قامشلو/ دعاء يوسف ـ يُظهر واقع مجلس الشعب السوري الجديد استمرار ضعف تمثيل المرأة السياسية، فليس فيه إلا سبع نساء فقط، ما يعكس تراجعاً واضحاً عن الطموحات المعلنة لمشاركة نسائية أوسع داخل المؤسسة التشريعية.
يُعدّ حضور المرأة في مجلس الشعب السوري أحد المؤشرات الأساسية لقياس مستوى المشاركة السياسية والتمثيل الاجتماعي في البلاد، إلا إن هذا الحضور ظل عبر العقود الماضية أقل من الطموحات المعلنة والمعايير الدولية، سواءً من حيث النسبة أو من حيث التأثير الفعلي داخل المؤسسة التشريعية. ورغم أن الخطاب السياسي في سوريا، كما في العديد من الدول، تحدث في مراحل مختلفة عن ضرورة تعزيز دور المرأة، فإن الواقع البرلماني بقي بعيداً عن تحقيق تمثيل متوازن ومستدام.
تمثيل متراجع
في ثمانيات وتسعينات القرن الماضي، كان وجود المرأة في مجلس الشعب محدوداً إلى درجة كبيرة، حيث لم تتجاوز نسبتها في معظم الدورات ما بين اثنين وخمسة بالمائة، هذا الحضور كان يعكس نمطاً تقليدياً في المشاركة السياسية، حيث بقيت المرأة بعيدة عن مراكز اتخاذ القرار، واقتصرت مشاركتها على عدد قليل من المقاعد التي لم تشكّل كتلة مؤثرة داخل البرلمان.
ويمكن القول: إنه في تلك المرحلة، لم يكن النقاش حول “الكوتا النسائية” أو النسب المضمونة مطروحاً بشكل واضح، وكان التمثيل النسائي أقرب إلى المشاركة الرمزية منه إلى الشراكة السياسية الفعلية.
مع بداية الألفية الجديدة، شهدت سوريا تحولات اجتماعية واقتصادية انعكست جزئياً على مشاركة المرأة في المجال العام، فقد توسعت نسبة تعليم النساء، وازداد حضورهن في الوظائف الحكومية والمجتمع المدني، وهو ما انعكس على مشاركتهن السياسية بشكل نسبي.
في هذه المرحلة، ارتفع تمثيل المرأة في مجلس الشعب ليصل في بعض الدورات إلى ما بين ستة أو عشرة بالمائة، وهو تحسن محدود لكنه لم يرتقِ لمستوى التغيير البنيوي، ومع ذلك، بقيت النساء في البرلمان يواجهن تحديات مرتبطة بضعف الوصول إلى مواقع قيادية داخل اللجان التشريعية، حيث غالباً ما اقتصر دورهن على ملفات اجتماعية وخدمية.
في السنوات اللاحقة، وخصوصاً بعد عام 2011، دخل ملف تمثيل المرأة مرحلة أكثر تعقيداً، فقد تحدثت بعض النقاشات السياسية والدستورية عن ضرورة رفع نسبة مشاركة المرأة في المؤسسات السياسية إلى 20% كحد أدنى مستهدف، في إطار محاولات تحسين التمثيل السياسي عموماً، كما أشارت تقارير أممية ومعايير دولية إلى أن التمثيل “الفعلي والمتوازن” للنساء في البرلمانات يجب أن يقترب من 30% إلى 40% لضمان تأثير حقيقي في صناعة القرار، وهو ما يُستخدم كمرجع في تقييم المشاركة السياسية عالمياً، رغم اختلاف السياقات بين الدول. لكن؛ عند مقارنة هذه المعايير بالواقع السوري، يتضح وجود فجوة واضحة، ففي بعض الدورات الانتخابية خلال العقد الأخير، وصلت نسبة النساء إلى ذروتها التاريخية بنحو 13% تقريباً، لكنها لم تستمر، إذ شهدت الدورات اللاحقة تراجعاً ملحوظاً لتعود إلى أقل من عشرة بالمائة، وفي بعض التشكيلات الأخيرة إلى نسب أدنى بكثير، وهذا التراجع يعكس غياب آليات ثابتة تضمن استمرارية التمثيل النسائي، مثل نظام الكوتا الملزم أو القوائم الانتخابية المتوازنة.
حضور رمزي
إن قراءة هذا الواقع لا تتعلق فقط بالأرقام، بل أيضاً بطبيعة الدور الذي تؤديه النساء داخل المجلس، فوجود المرأة في البرلمان لا يعني بالضرورة وجود تأثير متوازن في التشريع أو القرار السياسي، ففي كثير من الحالات، اقتصر دور النائبات على ملفات محددة مثل الشؤون الاجتماعية، والتعليم، والمرأة والأسرة، بينما بقيت الملفات السياسية والاقتصادية الكبرى في يد الغالبية الذكورية داخل المجلس وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان هذا الحضور يمثل وجوداً سياسياً فعلياً أم مجرد تمثيل عددي محدود التأثير؟
في المقابل، لا يمكن إنكار وجود المرأة في مجلس الشعب، حتى ولو كان محدوداً، قد ساهم في إبقاء بعض القضايا الاجتماعية حاضرة داخل النقاش التشريعي، وفتح المجال أمام نماذج نسائية في العمل السياسي، إلا إن هذا الدور بقي مقيداً بعوامل بنيوية، أبرزها طبيعة النظام الانتخابي القائم على هيئات ناخبة وتعيينات جزئية، ما يجعل فرص المنافسة السياسية غير متكافئة.
اليوم، ومع استمرار انخفاض نسبة تمثيل المرأة مقارنةً بالمستويات التي طُرحت في الخطابات السياسية أو المراجع الدولية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذا التمثيل. فبين هدف معلن بالوصول إلى نسب أعلى، ومعايير أممية تشير إلى ضرورة الاقتراب من ثلث أو أكثر من المقاعد لضمان الفعالية، وواقع لا يتجاوز في أفضل حالاته عتبة عشرة بالمائة، تظهر فجوة واضحة بين الطموح والتطبيق.
وبعد سقوط نظام السوري السابق وانتهاء انتخابات مجلس الشعب فازت سبع نساء في الانتخابات من أصل 137 عضواً تم انتخابهم لتمثيل 13 محافظة في البرلمان المقبل، فيما لم تجرَ الانتخابات في “السويداء”.
وبلغت نسبة النساء 5.1% فقط، ما أحبط آمال الحركات النسوية الداعية لتمثيل نسائي عادل في أول برلمان بعد سقوط النظام السوري السابق، حيث تدعو المنظمات النسوية عالمياً بتخصيص “كوتا” للنساء في المجالس التمثيلية، وأن تكون نسبة الحضور النسائي 30% على أقل تقدير، ويعني ذلك وجود 63 امرأة على أقل تقدير في مجلس الشعب المكوّن من 210 أعضاء.
بينما من المنتظر صدور قائمة الثلث الأخير من أعضاء المجلس من رئاسة الجمهورية، والتي ستضم 70 عضواً، ويعوّل عليها تعويض ضعف التمثيل النسائي وتعزيز تمثيل الشعوب السورية، لكن هذه القائمة لن تكون كافية لمنح النساء تمثيلاً كافياً.
وبذلك، يمكن القول: إن وجود المرأة في مجلس الشعب السوري لا يزال حتى الآن أقرب إلى حضور محدود ومجزأ منه إلى شراكة سياسية كاملة، وهو ما يجعل قضية تمثيلها واحدة من أبرز ملفات الإصلاح السياسي والاجتماعي المرتبطة بمستقبل الحياة البرلمانية في سوريا.