الشرق الأوسط لا شك بأنه يمر بمرحلة مفصلية من التحولات السياسية والعسكرية، تتجاوز في تأثيراتها حدود المواجهات الميدانية المباشرة لتطال بنية التوازنات الإقليمية التي لم تستقر أبداً خلال السنوات الماضية، فالتطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، وما رافقها من تصاعد حدة الصراعات وتبدل أولويات القوى الدولية والإقليمية، فتحت الباب أمام إعادة صياغة موازين القوى في عدد من الدول التي تشكل ركائز أساسية في المشهد الإقليمي، وعلى رأسها سوريا ولبنان والعراق وإيران وتركيا وهو ما يدفع لفهم أعمق بواقع الشعوب المتعايشة في المنطقة وما ينتظرهم من ويلات وترسبات الصراعات الدولية والمصالح المتقاطعة على الأرض.
المتغيرات في الشرق الأوسط عموماً وسوريا خصوصاً لا تنحصر في الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتؤثر على الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية وتفرض على مختلف الأطراف إعادة تقييم استراتيجياتها وتحالفاتها بما يتناسب مع الواقع الجديد الذي يتشكل تدريجياً في المنطقة، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة متقلبة ويمر بمخاض عسير لتشكيل وقائع جديدة على الأرض تُفرض على الشعوب وقد تؤدي إلى ولادة ترتيبات إقليمية مختلفة عما عرفته المنطقة خلال العقدين الماضيين.
تحولات دراماتيكية
انعكاسات المتغيرات الإقليمية تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى في سوريا فمنذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011 تحولت البلاد إلى ساحة تداخلت فيها مصالح القوى الدولية والإقليمية، ما جعل التوازنات الداخلية مرتبطة إلى حد كبير بمسار الصراعات والتحالفات خارج الحدود.
ومع سقوط النظام السوري السابق؛ وتزامن ذلك مع التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة، برزت تساؤلات حول مستقبل النفوذ الإقليمي داخل الساحة السورية، ومدى قدرة الأطراف الفاعلة في الحفاظ على مواقعها السابقة كما أن التحولات الجارية دفعت العديد من القوى السياسية والعسكرية إلى مراجعة حساباتها في ظل تغير موازين الردع والقوة.
فسوريا باتت من أكثر المتأثرين المباشرين بالتحولات القائمة في الشرق الأوسط نظراً لتشابك الملفات الأمنية والعسكرية على أراضيها وهو ما وضع الحكومة السورية المؤقتة في دمشق أمام تحديات إضافية تتعلق بحماية السيادة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار في مختلف المناطق.
وفي الوقت ذاته تبرز الحاجة والبراغماتية لدى الحكومة المؤقتة إلى استثمار أي متغيرات إقليمية لدفع العملية السياسية قدماً، بما يسهم في معالجة الملفات العالقة وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الداخلي، خاصة في ظل تطلع السوريين إلى تجاوز سنوات الحرب الطويلة والانطلاق نحو مرحلة إعادة الإعمار والتنمية لكن السلوكيات وصراع الذهنيات داخل بنية هذه الحكومة يعيق المشهد ويعقده كما ان التأثيرات الإقليمية لعبت دوراً بارزاً في إبقاء الوضع متشنجاً داخل البلاد.
فلبنان وجد نفسه مرة أخرى في قلب التحولات الإقليمية الكبرى سيما وإن الصراع الإقليمي مع إيران وضع حزب الله في صلب الترتيبات الإقليمية التي تقودها دول الهيمنة “أمريكا وبريطانيا” ومن خلفهم إسرائيل والقائمة على إنهاء المجموعات المسلحة خارج إطار الدول فموقع لبنان الجغرافي وطبيعة تركيبته السياسية جعلاه تاريخياً من أكثر الدول تأثراً بالصراعات الدائرة في المنطقة، سيما إنه مرتبط ارتباط عضوياً بانعكاسات الوضع في سوريا واليوم ومع تصاعد التوترات العسكرية وتنامي المواجهة بين القوى الإقليمية، تتزايد المخاوف ارتداد هذه التطورات على الواقع اللبناني الهش أصلاً. حيث تسعى مختلف القوى الداخلية في لبنان إلى إعادة تموضعها بما يتناسب مع المستجدات الإقليمية كما أن أي تغير في موازين القوى على مستوى المنطقة ينعكس بصورة أو بأخرى على طبيعة العلاقات بين المكونات السياسية اللبنانية وهذا ما يبرهنه الشرخ الحاصل بين الحكومة على الصعيد الرسمي، وحزب الله كقوى فاعلة على الأرض ومؤثرة في صناعة القرار اللبناني رغم عديد الضربات التي تلقاها من الجانب الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر وحرب غزة وإلى يومنا الحاضر وتصاعد الحرب بين إيران من جانب وأمريكا وإسرائيل من جانب آخر.
