ليست أخطر الأزمات التي تصيب الأوطان تلك التي تأتي من خارج الحدود، بل تلك التي تنمو في الداخل متخفيةً بثياب الوطنية، حيث يتحول الحديث عن الوطن إلى سلعة رائجة في أسواق المصالح، وتصبح القضايا الكبرى مجرد أدوات للاستثمار السياسي والشخصي، فالوطنية الحقيقية موقف أخلاقي ومسؤولية تاريخية، أما الوطنية الزائفة فهي خطاب مرتفع النبرة يخفي وراءه مشاريع ضيقة وأهدافاً لا تمت إلى الوطن بصلة، وعندما تُتخذ القضية العامة جسراً نحو النفوذ أو الثروة أو الشهرة، فإن الخطر لا يكمن فقط في تضليل الناس، بل في تشويه معنى الانتماء ذاته، حتى يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين من يدافع عن الوطن ومن يتاجر باسمه.
إن المتاجرة بالقضية تبدأ غالباً بالشعارات وتنتهي بالامتيازات؛ تبدأ بخطابات الحماس وتنتهي بصفقات المصالح، حيث يرفع البعض رايات الدفاع عن الحقوق، بينما ينشغلون في الخفاء بحساب الأرباح والخسائر. وفي مثل هذه الحالات، تتحول الوطنية إلى لافتةٍ معلقة على أبواب المشاريع الشخصية، ويُختزل الوطن في منصة للظهور أو وسيلة لحشد الجماهير. وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أن أصحابها غالباً ما يحتكرون الحديث باسم الشعب، ويمنحون أنفسهم صكوك الوطنية، فيتهمون كل مخالف بالخيانة أو التقصير، بينما يرفضون أي مساءلة حقيقية لأفعالهم وممارساتهم.
لقد أثبتت التجارب إن الأوطان لا تنهض بكثرة من يتحدثون عنها، بل بصدق من يعملون لأجلها. فالقضية العادلة لا تحتاج إلى تجار يرفعون أسعارها في المزادات السياسية، بل إلى رجال ونساء يحملونها بإخلاص بعيداً عن الأضواء. والوطن لا يُقاس بحجم الشعارات التي تُرفع في الساحات، بل بمقدار العدالة التي تُمارس، والكرامة التي تُصان، والحقوق التي تُحترم. لذلك؛ فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية وطنية هو أن تقع في أيدي من يجعلون منها مهنة دائمة ومورداً للنفوذ، لأنهم، مع مرور الوقت، لا يعودون بحاجة إلى حل المشكلة، بل إلى استمرارها؛ فبقاء القضية مفتوحة يضمن بقاء مكاسبهم ومواقعهم.
إن الوطنية ليست كلمات تُقال على المنابر، ولا أعلاماً تُرفع في المناسبات، بل هي التزام صادق تجاه حاضر الوطن ومستقبله، وعندما تتحول القضايا الوطنية إلى تجارة، يفقد الخطاب السياسي قيمته الأخلاقية، وتصبح الثقة بين الشعب والنخب ضحية جديدة من ضحايا الاستغلال، لذلك تبقى الحاجة قائمة إلى وعي مجتمعي يميز بين الوطني الذي يدفع ثمن مواقفه، والمتاجر الذي يقبض ثمن شعاراته؛ فالأول يبني الأوطان بصمت، أما الثاني فيستهلكها باسم الحب والوفاء، حتى لا يبقى من القضية سوى صدى الكلمات، ولا من الوطنية سوى قناع يُخفي وجهاً آخر.