No Result
View All Result
محمد عيسى
في المشهد السوري الراهن، لا تبدو الانتهاكات مجرد حوادث متفرقة، أو تجاوزات عابرة، بل تتخذ الطابع الممنهج، والمتكرر، يمتد من الساحل السوري، إلى درعا، مروراً بمناطق عدة يفترض أنها دخلت مرحلة “الاستقرار” بعد سقوط النظام السابق في الثامن من كانون الأول 2024، غير أن الوقائع على الأرض تشير إلى واقع مختلف تماماً، حيث تتكاثر الشهادات، وتتقاطع التقارير، حول استمرار عمليات الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتصفية خارج القانون، في ظل صمت رسمي يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وأهداف السلطة القائمة.
ما يجري اليوم في سوريا لا يمكن فصله عن إرث طويل من القمع والانتهاكات، غير أن الخطير في المرحلة الحالية، هو أن هذه الممارسات لم تتوقف مع تغيير رأس النظام، بل استمرت بأشكال جديدة، وبأدوات مختلفة، وفي ظل خطاب سياسي يدّعي الإصلاح والانفتاح، وبين هذا وذاك، يقف المواطن السوري، أمام معادلة قاسية، وسلطة جديدة، لكن بالعقلية الأمنية ذاتها، وواقع يومي لا يختلف كثيراً عمّا كان عليه في سنوات الحرب. 
انتهاكات ممنهجة في الساحل ودرعا
منذ مطلع عام 2026، عادت مناطق الساحل السوري، تشهد تصاعداً ملحوظاً في حدة التوتر، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار الذي رُوّج له خلال المرحلة الانتقالية، فخلال الأشهر الماضية، تواترت تقارير محلية، وشهادات ميدانية، عن ازدياد وتيرة الاعتقالات التعسفية، التي لم تعد تقتصر على فئات محددة، بل طالت طيفاً واسعاً من المجتمع، من شبان وناشطين مدنيين، وموظفين في مؤسسات حكومية، اللافت في هذه العمليات أنها غالباً ما تُنفذ دون أي مذكرات قانونية، وفي كثير من الأحيان دون الإفصاح عن الجهة المسؤولة. حيث تقوم مجموعات أمنية بلباس مدني، أو بعلامات غير واضحة، بتنفيذ المداهمات، ما يخلق حالة من الضبابية والخوف داخل المجتمع المحلي، هذا النمط من السلوك لا يعكس فقط غياب الضوابط القانونية، بل يشير أيضاً إلى حالة من التداخل والفوضى داخل بنية الأجهزة الأمنية، التي تبدو وكأنها تعمل خارج إطار مؤسساتي منظم.
وفي الجنوب السوري، وتحديداً في درعا، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً أو خطورة، فالمنطقة التي كانت مهد الاحتجاجات الأولى، لا تزال تعيش وقع توترات مستمرة، فتتواصل عمليات الاغتيال والاستهداف المباشر لشخصيات محلية، بعضها مرتبط بملفات سابقة أو بتسويات لم تكتمل، هذه التسويات، التي رُوّج لها كمدخل للاستقرار، أثبتت مع مرور الوقت أنها لم تكن سوى أدوات مؤقتة لإدارة الأزمة، دون معالجة جذورها العميقة، السكان في درعا يتحدثون عن واقع يومي يطغى عليه القلق، فيسود شعور عام بأن الخطر يمكن أن يطال أي شخص، في أي وقت، دون مقدمات أو تفسيرات واضحة، في ظل غياب كامل للمساءلة، أو الكشف عن الجهات المنفذة.
أما باقي المناطق التي خضعت لسيطرة الحكومة الانتقالية خلال الفترة الأخيرة مثل محافظة الرقة ودير الزور، فإن الصورة لا تختلف كثيراً، بل تكاد تكون نسخة مكررة من المشهد ذاته. مداهمات ليلية تُنفذ بشكل مفاجئ، واعتقالات عشوائية تطال مدنيين دون تهم واضحة، وغياب شبه تام لأي شفافية في إدارة هذه الملفات، هذا التكرار في الأنماط والسلوكيات لا يمكن اعتباره مجرد خلل إداري، أو تجاوزات فردية، بل يعكس وجود نهج، تُستخدم فيه الانتهاكات وسيلة لإعادة فرض السيطرة، وضبط المجتمع، في سياق يعيد إنتاج ممارسات الماضي، وإن بأشكال جديدة. 