ولا تقتصر التحديات على الجانب الأمني، إذ يعاني لبنان من أزمة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، ما يجعل قدرته على تحمل تداعيات أي تصعيد عسكري محدودة للغاية ويخشى كثيرون من أن يؤدي استمرار التوتر الإقليمي إلى تعميق الأزمات الداخلية وتعقيد فرص الوصول إلى حلول سياسية واقتصادية مستدامة وهو ما يدفع ضريبته الشعب اللبناني بكافة شرائحه.
أما العراق المضطرب سياسياً والقابع بين محبسين أمريكي وإيراني تبدو الصورة أكثر تعقيداً فيه بحكم موقع البلاد الجغرافي وارتباطها بشبكة واسعة من المصالح والتأثيرات الإقليمية والدولية فالعراق يشكل حلقة وصل بين العديد من القوى الفاعلة في المنطقة، الأمر الذي يجعله شديد الحساسية تجاه أي تغير في البيئة الأمنية المحيطة به.
فبغداد تحاول منذ زمن انتهاج سياسة توازن تهدف إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، إلا إن التطورات العسكرية الأخيرة بين حليفين لها أمريكا وإيران والمتغيرات داخل سوريا ووصول هيئة تحرير الشام إلى سدة الحكم في دمشق وضع العراق أمام تحديات جديدة تتعلق بأمن الحدود وحماية المصالح الوطنية والحفاظ على الاستقرار الداخلي من خلال اتباع سياسة النأي بالنفس عن صراع حلفائه.
كما يواجه العراق التحدي الأبرز داخلياً وهو واقع القوى المسلحة المختلفة ومدى تأثير التحولات الإقليمية على طبيعة المشهد السياسي والأمني في البلاد بالنظر لشدة الولاءات الخارجية لدى بعض المجموعات وفي ظل هذه الظروف، تسعى الحكومة العراقية إلى تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ سيادتها بما يضمن عدم تحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
هذا الواقع المضطرب في الشرق الأوسط وفي خضم ما تواجهه إيران من ضغوط غير مسبوقة جعلتها تمر بواحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث فالتطورات العسكرية المتلاحقة والضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة تفرض على طهران إعادة تقييم استراتيجياتها الإقليمية وآليات إدارة نفوذها في المنطقة.
وخلال العقود الماضية بنت إيران شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات التي مكنتها من لعب دور مؤثر في العديد من الملفات الإقليمية إلا إن التحولات الراهنة تضع هذه الشبكة أمام اختبارات حقيقية تتعلق بقدرتها على التكيف مع المتغيرات الجديدة سيما وان كل من يوالي طهران أو ما يسمى بأذرعها في المنطقة والتي بنتها لسنوات طويلة بات مهدداً بالاستهداف والانهيار والنظام السوري خير دليل على ذلك.
ويعتقد مراقبون أن مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة تأثر بشكل مباشر بنتائج المواجهات والتجاذبات الحالية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي كما أن أي تغير في ميزان القوى الإقليمي قد ينعكس على طبيعة علاقات إيران مع الدول المجاورة والقوى الدولية الفاعلة وحتى الأطراف الداخلية في البلاد.
هذه المتغيرات في المنطقة لم تكن وليدة لحظة ولا صنيعة صدفة إنما مخطط متكامل جرى العمل عليه من دول الهيمنة العالمية، وتحت يافطة الشرق الأوسط الجديد وولادة نموذج جديد معد مسبقاً يقوم على قاعدة “من لا يتغير سيُغير” وهذا المعيار الذي وضعته بريطانيا وتنفذه أمريكا في الشرق الأوسط وتستفاد منه إسرائيل.
