No Result
View All Result
حمزة حرب
رغم إن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من بلورة اتفاق أولي لإنهاء الحرب، في خطوةٍ قد تفتح الباب أمام مسار تفاوضي يمتد لنحو 30 يوماً بشأن ملفات شائكة أبرزها البرنامج النووي والأصول الإيرانية المجمدة وأمن مضيق هرمز، إلا أن المنطقة تتقلب على صفيحٍ ساخنٍ، لاسيما إن ارتدادات الحرب كبدت الأطراف المنخرطة فيها خسائراً باهظةً، وانعكست على واقع المنطقة ودولها وبينما تواصل طهران دراسة المقترح المطروح، يسود أروقة الإدارة الأميركية تفاؤلاً حذراً يقابله قدر من التشكيك في فرص تحقيق اختراق سريع، رغم مؤشرات إيجابية أولية تفيد بإحراز تقدم نحو تسوية محتملة، وسط ترقب لرد إيراني خلال الساعات القليلة المقبلة.
ووسط كل هذا الترقّب الحذر لمسار المفاوضات غير المباشرة بين أمريكا وإيران تترقب الأوساط السياسية في واشنطن وطهران ردوداً حاسمة خلال الساعات القادمة حول مقترح أمريكي جديد يتكون من 14 بنداً، يهدف إلى إنهاء صفحة الحرب ووضع إطار عمل شامل للملف النووي. المسودة التي صيغت في صفحة واحدة تحت إشراف مبعوثي الرئيس الأمريكي ترامب، تُمثّل أقرب نقطة تفاهم وصل إليها الطرفان منذ اندلاع الصراع، حيث تضع العالم أمام لحظةً فارقةً إما بالعبور نحو جنيف لإتمام التسوية، أو العودة إلى مربع التصعيد العسكري.
لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي
في خضم الهدوء الحذر عسكرياً تشهد الساحة الإقليمية حرباً باردة قائمة على الضغط الدبلوماسي والسياسي لتحقيق خرق ما في ملف المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين، والتي تحاول عدة دول وسيطة منها عمان وباكستان خلق جسراً دبلوماسياً يمكن العبور من خلاله على العديد من الملفات الشائكة بين الجانبين وذلك من خلال تقديم التنازلات المشتركة إلا إن المجتمع الدولي يعدُّ الثواني لإنهاء الانسداد الحاصل.
فلم يكن تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن استعداد بلاده للمشاركة عسكرياً في فتح مضيق هرمز حدثاً عابراً في سجل التوترات الدولية، بل بدا وكأنه إعلان سياسي يختصر طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها العالم فحين تتحدث ألمانيا، التي ظلت لعقودٍ حذرة في الانخراط العسكري المباشر خارج حدودها، عن احتمال استخدام قواتها المسلحة لضمان حرية الملاحة في الخليج، فهذا يعني إن الأزمة تجاوزت حدود النزاع الإقليمي، وأصبحت تهديداً مباشراً للنظام الاقتصادي العالمي بأكمله. فبعد ساعات فقط من ذلك التصريح خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن تعليق عملية “مشروع الحرية” مبرراً القرار بوجود “تقدماً كبيراً” نحو اتفاق شامل ونهائي مع إيران وبين التصريحين بدت المنطقة وكأنها تتحرك فوق حافة هاوية لا حرب شاملة معلنة، ولا سلام حقيقي يمكن الوثوق به، بل حالة من الاشتباك السياسي والعسكري المفتوح على كل الاحتمالات. ففي الأسابيع الأخيرة لم يعد السؤال المطروح في العواصم الكبرى يتعلق بإمكانية اندلاع الحرب بل بطريقة إدارتها، وحدودها ومن يملك القدرة على فرض قواعدها الجديدة فإيران التي دفعت بالمواجهة إلى قلب مضيق هرمز لم تكن تبحث فقط عن معركةٍ عسكريةٍ تقليدية بل عن إعادة تعريف موازين الردع في الخليج.