ما هدف سياسات الحكومة المؤقتة؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا، لماذا تستمر الحكومة في اتباع هذه السياسات، رغم كل الخطاب المعلن عن الإصلاح؟ الإجابة تكمن في طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، التي لم تُبنَ على أسس واضحة للعدالة والمساءلة، بل جاءت نتيجة توازنات سياسية وأمنية معقدة.
أولاً، يبدو أن الحكومة المؤقتة، تسعى لتثبيت نفوذها في مختلف المناطق باستخدام أدوات الردع التقليدية، وعلى رأسها القبضة الأمنية، فبدلاً من بناء مؤسسات قوية، يتم الاعتماد على أجهزة أمنية متعددة، بعضها يعمل خارج إطار القانون، ما يمنح السلطة هامشاً واسعاً للتحرك دون مساءلة.
ثانياً، هناك رغبة واضحة في منع أي شكل من أشكال الحراك الشعبي، خاصة في المناطق، التي شهدت احتجاجات سابقة، الانتهاكات هنا تُستخدم رسالة، أي محاولة للتعبير عن الرأي أو المطالبة بالحقوق، قد تُقابل بالقمع.
ثالثاً، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي، فتسعى الحكومة، إلى تقديم نفسها شريكاً لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ولو كان ذلك على حساب حقوق المواطنين، في هذا السياق، تُعدَّ السيطرة الأمنية أولوية، وإن جاءت بوسائل غير قانونية.
في أي مرحلة انتقالية، العدالة حجر الأساس لبناء الثقة، بين الدولة والمجتمع، غير أن ما يحدث في سوريا يشير إلى غياب شبه كامل لهذا المفهوم، فلا توجد آليات واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ولا مؤسسات مستقلة قادرة على التحقيق في هذه القضايا.
القضاء، الذي يفترض أن يكون الضامن للحقوق، يبدو عاجزاً أو غير راغب في التدخل، كثير من العائلات التي فقدت أبناءها أو تعرضت لانتهاكات، لا تجد سبيلاً قانونياً لمتابعة قضاياها، ما يدفعها إلى الصمت أو البحث عن حلول خارج إطار الدولة، وهذا الغياب للعدالة لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد إلى الماضي أيضاً، فحتى الآن، لم يتم فتح ملفات الانتهاكات، التي اُرتُكبت خلال سنوات الحرب، ما يعزز شعوراً عاماً بأن الإفلات من العقاب هو القاعدة، وليس الاستثناء. وفي ظل هذا الواقع، تتحول الدولة من كيان يحمي المواطنين، إلى طرف في الصراع، يستخدم القانون أداة للسيطرة، وليس وسيلة لتحقيق العدالة.
الإعلام لا يعبر عن الواقع
في موازاة تصاعد الانتهاكات على الأرض، يطفو السؤال الأكثر إلحاحاً، أين يقف الإعلام مما يحدث؟ الواقع الراهن يكش فجوة واسعة بين ما يجري فعلياً في الميدان، وما يصل إلى الرأي العام، سواء داخل سوريا أو خارجها، فالمشهد الإعلامي المحلي، يبدو خاضعاً لحد كبير لاعتبارات سياسية وأمنية، فتلتزم المنصات الرسمية برواية واحدة، تُعيد إنتاج خطاب السلطة، وتُحجّم أو تتجاهل الوقائع التي تتعلق بالانتهاكات، بل وتُعيد في كثير من الأحيان صياغتها ضمن سرديات تبريرية تُفرغها من مضمونها الحقيقي.
في المقابل، تواجه وسائل الإعلام المستقلة، بيئة شديدة التعقيد، تتراوح بين التضييق الإداري، والرقابة غير المعلنة، وصولاً إلى التهديدات المباشرة، التي تدفع الكثير من الصحفيين ممارسة رقابة ذاتية صارمة، أو الامتناع عن التغطية كلياً.