إمكانيات التحول إلى شرق أوسط جديد
في ضوء التطورات الملحوظة على الأرض تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى والتحالفات السياسية، فالمعادلات التي حكمت الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية لم تعد ثابتة كما كانت، فيما تسعى مختلف الأطراف إلى إعادة رسم مواقعها بما يتناسب مع الواقع الجديد.
وتشير العديد من المؤشرات إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة تتسم بقدر أكبر من التحولات السياسية والاستراتيجية، حيث تتراجع بعض مراكز النفوذ التقليدية مقابل صعود أدوار جديدة لقوى ودول تسعى إلى تعزيز حضورها الإقليمي، لكن بأدوات مختلفة تبدلت بتبدل الصراعات التقليدية وتنامي فرص التحولات الديمقراطية كسبيل أمثل لنجاة الأنظمة القمعية التي حكمت المنطقة لعقود طويلة.
ورغم أن ملامح النظام الإقليمي القادم لم تتضح بالكامل بعد، فإن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي وأن نتائج التطورات العسكرية الراهنة لن تقتصر على إعادة رسم خرائط النفوذ فحسب بل ستؤثر أيضاً على مستقبل الاستقرار والتنمية والعلاقات بين دول المنطقة وشعوبها لسنوات طويلة قادمة.
وبينما تتابع العواصم الإقليمية والدولية هذه التحولات بحذر لا يبدو أن مسار الأحداث خلال الفترة المقبلة واضح المعالم لكن ما يبدو مؤكداً اليوم هو أن الشرق الأوسط الذي سيتشكل بعد هذه التطورات، لن يكون كما كان قبلها وإن شعوب المنطقة ستكون متأثرة ومؤثرة في هذه المتغيرات لكن بمنطق أكثر عقلانية واستثمار براغماتي يحقق لها تطلعاتها على الأرض.
ومع تسارع التحولات العسكرية والسياسية التي تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوى بين الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً فمن الحرب في غزة، إلى التوترات المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، مروراً بالمتغيرات التي تشهدها سوريا والعراق ولبنان، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة ستنتج واقعاً سياسياً مختلفاً عما عرفته خلال السنوات الماضية.
فالقوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الدول الرأسمالية المهيمنة تتعامل مع المنطقة من منظور المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، وليس من منظور الحقوق التاريخية للشعوب أو تطلعاتها الوطنية فالتجارب السابقة أثبتت أن السياسات الدولية تتحرك وفق حسابات النفوذ والطاقة والأمن، بينما تبقى قضايا الشعوب مرهونة بقدرتها على فرض حضورها السياسي وتنظيم صفوفها والدفاع عن مصالحها بنفسها.
تاريخياً لم يكن الشعب الكردي إلا مظلوماً ومسلوب الحقوق من أنظمة إقليمية قمعية شوفونية أو دولية براغماتية فهو الشعب الذي يتوزع وجوده التاريخي بين عدة دول في المنطقة، وهذه الدول تختلف في سياساتها على صعد عديدة لكنها تتفق في معيار واحد وهو المعاداة للكرد ونكران حقوقهم المتجذرة.
الكرد في عين العاصفة
الكرد الذين كانوا جزءاً من معظم التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط خلال القرن الماضي، يجدون أنفسهم اليوم أمام فرصة جديدة وتحدٍ كبير في آن واحد فرصة استشفها القائد عبد الله أوجلان، وقرأها مبكراً فالفرصة تكمن في أن التحولات الجارية قد تفتح الباب أمام إعادة النظر في العديد من الملفات العالقة وتحقيق مكاسب تاريخية للشعب الكردي، وهذا ما بدا جلياً في ندائه الأخير “السلام والمجتمع الديمقراطي” وهو ما وضع تركيا المضطربة في حرج أمام المجتمع الدولي وهي تترقب بحذر جملة التحولات الدراماتيكية، أما التحدي فيتمثل في القدرة على استثمار هذه اللحظة التاريخية بصورة موحدة وفاعلة.