أما الولايات المتحدة، فقد حاولت الجمع بين التصعيد العسكري والرهان على نافذة دبلوماسية أخيرة قبل الانزلاق إلى صدامٍ أوسع قد يُعيد تشكيل المنطقة لعقودٍ طويلة لاسيما مع اقتراب مضيق هرمز من لحظة الانفجار الكامل بحسب ما وصفته تقارير متعددة تحدثت عن إطلاق صواريخ إيرانية وتحليق طائرات مُسيّرة باتجاه مواقع بحرية أمريكية وسفن تجارية تعبر المضيق. ناهيك عن الزوارق السريعة التي اندفعت نحو خطوط الملاحة قبل أن تتعرض للتدمير فيما ردت البحرية الأمريكية بإغراق عددٍ من القطع الإيرانية واعتراض الصواريخ في الجو لتصل واشنطن إلى مرحلة الإعلان عن إطلاق عملية “مشروع الحرية” وهي خطة هدفت إلى مرافقة السفن العالقة خارج المضيق وتأمين خروجها من الخليج. لكن؛ طهران تعاملت مع العملية باعتبارها محاولةً لفرض سيادة أمريكية بالقوة على واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم ولهذا جاء الرد الإيراني سريعاً وحاداً، محذراً من أن أي تحرك بحري لا يتم بالتنسيق مع إيران سيعتبر عملاً عدائياً يستوجب الرد هكذا دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع مرحلة لا تشبه الحروب التقليدية التي عرفها الشرق الأوسط في العقود الماضية.
فلا الولايات المتحدة أرادت الذهاب إلى مواجهة شاملة بكل كلفتها السياسية والعسكرية، ولا إيران بدت مستعدة للتراجع الكامل عن استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية وبدلاً من الحرب المفتوحة، حيث نشأت حالة أكثر تعقيداً اشتباك محسوب بدقة تتحول فيه كل مناورة بحرية إلى رسالة سياسية وكل تصريح دبلوماسي إلى احتمال تصعيد عسكري.
سيناريوهات محتملة
ضمن المشهد القائم على التعقيد في الشرق الأوسط بدأت ملامح أربع مراحل رئيسية للصراع تتشكل بوضوح، فالمرحلة الأولى كانت مرحلة التجميد والتردد بعد موجة الضربات الأولى، حيث وجد الطرفان نفسيهما أمام سقف معين من التصعيد لا يمكن تجاوزه بسهولة وإن إيران استخدمت أوراق الضغط القصوى المتاحة لها في المضيق، فالولايات المتحدة استنزفت جزءاً مهماً من أدوات الردع التقليدية دون أن تحقق حسمًا واضحًا. ففي هذه المرحلة بدت المفاوضات وكأنها ماتت قبل أن تبدأ فعلياً فالإيرانيون اعتبروا أن قدرتهم على تعطيل الملاحة ورفع أسعار النفط منحتهم تفوقاً سياسياً مهماً فيما رأت واشنطن إن استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية سيقود طهران في النهاية إلى التراجع.
وبين هذين التصورين أخذت إدارة ترامب تتأرجح بين لغة التهديد والدعوة إلى الحوار، حتى بدا الموقف الأمريكي مرتبكاً ومتقلباً بصورةٍ أثارت قلق الحلفاء قبل الخصوم لكن الجمود لم يكن قابلاً للاستمرار طويلاً فمع ارتفاع أسعار النفط وتزايد الضغوط على الأسواق العالمية بدأت الدول الغربية تُدرك إن الأزمة لم تعد مجرد خلاف أمريكي إيراني، بل تهديداً مباشراً للاقتصاد الدولي. لذا؛ بات من الضروري بناء تحالف دولي مناهض لإيران ولاسيما وإن أوروبا بدأت تستعد للانتقال من موقع المراقب إلى موقع الشريك الفعلي في حماية خطوط الطاقة العالمية ومع تراجع الاحتياطيات النفطية وازدياد المخاوف من نقص الوقود، أصبح الحديث عن تدخّلٍ دولي أكثر جدية من أي وقت مضى.
وفي هذه المرحلة حصل ترامب على أوراق ضغط إضافية فكل يوم يستمر فيه التوتر كان يدفع مزيداً من الدول إلى الاقتناع بضرورة كسر الحصار الإيراني على المضيق كما إن الحديث داخل البيت الأبيض عن تشكيل “تحالف الحرية”، بات واقعياً أكثر من أي وقت مضى لإعادة فتح الممرات البحرية بالقوة إذا اقتضى الأمر. لكن؛ واشنطن لم تكن ترغب في تحمّل العبء الأكبر وحدها فالاستراتيجية الأمريكية اعتمدت على دفع الحلفاء إلى المشاركة في العمليات الأكثر خطورة، بينما تكتفي القوات الأمريكية بتوجيه الضربات من مسافاتٍ آمنةٍ، مستفيدةً من تفوقها الجوي والبحري لتقليل الخسائر المباشرة. في المقابل تراهن إيران على عامل الزمن رغم إنها تمكنت من تعطيل تدفق ملايين البراميل من النفط يومياً إلا أن ذلك لم يؤدي إلى انهيار الاقتصاد العالمي لكنه تسبب في اضطرابات متراكمة زادت من كلفة الأزمة على الجميع ومع كل ارتفاع جديد في أسعار الطاقة كانت طهران تعتقد إنها تعزز قدرتها على فرض شروطها السياسية.
