين، ودماء الضحايا إلى كبسولات بصرية جاهزة للاستهلاك السريع وعرضة للتأويل وفق خوارزميات “الترند”. يصبح هناك “وطن موازٍ” مصنوع من الشعارات الِافْتِرَاضِيَّة، يستعيض به الإنسان عن مواجهة الرعب الفعلي على الأرض، مما يُفقد المأساة طهرها، ويجعل الجرح المُشاع رقمياً مجرد ظل باهت للألم الحقيقي الذي يكوي الهوية والأرض.
ذا الانفصام الحاد، والانغماس الكامل في عالم الظلال الِافْتِرَاضِيَّة باعتبارها المرجع الأول للحقيقة، هو التربة الخصبة لما سماه الفيلسوف الألماني مَارْتِن هَايْدِغِر بـ “القلق الوجودي” (Anxiety / Angst). يفرق هَايْدِغِر بذكاء بين “الخوف” الذي ينتج عن تهديد محدد، وبين “القلق” الذي لا موضوع له؛ إنه ذلك الشعور المفاجئ بالعري والفراغ حينما ينطفئ نور الشاشة، ويجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه مع حقيقته العارية، مكتشفاً أن كل ذلك الصخب الرقمي ليس إلا قناعاً هشاً يحتمي به من غربته الداخلية الكبيرة وعجزه أمام مآسي واقعه.
يرى هَايْدِغِر أن الإنسان حينما يهرب من هذا القلق المرعب، يذوب في جماعة “الناس” (Das Man)، فيفعل ما يفعلونه ليستمد وجوداً زائفاً. وهذا تماماً ما يحدث لسجناء الكهف الرقمي؛ حيث يتحرك الجميع وفق “قطيع رقمي” يسير خلف الروايات والموضوعات الجاهزة، لأن التفكير المستقل والعيش الأصيل خارج الشاشة يتطلبان شجاعة قد لا يملكها الكثيرون. لكن الفلسفة الوجودية تعتبر القلق “نداء الوعي الأخير”؛ إنه الصوت الذي يصفعنا ليوقظنا من سبات هذا الوهم، ويدعونا لنعيش حياة أصيلة (Authentic Life) نواجه فيها أنفسنا وأوطاننا دون تبريرات رقمية”.
وكم نتمنى، في غمرة هذا الصخب الافتراضي، لو يعود الإنسان لرحلة البحث عن ‘الإنسان’؛ أن نلمح في الأفق رجاءً يتخلى فيه عن وسيطه الزجاجي، ليتشارك مع أخيه في الإنسانية حضوراً حياً، دافئاً ومباشراً. ليتنا نستعيد معاً دفء الحياة الطبيعية، حيث تلتقي الأعين في مواجهة الوجع الفعلي، وتتشابك الأيدي بصدق، وحيث تعود المسميات أخيراً إلى أسمائها الحقيقية؛ فيصبح الألم ألماً يُواسى بلمسة حانية لا منشوراً يُتفاعل معه بكبسة زر، وتغدو المحبة فعلاً مُعاشاً في تفاصيل الأيام، لا رمزاً عابراً يتلاشى في فضاء افتراضي صامت”.
“إن الخروج من الكهف الرقمي لا يعني تحطيم الشاشات، بل يعني ألا نسمح لها بأن تحطمنا. الفلسفة الحقيقية اليوم لا تبدأ من الكتب، بل تبدأ من قدرة الإنسان على إغلاق شاشته، والنظر في عيني الإنسان الذي أمامه، والاعتراف به كوجود حقيقي. إننا بحاجة إلى ثورة صامتة، ثورة تُعيد للمسافات حقيقتها، وللألم جلاله، وللحياة دفقها الدافئ… لنعيش التجربة الإنسانية بكل عمقها، صدقها، وقلقها النبيل. قبل أن نتحول نحن أنفسنا إلى مجرد ظلال تعيش في ذاكرة خوارزمية صماء”.