لقد أثبتت التجارب أن الانقسامات السياسية الكردية كانت دائماً أحد أبرز العوامل التي أضعفت الموقف الكردي في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية وساعدة الأنظمة القمعية في تقسيم الكرد، وتشتيت قواهم الفاعلة فعلى الرغم من تعدد الأحزاب والتنظيمات والتيارات السياسية، فإن غياب رؤية مشتركة لحل القضية الكردية كثيراً ما أدى إلى إهدار فرص تاريخية كان من الممكن أن تسهم في تعزيز الحقوق السياسية والقومية والثقافية والاجتماعية للكرد.
وفي ظل المشهد الإقليمي الراهن تبدو الحاجة إلى وحدة الصف الكردي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى فالقوى الإقليمية تعيد ترتيب أولوياتها والدول الكبرى تعيد صياغة استراتيجياتها بينما تتغير خرائط النفوذ بسرعة كبيرة وتبنى التحالفات الجديدة القائمة على المصالح المشتركة وفي مثل هذه الظروف، فإن تشتت الموقف الكردي قد يؤدي إلى تراجع القدرة على التأثير في مسارات الأحداث في حين أن التوافق السياسي يمكن أن يمنح الكرد ثقلاً أكبر في أي ترتيبات مستقبلية.
لذا؛ سارعت القوى الفاعلة إلى عقد كونفرانس “وحدة الموقف والصف الكردي في روجافاي كردستان” في مدينة قامشلو. لكن؛ هذا الكونفرانس بقي رهن مصالح ضيقة شتت تأثيره، وهو ما عملت عليه الأنظمة القائمة اليوم علماً أن وحدة الصف لا تعني بالضرورة إلغاء التعددية السياسية أو الفكرية، بل تعني الاتفاق على مجموعة من الثوابت الوطنية المشتركة التي تشكل أساساً لأي مشروع سياسي مستقبلي.
فالشعوب التي نجحت في انتزاع حقوقها لم تحقق ذلك عبر التطابق الكامل بين مكوناتها السياسية، وإنما عبر التوافق على الأهداف الكبرى التي تتجاوز الخلافات الحزبية والمرحلية ففي سوريا على وجه الخصوص، يواجه الكرد مرحلة دقيقة مع استمرار النقاشات المتعلقة بمستقبل الدولة السورية وشكل نظام الحكم والعلاقة بين المركز والأطراف.
ومن الواضح أن أي عملية سياسية شاملة لن تكون قادرة على تحقيق الاستقرار الدائم دون معالجة عادلة للقضية الكردية بوصفها قضية وطنية وسياسية ترتبط بحقوق ملايين المواطنين السوريين وهو ما يجب العمل عليه وبشكلٍ عاجل لأن الزمن لا يكرر الفرصة إلا كل مئة عام مرة في أقل تقدير. لذا؛ فإن الكرد اليوم أمام استحقاق واختبار حقيقي لرسم معالم مستقبل الأجيال القادمة ومفتاح النجاح هو وحدة الموقف وتجميع مكامن القوى الفاعلة لديهم.
فالمرحلة الحالية تتطلب حواراً كردياً شاملاً يتجاوز الحسابات الضيقة والخلافات التقليدية، ويؤسس لرؤية استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى المصالح العليا للشعب الكردي فالتحديات التي تواجه الكرد اليوم أكبر من أن تعالج بمنطق المنافسة الحزبية، كما أن الفرص التي قد تتيحها التحولات الإقليمية تتطلب مستوى غير مسبوق من التنسيق والعمل المشترك.
فالحقيقة الأكثر وضوحاً على مر التاريخ هي أن الشعوب التي تنجح في حماية مصالحها، ليست تلك التي تراهن على تشظيها وانقسامها بل تلك التي تمتلك وحدة موقف قوية ورؤية واضحة وقدرة على تحويل التحديات الدولية إلى فرص حقيقية وتاريخية وبين عالم تحكمه المصالح الدولية ومنطقة تبحث عن مستقبل أكثر أمناً وعدالة، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الكرد وقدرتهم على صناعة مستقبلهم بنفسهم والبوابة لذلك وحدة موقفهم وصفهم.