هذا الواقع لا ينعكس فقط على مستوى تدفق المعلومات، بل يمتد ليؤثر بشكل عميق على وعي المجتمع، فحين تغيب التغطية المهنية، وتُستبدل بروايات منقوصة أو منحازة، يصبح من الصعب على الأفراد تكوين صورة دقيقة عما يجري، ما يفتح المجال أمام انتشار الشائعات، وتضارب الروايات، وتآكل الثقة بالمصادر الإعلامية، ومع مرور الوقت، يتحول هذا الغموض حالة عامة من اللامبالاة أو العجز، فيفقد الجمهور قدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل، أو اتخاذ موقف واضح إزاء الأحداث.
أما على المستوى الدولي، فإن الحضور الإعلامي لهذه الانتهاكات، يبقى محدوداً ومتقطعاً، وغالباً ما يأتي في سياق تقارير موسمية، أو تغطيات عابرة، لا تعكس عمق الأزمة أو استمراريتها، فوسائل الإعلام العالمية تميل إلى التركيز على التحولات السياسية الكبرى، أو التحركات الدبلوماسية، بينما تُهمل التفاصيل اليومية التي تشكل جوهر معاناة السوريين.
هذا الخلل في الأولويات، لا يمكن فصله عن شبكة المصالح التي تحكم المشهد الدولي، فتتقاطع الاعتبارات السياسية مع التوجهات الإعلامية، ما يؤدي إلى تراجع الاهتمام بملفات حقوق الإنسان، لصالح قضايا أكثر إلحاحاً، أو تأثيراً على موازين القوى، وفي ظل هذا التداخل، يصبح الإعلام جزءاً من الأزمة، لا أداة لكشفها.
صمت المجتمع الدولي يثير الريبة
ربما يكون أكثر ما يثير القلق في هذا المشهد، هو الصمت الدولي المريب، فرغم توفر تقارير وشهادات توثق الانتهاكات والجرائم، لا يبدو أن هناك إرادة حقيقية للتحرك، فالبيانات الرسمية، إن وُجدت، تبقى في إطار العموميات، دون خطوات عملية على الأرض. هذا الصمت يمكن تفسيره بعدة عوامل، أولاً، هناك إرهاق دولي من الملف السوري، بعد سنوات طويلة من الصراع.
ثانياً، تتجه بعض الدول إلى إعادة الانخراط مع الحكومة السورية المؤقتة، لأسباب سياسية، واقتصادية، ما يجعلها أقل استعداداً لانتقادها.
ثالثاً، تلعب التوازنات الإقليمية دوراً مهماً، حيث يتم التعامل مع سوريا كجزء من معادلة أوسع، تتجاوز حدودها الجغرافية، في السياق، تصبح حقوق الإنسان مسألة ثانوية، مقارنة بمصالح الدول. غير أن هذا الصمت لا يعني الحياد، بل في كثير من الأحيان، يعدُّ شكلاً من أشكال التواطؤ غير المباشر، فيُمنح الضوء الأخضر لاستمرار الانتهاكات، دون خوف من العواقب.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو سوريا وكأنها تدور في حلقة مفرغة، هي سلطة تستخدم القمع لضبط المجتمع، ومجتمع يعيش تحت ضغط دائم، وإعلام غائب، ومجتمع دولي صامت، هذه المعادلة لا يمكن أن تؤدي إلى استقرار حقيقي، بل تُنذر بمزيد من التوتر والانفجار. فالانتهاكات، مهما استمرت، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحلول السياسية، وغياب العدالة، لا يمكن أن يُنتج دولة مستقرة، والصمت، سواء كان داخلياً أو دولياً، لا يلغي الواقع، بل يؤجله فقط.
اليوم، تقف سوريا عند مفترق طرق، إما أن يتم الاعتراف بالمشكلة والعمل على معالجتها، عبر مسار شامل للعدالة والمساءلة، أو أن تستمر الأمور على ما هي عليه، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر على المدى القريب والبعيد.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً، هل ما تشهده سوريا اليوم بداية مرحلة جديدة، تُعاد فيها إنتاج السياسات، تحت مسميات مختلفة؟ الإجابة، لا تزال مؤجلة، لكن ثمن هذا التأجيل يدفعه السوريون يومياً.
No Result
View All Result