كوباني/ سلافا أحمد ـ أكد رئيس تحرير مجلة الشرق الأوسط الديمقراطي “صلاح مسلم”، أن قضية اللغة الكردية كانت وما تزال في صميم نضال الشعب الكردي في سوريا، مشيراً، إلى أن هذا النضال لم يبدأ اليوم، بل يمتد عبر قرون من الزمن، منذ العهد العثماني المحتل مروراً بالانتداب الفرنسي ووصولاً إلى سياسات الإقصاء والتهميش التي انتهجها حزب البعث.
خلال لقاء خاص لصحيفتنا “روناهي” مع رئيس تحرير مجلة الشرق الأوسط الديمقراطي “صلاح مسلم”، سلط الضوء على تاريخ النضال الكردي من أجل حماية اللغة الكردية من سياسات الإنكار والإقصاء، مؤكداً، أن ما تحقق من مكتسبات في مجال التعليم باللغة الأم هو ثمرة تضحيات طويلة، وأن أي دستور سوري مستقبلي لن يكون معبراً عن حقيقة التنوع السوري ما لم يضمن الاعتراف الرسمي باللغة الكردية.
وقال: “إن الكرد حافظوا على هويتهم ولغتهم رغم جميع محاولات الطمس والصهر”، موضحاً، أن المرحلة العثمانية شهدت بدايات الوعي القومي الكردي، حيث تمتعت بعض الإمارات الكردية بهوامش من الإدارة الذاتية قبل أن تواجه محاولات إخضاعها من السلطة المركزية”.
وأضاف: “إن تلك المرحلة أسست لوعي سياسي واجتماعي حافظ على خصوصية الشعب الكردي ولغته وثقافته”.
فترة الانتداب
وفي حديثه عن فترة الانتداب الفرنسي، أشار “مسلم”، إلى أن هذه المرحلة اتسمت بالتناقض، فبينما حاولت السلطات الفرنسية استمالة بعض النخب الكردية ضمن سياسات استعمارية معروفة، شارك العديد من الكرد في الحركة الوطنية السورية المناهضة للاستعمار، وكان لهم دور بارز في مقاومة الاحتلال الفرنسي.
واعتبر “مسلم”، أن وصول حزب البعث إلى السلطة شكل واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ الكرد بسوريا، حيث تحولت سياسات الإنكار إلى نهج ممنهج استهدف الهوية الكردية بمختلف أبعادها، وفي مقدمتها اللغة.
وأوضح، أن إحصاء عام 1962 في الحسكة أدى إلى تجريد أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السورية، قبل أن يرتفع عدد المجردين من الجنسية إلى مئات الآلاف مع مرور السنوات، مؤكداً، أن اللغة الكردية تعرضت خلال تلك الفترة لحظر كامل في المدارس ووسائل الإعلام والأماكن العامة، كما منعت الأسماء الكردية، ونفذت مشاريع هدفت إلى تغيير البنية الديمغرافية للمناطق الكردية.
وأضاف: “إن انتفاضة قامشلو عام 2004 كشفت حجم الاحتقان الذي خلفته هذه السياسات، عندما قوبلت المطالب والرموز الثقافية الكردية بالعنف والقمع، ما أدى إلى ارتقاء العشرات إلى الشهادة”.
وأشار “مسلم”، إلى أن التحول الحقيقي بدأ مع ثورة روج آفا عام 2012، مؤكداً، أن ما حدث لم يكن مجرد تغيير إداري أو سياسي، بل “ثورة لغة” بكل ما للكلمة من معنى.
وقال: “بعد عقود من المنع والحظر، تمكن أبناء الكرد من الدراسة بلغتهم الأم لأول مرة، بدءاً من المراحل الابتدائية وحتى التعليم الجامعي، وتم تأسيس مؤسسات أكاديمية وأقسام جامعية باللغة الكردية، الأمر الذي أعاد للغة مكانتها الطبيعية في المجتمع والإدارة والتعليم”.
وأضاف: “إن هذه المكتسبات لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة نضال طويل خاضه الشعب الكردي على مدى عقود”، معتبراً أن أي محاولة للتراجع عنها تمثل استهدافاً مباشراً للهوية والثقافة والوجود الكردي.
إجراءات الحكومة المؤقتة
وحول الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية المؤقتة، أوضح “مسلم”، أن الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية والسماح بتدريسها في بعض المناطق يمثل خطوة إيجابية، كما أن معالجة آثار إحصاء عام 1962 والاعتراف بعيد نوروز تعد إجراءات هامة لكنها غير كافية.”
