في خريف عام 1514، وقف المقاتلون الكرد على سفوح جبال كردستان، يتأرجحون بين: الدولة الصفوية الناشئة التي تبنت المذهب الشيعي، والدولة العثمانية السنية التي تزحف بجيوشها الجرارة. كان الاختيار صعباً، ليس لأنه يعكس قناعات عقائدية فحسب، بل لأنه كان اختباراً وجودياً. في ذلك اليوم، انقسمت الصفوف الكردية. بعضهم قاتل إلى جانب الشاه إسماعيل، وآخرون فضلوا السلطان سليم الأول. النتيجة؟ بعد أن وضعت معركة «جالديران» أوزارها، وجد الطرفان الكرديان المنتصر والمهزوم أنهما خسرا معاً. اُنتزعت منهما الأرض، وقُسمت الأدوار، ورُسمت أولى خطوط التبعية التي ستتحول لاحقًا إلى حدودٍ جيوسياسية.
هذه ليست مجرد حكاية من زمن غابر. إنها القانون السياسي ذاته الذي يُدرّس في أدبيات الصراع: «إذا تصارع طائران، فالصياد هو من يفوز». إنها مقولة تتجاوز الفلكلور لتتحول إلى قانون تاريخي خضع لاختبار الزمن مرات لا تُحصى. فكلما انشغل شعب بصراعاته الداخلية، وجد نفسه فريسةً سهلة لمن يراقب من الخارج، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. والمأساة أن هذه القاعدة لا تتطلب ذكاءً استثنائياً لاستيعابها، بل تتطلب فقط قليلاً من تواضع العقل، وشجاعة الاعتراف بأن المصير المشترك يفوق أي رهان آني. ومع ذلك، يبدو أن ذاكرة السياسة (حتى الآن) لم تستوعب الدروس الى حدٍ كبير، أو أن المصالح الضيقة أشد فتكًا بالبصيرة مما نتصور. ها نحن اليوم، بعد أكثر من قرن على سايكس – بيكو (1916) التي قسمت المنطقة كغنائم حرب بين قوتين استعماريتين، وعلى معاهدة سيفر (1920) التي وعدت الكرد بحق تقرير المصير في المواد 62-64 ثم نكثت به لتُدفن في أدراج التاريخ بعد لوزان (1923)، نجد أنفسنا أمام سيناريو متجدد: الخرائط ذاتها، والأدوات عينها، لكن بأقنعة عصرية أكثر تطوراً وإحكاماً.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: ألم نتعلم شيئًا من خيبات الأمس؟ أم إننا مصممون على إعادة إنتاج الهزيمة بأنفسنا، تحت ذرائع مختلفة هذه المرة؟
لا يحتاج المرء أن يعود إلى أرشيف القرن السادس عشر ليرى عواقب التشرذم. يكفي أن ينظر في ذاكرة جيله. تأملوا معي كيف تحولت انتصارات عسكرية وسياسية تحققت بتضحياتٍ جسام في العراق وسوريا، خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة إلى حالةٍ من العجز والارتباك، لا بسبب قوة الخصوم وحدهم، بل لأن الفرقاء الكرد تحولوا، في اللحظة الحاسمة، من شركاء في الميدان إلى خصوم على الطاولة. في إقليم كردستان، تحول التنافس بين حزبين رئيسيين في مرحلة ما بعد 1991 من تعددية سياسية طبيعية إلى شرخ إداري وجغرافي، أنتج إدارتين منفصلتين، وموازنتين متوازيتين، وسياسة خارجية متعارضة، وأثر ذلك على الموقف التفاوضي للإقليم إزاء بغداد والعالم.
الصراع الداخلي ليس مجرد خلاف سياسي عابر، ولا هو رفاهية ديمقراطية تمارسها الشعوب المستقرة في دولها الوطنية المكتملة. إنه، في الحالة الكردية تحديداً، زراعة منهجية لـ «بذور الخلاف». فالخلافات التي تبدو برّاقة، حين تُغلّف باسم «المبادئ» أو تُسوّغ تحت يافطة «الاستراتيجيات المتعارضة»، غالباً ما تتحول إلى شقاق هيكلي يُضعف الجميع دون استثناء. والتاريخ الكردي، بكل أسف، حافل بمحطات كان فيها الانقسام الداخلي هو البوابة الواسعة التي دخلت منها كل الانتكاسات، وعبرها أُجهضت فرص تاريخية لم تتكرر.
