في السياسة، لا أحد يستغرب وجود أجهزة إعلامية واستخباراتية تعمل ليل نهار ضد القوى الكردية. فمن الطبيعي أن ترى دولاً إقليمية تعتبر أي تقدم كردي تهديداً لمصالحها، فتسخر إمكانياتها الإعلامية والأمنية لتشويه حركة حرية كردستان أو قوات سوريا الديمقراطية أو أي تجربة كردية أخرى. هذا هو منطق الصراع، وهذه هي وظيفة تلك الأجهزة. لكن؛ المشكلة الحقيقية لا تكمن هنا. المشكلة تبدأ عندما يخرج علينا أشخاص يتخفون خلف صور القادة الكرد، ويرفعون أعلام كردستان، ويتحدثون باسم القومية الكردية، بينما لا شغل لهم ولا همّ سوى مهاجمة القوى الكردية الأخرى وتشويهها والتحريض عليها بصورة تفوق أحياناً ما تفعله وسائل إعلام الخصوم أنفسهم. هؤلاء لا يقدمون مشروعاً سياسياً، ولا رؤية قومية، ولا حلولاً لمشكلات الشعب الكردي. كل ما يُجيدونه هو نشر الكراهية والتشفي وتضخيم الأخطاء وتحويل الخلافات السياسية إلى معارك وجودية بين أبناء القضية الواحدة. والسؤال الذي يرفض هؤلاء الإجابة عنه هو: هل يستفيد الكرد من إضعاف الكرد؟ هل استفاد أي طرف كردي تاريخياً من هزيمة طرف كردي آخر؟ هل يعني إضعاف حركة حرية كردستان انتصاراً للبارزانيين؟ وهل يعني إضعاف قوات سوريا الديمقراطية تعزيزاً لمكانة إقليم كردستان؟ الجواب الواضح هو: لا. عندما تُضرب قوة كردية في أي جزء من كردستان، فإن الخاسر النهائي هو القضية الكردية بأكملها. وعندما تتراجع تجربة كردية، فإن الفراغ لا تملؤه قوة كردية أخرى، بل تملؤه القوى الإقليمية التي لطالما عملت على منع الكرد من امتلاك أي قوة أو إرادة مستقلة. إن من يعتقد أن سقوط روج آفا سيقوي هولير، أو أن إضعاف قنديل سيخدم إقليم كردستان، أو أن تراجع أي تجربة كردية سيحقق مكاسب قومية، فإنه لا يفهم طبيعة الصراع في المنطقة. فالقوى التي تستهدف طرفاً كردياً اليوم لن تتردد في استهداف الطرف الآخر غداً عندما تتغير الظروف والمصالح.
لهذا يجب وضع النقاط على الحروف. النقد حق، والخلاف السياسي حق، ومحاسبة الأحزاب والحركات حق. لكن؛ هناك فرقاً شاسعاً بين النقد المسؤول وبين التحول إلى منصة دائمة للتحريض والتشويه والتشفي بكل خسارة تصيب طرفاً كردياً. إن أخطر ما يواجه القضية الكردية ليس فقط أعداؤها المعلنون، بل أيضاً أولئك الذين يساهمون في تمزيق الجبهة الداخلية الكردية تحت شعارات قومية براقة. فهؤلاء، بقصد أو بغير قصد، يتحولون إلى أدوات تخدم مشاريع الآخرين أكثر مما تخدم شعبها. القضية الكردية اليوم تحتاج إلى عقل سياسي يدرك أن قوة أي جزء من الحركة الكردية هي رصيد لكل الكرد، وأن إضعاف أي جزء منها هو خسارة للجميع. أما ثقافة التشهير والتخوين والتشفي، فهي طريق لم تنتج في تاريخ الشعوب سوى المزيد من الانقسامات والهزائم. ومن هنا؛ فإن الواجب الوطني لا يقتصر على مواجهة حملات التشويه القادمة من الخارج، بل يمتد أيضاً إلى فضح الخطابات التي تسعى إلى زرع العداوة بين أبناء القضية الواحدة، وإلى الدفاع عن حق الاختلاف السياسي دون السماح بتحويله إلى حرب داخلية تخدم خصوم الكرد قبل أي أحد آخر. ففي نهاية المطاف، لا يسأل التاريخ من انتصر في معركة حزبية صغيرة، بل يسأل: من خدم قضية شعبه، ومن ساهم في إضعافها.