في كل عام، ومع اقتراب موسم الامتحانات، تتغير ملامح البيوت وتختلف إيقاعات الحياة، ترى الطلاب وقد انشغلوا بالمراجعة والتحضير، وتسمع في البيوت همسات القلق والأمل معًا، بينما الآباء والأمهات يترقبون، والأبناء يجتهدون، والجميع ينتظر لحظة إعلان النتائج، إنها أيام تحمل في طياتها كثيرًا من الجهد والطموح والتعب، وتكشف مقدار ما بذله الإنسان من سعي واستعداد.
وفي خضم هذه الأجواء، يقف المتأمل وقفة قصيرة ليدرك أن الامتحانات ليست مجرد حدث دراسي عابر، بل هي صورة مصغرة لمعنى أعمق يرافق الإنسان طوال حياته؛ فكما أن الطالب يدخل قاعة الامتحان بعد فترة من التعلم والإعداد، فإن الإنسان يعيش في هذه الدنيا كلها مرحلة إعداد وابتلاء، ينتظر بعدها لقاء ربه والوقوف بين يديه.
وعندما نسمع كلمة “الامتحان”، يتبادر إلى أذهاننا امتحان الطالب في المدرسة أو الجامعة، حين يدخل قاعة الامتحان وقد أُعدّت له أسئلة محددة، ويُطلب منه أن يجيب عنها وفق ما تعلمه وفهمه، ثم تُبنى على تلك الإجابات نتيجة تحدد مستقبله ونجاحه أو تعثره. وهكذا يقوم امتحان الدنيا على السؤال والجواب، وعلى صدق الفهم وحسن التحضير.
وتذكرنا الامتحانات الدراسية بحقيقة كبرى، وهي أن الحياة كلها ميدان ابتلاء واختبار، كما قال الله تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
لكن هناك امتحانًا أعظم وأخطر من كل امتحانات الدنيا، وهو امتحان الآخرة؛ حيث يقف الإنسان بين يدي الله عز وجل، فيُسأل عن إيمانه وعمله، وعن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن نعمه كيف استعملها، وعن حقوق الله وحقوق العباد، ليظهر حينها الصدق من الادعاء، والإيمان الحقيقي من الزيف.
وقد بيّن الله تعالى هذه الحقيقة بيقين لا ريب فيه، فقال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وفي السنة النبوية جاء البيان المفصل لهذا الامتحان العظيم، فقال النبي ﷺ: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم».
فتأمل هذه الأسئلة: العمر الذي يمضي، والشباب الذي يذبل، والمال الذي نكسبه، والعلم الذي نتعلمه؛ كلها ستصبح مسؤولية بين يدي الله تعالى، لا ينفع فيها اعتذار، ولا تُقبل فيها حجة.
وكما أن الطالب لا ينجح في امتحان الدنيا دون إعداد مسبق، فإن الإنسان لا ينجو في امتحان الآخرة إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح والاستقامة على أمر الله، غير أن الفرق بين الامتحانين عظيم؛ فامتحان الدنيا ينتهي بورقة وإجابة، أما امتحان الآخرة فينتهي إما إلى نعيم دائم أو عذاب مقيم، نسأل الله السلامة والعافية.
وفي ذلك المشهد العظيم ينقسم الناس إلى فريقين؛ فريق يُعطى كتابه بيمينه فيفرح ويقول: ﴿ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ﴾، وفريق آخر يندم حيث لا ينفع الندم. إننا في هذه الحياة لسنا إلا في طريق ممتد نحو الله، نقترب من لحظة الوقوف بين يديه مع كل يوم يمضي، وكل لحظة تمر، والمؤمن العاقل هو من يدرك حقيقة هذا السير، فيعد للسؤال جوابًا، وللوقوف بين يدي الله استعدادًا، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه إلا العمل الصالح.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن إذا سُئلوا أُجِيبوا، وإذا حوسبوا رُحموا، وأن يوفق أبناءنا وبناتنا في امتحاناتهم، ويجعلنا جميعًا من الناجحين في امتحان الدنيا والآخرة، وأن يختم لنا بخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.