وقال: “مع تشكيل الحكومة المؤقتة بقيادة رئيسها المؤقت أحمد الشرع بذلت محاولات لمعالجة هذا الملف، تمثلت أبرزها في المرسوم الرئاسي رقم 13 بتاريخ 16 كانون الثاني 2026 الذي يتضمن الاعتراف بـ (اللغة الكردية كلغة وطنية)، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية بالمناطق ذات الكثافة الكردية كمنهاج اختياري، وإلغاء القوانين المرتبطة بإحصاء 1962 ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية، والاعتراف بعيد (النوروز) كعطلة رسمية وطنية مدفوعة الأجر”.
كما شدد، على أن هذه الخطوات لا تزال غير كافية، لأن اللغة العربية ما زالت اللغة الرسمية الوحيدة لسوريا، بينما لم يكرس الاعتراف باللغة الكردية بشكل دستوري واضح وصريح.
وقال: “الحقوق التي تستند إلى المراسيم يمكن تعديلها أو التراجع عنها، أما الحقوق الدستورية فهي الضمانة الحقيقية لاستمرارها وحمايتها”.
مضيفاً: “ورغم الإيجابيات، يرى الكرد أن المرسوم غير كاف، فالعربية بقيت اللغة الرسمية الوحيدة، والاعتراف بالكردية كلغة “وطنية” يبقى مجرد اعتراف رمزي دون تفعيل حقيقي، وتثبيت في الدستور، فهناك مخاوف من أن تبقى هذه الحقوق “مراسم مؤقتة” لا تضمن الاستمرارية، مع استبعاد الأحزاب الكردية من صياغة الدستور الدائم في آذار 2025؛ ما يعمق أزمة الثقة”.
وأشار، إلى أن استبعاد القوى السياسية الكردية من بعض مراحل النقاش الدستوري، إضافة إلى استمرار الخلافات حول حضور اللغة الكردية في المؤسسات الرسمية، يعمق حالة عدم الثقة ويجعل مسألة الضمانات الدستورية أكثر إلحاحاً.
وتابع: “ما زالت التوترات قائمة، ففي أيار 2026، أصرت الحكومة السورية على استبعاد اللغة الكردية من اللوحة الرسمية لقصر العدل في مدينة الحسكة؛ ما أثار احتجاجات واسعة”.
ومع استمرار المفاوضات بين الحكومة المؤقتة والإدارة الذاتية، يبقى السؤال الأكبر: “هل ستتحول المراسم المؤقتة إلى “ضمانات” دائمة في دستور سوريا الجديد؟ بالنسبة للكرد”، فلن تكتمل أي عملية سياسية أو سلام دائم دون تكريس الحقوق الثقافية واللغوية في دستور يعترف بتنوع سوريا، ويضمن لجميع أبنائها العيش بكرامة ومساواة.
كما أكد مسلم، أن القضية بالنسبة للشعب الكردي لا تتعلق بمسألة ثقافية أو تعليمية فحسب، بل ترتبط بالاعتراف بوجوده وهويته وحقوقه كشعب أصيل في سوريا.
وأضاف: “التعليم باللغة الكردية والاعتراف الدستوري بها ليسا منة من أحد، بل حق طبيعي دفع الشعب الكردي ثمناً باهظاً من أجل الوصول إليه، ولذلك يشكلان خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه أو القبول بالمساس به”.
ولفت: “عبر قرون من القهر العثماني، مروراً بالاستعمار الفرنسي، وصولاً إلى انتهاكات النظام البعثي، الذي جعل من حظر اللغة الكردية ركيزة لسياسات التهميش والإبادة الثقافية، كان الخيط الناظم لهذا النضال هو أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي الروح والهوية والوجود”.
أوضح: “عندما اندلعت ثورة روج آفا، لم تكن مجرد انتفاضة سياسية، بل كانت ثورة لغة بامتياز، فتحويل التعليم والإدارة إلى اللغة الكردية كان إعلاناً أن هذه الهوية حية، وستستعيد دفئها رغم عقود الجليد البعثي”.
وختاماً، أكد رئيس تحرير مجلة الشرق الأوسط الديمقراطي “صلاح مسلم” على أن التاريخ أثبت فشل جميع محاولات طمس الهوية الكردية، وأن اللغة الكردية بقيت حية رغم قرون من القمع والإقصاء، مشدداً، على أن أي عملية سياسية أو مشروع لبناء سوريا ديمقراطية ومستقرة لن ينجح ما لم يعترف دستور البلاد بتعددية سوريا الثقافية والقومية، ويضمن الحقوق اللغوية والثقافية لجميع شعوبها دون استثناء.