غير إن هذه الاستراتيجية حملت في داخلها خطراً متزايداً فكلما طال أمد الأزمة ازداد احتمال تشكّل اصطفاف دولي واسع ضد إيران ليس بدافعٍ سياسي فقط بل بدافع الضرورة الاقتصادية وحتى داخل طهران بدأ بعض المسؤولين يحذرون من أن تحويل مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد يؤدي إلى نتائجٍ عكسية.
إنهاء الحرب.. ضرورة حتمية
ومع استمرار الضغوط بات من مصلحة كل الأطراف إنهاء الحرب فإيران بدأت تستنزف من الداخل فالعقوبات الأمريكية المشددة، وتعقيدات الحرب البحرية، وتراجع العائدات الاقتصادية، كلها عوامل دفعت الوضع الداخلي الإيراني نحو مزيد من التوتر، حيث تحدثت تقاريراً غربيةً عن محاولات أمريكية وإسرائيلية لإحياء شبكات الاحتجاج داخل إيران، ودعم قوى معارضة بهدف دفع النظام إلى تقديم تنازلات أكبر.
هذا السيناريو يؤرق إيران ويضعها أمام واقع مرير لوجود تيارين داخل نظام الحكم نفسه الأول رأى إن اللحظة الحالية فرصة تاريخية لإعادة صياغة النظام الإقليمي وتقليص النفوذ الأمريكي في الخليج مستفيداً من قدرة إيران على الصمود ورفع كلفة الحرب على خصومها أما التيار الثاني فكان أكثر حذراً ولطالما حذراً من إن النجاح التكتيكي لا يعني بالضرورة تحقيق مكسب استراتيجي دائم. هذا التيار البراغماتي اعتبر إن الهدف الحقيقي يجب أن يكون تحويل أوراق القوة العسكرية إلى اتفاقٍ سياسي يضمن لإيران مكاسب ملموسة بدلاً من الغرق في مواجهةٍ طويلة تستنزف الاقتصاد والمجتمع معاً لكن الأصوات المتشددة داخل النظام الإيراني ظلت تنظر إلى أي تسوية باعتبارها تنازلاً خطيراً يهدد تماسك المشروع السياسي لها.
وفي واشنطن أيضاً لم يكن المشهد أقل تعقيداً فإدارة ترامب أرادت تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع يمنع انزلاق المنطقة إلى حربٍ واسعة لكنها في الوقت نفسه لم تكن مستعدة للتراجع عن خطوطها الحمراء المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج.
وسط هذه الحسابات المعقدة ظهرت بوادر اختراق دبلوماسي مفاجئ بهدف التوصّل إلى مُذكرة تفاهم قصيرة من صفحة واحدة تتضمن أربعة عشر بنداً تشكل أساساً لإنهاء الحرب وفتح الباب أمام مفاوضات أوسع فالمسودة المقترحة تضمنت إعلان إنهاء العمليات العسكرية وبدء فترة تفاوض تمتد ثلاثين يوماً لمعالجة القضايا العالقة وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والأصول المجمدة ومستقبل الأمن في مضيق هرمز.
كما تضمنت مقترحات بوقف تخصيب اليورانيوم لفترة قد تتجاوز عشر سنوات، ونقل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، فهذه البنود شكلت اختباراً حقيقياً لنوايا الطرفين لا سيما وإن الولايات المتحدة أرادت ضمانات صارمة تمنع إيران من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي، بينما أصرت طهران على رفع العقوبات وتخفيف الضغوط الاقتصادية قبل تقديم أي تنازل جوهري. لكن؛ رغم هذا الزخم الدبلوماسي يبقى شبح التصعيد حاضراً بقوة فكل طرف يُدرك في قرارة نفسه أن فشل المفاوضات قد يُعيد المنطقة فوراً إلى نقطة الصفر وربما إلى ما هو أخطر منها فحتى الآن لا يزال وقف إطلاق النار هشاً ولا تزال المفاوضات محاطة بالشكوك رغم التفاؤل الحذر بإمكانية النجاح في اتفاق مرتقب. لكن؛ المؤكد إن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى مركز ثقل جيوسياسي يعاد من خلاله رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط والعالم.
فما شهده الشرق الأوسط يعيد التأكيد على أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي إن المنطقة دخلت بالفعل زمناً مختلفاً زمناً تختلط فيه الدبلوماسية بالقوة وتصبح فيه كل هدنة مؤقتة وكل اتفاق قابلاً للانهيار عند أول اختبار حقيقي وفي قلب هذا المشهد المضطرب تقف العواصم الكبرى أمام مرحلة دولية جديدة تتغير فيها خرائط النفوذ والطاقة والتحالفات بحرب من الممكن ألا يخرج منها أحداً منتصراً بالكامل.
No Result
View All Result