في أوائل القرن العشرين، انقسمت الحركة الكردية بين زعامات قبلية وعشائرية متناحرة، بينما كانت القوى الكبرى تُعيد رسم خرائط العالم.
في فتراتٍ لاحقة، تحول الاختلاف الفكري بين تيارات سياسية إلى قطيعة تنظيمية عميقة، أضعفت القدرة على مواجهة أنظمة استبدادية موحّدة.
واليوم، في مشهدٍ يعج بالفواعل المحلية والإقليمية والدولية، يبرز سؤال مرعب: كم مرّة سنحتاج أن نعيد السيناريو نفسه قبل أن ندرك إن «الصياد» لا يمل الانتظار؟
ليس المطلوب هنا إلغاء التعددية أو فرض رؤية أحادية تحت شعار «الوحدة» الزائف. الاختلاف صحي، بل ضروري، وهو علامة حياة سياسية. المطلوب هو عدم تحويل الاختلاف إلى صراعٍ وجودي، لأن الحد الفاصل بين «تعددية سياسية» تُثري التجربة و«تشرذم وجودي» يُبدد الطاقات هو بالضبط ما يحدد مصير الشعوب. فالتعددية تعني أن نختلف على الطريق إلى الهدف، والتشرذم يعني أن ننسى الهدف نفسه.
لكن، كيف يمكن التمييز بين الحالتين على أرض الواقع؟ متى يكون الخلاف السياسي علامة صحة ديمقراطية، ومتى يتحول إلى ثقب أسود يبتلع الجميع؟ الإجابة على هذا السؤال هي مربط الفرس، وهي ما يتهرب منه الكثيرون.
في خضم هذا المشهد، يبرز سؤال، إلى النخبة السياسية الكردية بأكملها: إذا كان «المؤتمر الوطني الجامع» اليوم يُطرح كضرورةٍ مُلحّة لا تقبل التأجيل – وهو كذلك بلا شك – فأين ذهبت مُخرجات مؤتمر «الوحدة الكردية» السابقة؟ لماذا تبقى هذه المؤتمرات حبيسة دائرة «النوايا الحسنة» والصور الجماعية، دون أن تترجم إلى إطارٍ تنظيمي فعّال، أو ميثاق ملزم، أو مشروع سياسي موحد على الأرض؟
أين الخلل؟ هل في:
غياب القدرة على التنظيم، أي العجز التقني والإداري عن ترجمة الشعارات إلى هياكل مستدامة.
غياب الإرادة الجامعة؟ أي تغليب المصالح الحزبية والفئوية الضيقة على المصلحة القومية العليا.
أم ضغط السياق الإقليمي والدولي، الذي يفرض سقفاً منخفضاً على أي مشروع وحدوي، بل ويسعى بنشاطٍ لإفشاله.
الإجابة، على الأرجح، تجمع بين الأسباب الثلاثة في تركيبة معقدة. لكن؛ هذا المزيج، مهما بدا مقنعاً، لا يمكن أن يكون مبرراً للاستسلام، فالشعوب التي صنعت تاريخها، وتجاوزت محناً أعظم، لم تنتظر أن تكتمل «الظروف الملائمة» كما لو كانت هدية من السماء، بل خلقتها بإرادتها، وفرضت معادلات جديدة على الأرض. الانتظار السلبي، في لعبة الأمم، ليس حياداً، بل هو اختيار ضمني لجانب الهزيمة.
المجتمع الكردي اليوم ليس ذلك الكيان الصامت الذي كان في عقودٍ خلت. إنه يطرح أسئلة مشروعة، جريئة، ومباشرة. وهذه الأسئلة، إذا لم تجد إجابات شفافة ومسؤولة من النخب السياسية، ستتحول حتمًا إلى بيئة خصبة لأسوأ أنواع الاستغلال، ففي غياب المشروع الوطني الجامع الواضح، ينشط «من لا يريدون الخير للشعب الكردي»، ويملؤون الفراغ بمشاريع التفتيت واليأس. وهذا الفراغ، عندما يمتزج بالانقسام الداخلي المزمن، ينتج «حالةً سلبية» قد تكون أشد فتكًا. إنها حالة التفكك من الداخل، حيث يصبح كل مكون مشغولاً بصراعاته الصغرى، ناسيًا أن السقف يوشك أن ينهار على الجميع.
من حق الشعب الكردي أن يسأل:
أليس في تجارب الشعوب الأخرى عبرة؟ كم من أمة ضاعت لأن أبناءها فضلوا الانتصار لتياراتهم على الانتصار لوطنهم؟ وكم من حركة تحرر وطنية أجهضت لأن قادتها انشغلوا بصراعات المكاتب والمواقع عن معركة الوجود؟
ما هو ثمن «الربح الحزبي» إذا كان يؤدي إلى «خسارة وطنية» شاملة؟ وهل يمكن لطرف أن يحتفل بانتصاره في معركة داخلية صغيرة، بينما الكل يخسر الحرب الكبرى؟
• ألم يحن الوقت بعد لتقديم نموذج جديد؟ نموذج يكون فيه الاختلاف تحت سقف الجامعة الوطنية، لا فوق أنقاضها؟
في مؤتمراتنا وتحليلاتنا، كثيراً ما نتحدث عن «المؤامرات» بصيغة المبني للمجهول، هذا التهذيب اللغوي جزء من المشكلة. «الصياد» ليس شبحاً ميتافيزيقياً، فدول تعمل «كالصيادين» واليوم هو تحالف مصالح وإقليمي متحرك، له أدواته وخططه، التي ترى في الانقسام الكردي ضمانةً لاستمرار نفوذها العسكري والأمني.
أما قوى دولية فإنها تُتقن فن استعمال الشعوب كأوراق مساومة، ثم طيّ الملفات بعد أن تنتهي الحاجة، وعندما نتصارع، نحن نوفر عليهم عناء اختراق صفوفنا؛ نحن نفعل ذلك بأنفسنا، مجاناً.
ومع ذلك، قبل أن نوجّه أصابع الاتهام كاملةً إلى النخبة السياسية وحدها، يجب أن نسأل أنفسنا: هل نقوم بدورنا كاملاً؟ أم أن بعض تحليلاتنا ومواقفنا وخطاباتنا تغذي هذا الانقسام، وتزيد جذوة الاستقطاب؟ ألسنا ننجرف أحياناً وراء الاصطفاف الأعمى، فنبرر لطرف ما أخطاءه بحجة الدفاع عن «المشروع»، ونهاجم الطرف الآخر بلا رحمة من دون أن نقدم بديلاً جامعاً؟ هذه الجملة ليست تنصلاً من نقد النخبة، بل تعميق له: المشكلة نسق متكامل، والجميع يتحمل مسؤوليته فيه.
آن الأوان أن يتحول الحديث عن «الوحدة» من شعار رنّان يُرفع في المؤتمرات ويُصفق له بحرارة ثم يُنسى، إلى مشروع عملي على الأرض، له آلياته، وبرامجه، وآليات مساءلته. فالتاريخ لا يرحم من ينسونه، ودروسه قاسية، لا تُنسى إلا لتُعاد. والسياسة الدولية لا تتوقف أبدًا عن صناعة «خرائط جديدة» كلما وجدت ثغرات. تلك الأمثلة التي ذكرناها ليستا مجرد صفحات مطوية في كتب التاريخ، يتصفحها الطلاب ثم يطوونها؛ إنها نموذج حيّة لما يحدث عندما يغيب الصف الداخلي المتماسك، وعندما تستبدل البوصلة الوطنية ببوصلة المصالح الضيقة.
إذا غابت هذه الذكرى، وإذا أُهمل هذا الدرس مرة أخرى، فلن يتوقف السيناريو عن التكرار، وبأشكال أخرى. مراجعة الاداة وإعادة التقييم أصبح ضرورة ملحة وليس ترفاً سياسياً، وليس مناسبة للخطابة والمجاملة، بل هو خط دفاع أول، وربما أخير. والأسئلة التي يطرحها المجتمع الكردي اليوم ليست «إزعاجاً» للنخب، بل هي منبه الإنقاذ الأخير، الجرس الذي يدق قبل الوقوع في الهاوية.
ماذا الآن؟ الآن؛ كل صراع داخلي، مهما كانت مبرراته وخطاباته، لا يزرع إلا بذور الهزيمة المشتركة. هذه هي فلسفة سياسة التي لا ترحم. والتاريخ لا يمنح شهادات براءة لمن كان «على حق»، بل يسحق بقدميه من لم يفهم قواعد اللعبة في الوقت المناسب. فلندرك ذلك الآن، أو لنتذكره حين لا ينفع التذكر.