No Result
View All Result
ضياء إسكندر
في ظلِّ أوضاعٍ اقتصادية منهكة، وحياة يوميّة ترزح تحت وطأة الحرب والفقر والجوع، جاء قرار رفع أسعار الكهرباء في مناطق سيطرة الحكومة السوريّة المؤقتة أواخر تشرين الأول 2025 كحلقةٍ جديدةٍ في سلسلة الضغط على المواطنين، مثيراً موجة من الجدل والاستياء في المجتمع.
وشملت الزيادة مختلف الشرائح، لتُسقط ما تبقّى من مفهوم «الخدمة العامة»، وتحوّله إلى عبءٍ مالي مفتوح، مع دخول التعرفة الجديدة حيّز التنفيذ مطلع تشرين الثاني، دون أي مراعاة لواقع معيشي يزداد اختناقاً يوماً بعد يوم.
الأسعار التي كانت تُقدَّم سابقاً كدعمٍ رمزي قفزت إلى مستويات مرهقة للحسابات المنزلية، إذ بلغت 600 ليرة للكيلوواط ضمن الشريحة الأولى، و1400 ليرة لما يتجاوزها، في أرقام تعيد رسم أولويات الإنفاق، وتدفع بالأُسر إلى تقليص احتياجات أساسية من حياتها اليومية. وبهذه التسعيرة، تتحول الكهرباء إلى امتياز مرتبط بالقدرة على الدفع، في وقتٍ تتزاحم فيه أزمات الغذاء والتدفئة على مائدةٍ لم تعد تتسع لما يكفي.
الفاتورة التي تبتلع الحياة
في بلدٍ يعيش فيه أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، جاء قرار رفع أسعار الكهرباء ضمن سياق اقتصادي خانق، تزامن مع دخول فصل الشتاء وارتفاع إضافي في أسعار الخبز والمواد الأساسية، ما زاد من تراكم الأعباء المعيشية بوتيرةٍ متسارعةٍ لا تترك مجالاً للتخفيف.
ردود الفعل لم تتأخر، الغضب انتشر في الشارع وعلى منصات التواصل. واحتشد مواطنون أمام وزارة الطاقة في دمشق، يهتفون بمرارةٍ لم تعد تخجل من قول الحقيقة: “ماني دافع الكهربا”. حملت العبارة تعبيراً مكثفاً عن حالة رفض متصاعدة في الشارع، وفضحت حجم الضغط المتراكم الذي استقر كسيفٍ على الرقاب.
الفواتير الجديدة التي بدأت تصل إلى المنازل كانت كفيلةً بتغيير نمط الحياة؛ إذ بلغت في كثير من الحالات نحو مليون ليرة، وربما أكثر… أي ما يعادل جزءاً كبيراً من راتب موظف بالكاد يكفيه لأسبوع، هذا الواقع دفع كثيراً من العائلات إلى إعادة النظر في أبسط أشكال الاستهلاك اليومي للطاقة، وصولاً إلى العيش في العتمة كحلٍّ قسري لا كخيار.
رواية السلطة وكلفة الواقع
في المقابل، قدّمت الحكومة هذا القرار بوصفه جزءاً من “إصلاح شامل” لقطاع الطاقة، متحدثةً عن اقتصاد السوق وتقليص الدعم الذي “استنزف الموارد”، وعن ضرورة تأمين الوقود لضمان استمرار تشغيل المحطات وزيادة ساعات التغذية التي شهدت تحسناً نسبياً في بعض المناطق، إلا أن المفارقة القاسية تبقى واضحة: تحسّن جزئي في ساعات التغذية مقابل تضاعف كارثي في الأسعار.
لكن خلف هذه الصياغة التقنية الباردة يبرز جوهر أكثر قسوةً، يتمثل في تحميل جزءاً كبيراً من تكلفة النظام الكهربائي مباشرةً للمستهلك، وكأن المواطن يتحمّل وحده تبعات تدهور البنية الاقتصادية، في حين يُعدُّ في الواقع الضحية الأولى لهذا الانهيار لا سببه.
ومع إعلان وزارة الطاقة في كانون الثاني 2026 تمسّكها بهذه الزيادات ورفضها التراجع عنها، اتضحت ملامح السياسة المتبعة بشكلٍ أكبر في اتجاهها طويل الأمد، بغض النظر عن حجم الاعتراضات أو تصاعد الشكاوى والاستغاثات.
على الأرض، بدأت تداعيات أكثر حدّة بالظهور، فـسلطة الأمر الواقع تدرك تماماً، أن الأسعار الجديدة للكهرباء ستواجه صعوبة في الالتزام بتسديدها، من قبل شريحة واسعة من المواطنين، في ظلِّ التراجع الكبير في القدرة المعيشية، ونتيجة ذلك بدأت شركات الكهرباء بسحب العدادات من منازل متأخرة عن تسديد الفواتير، ما دفع بعض السكان للجوء إلى حلول اضطرارية بديلة وغير نظامية لتأمين الكهرباء، وبالتالي توسّع ملفات القضايا أمام المحاكم، لتشمل أعداداً متزايدة من المواطنين العاجزين عن تسديد الفواتير.
إلى أين يُدفع هذا الغضب؟
ما يجري اليوم، يتجاوز مسألة تسعير خدمة عامة، ليقترب من إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة على أساس القدرة على الدفع. ومع كل فاتورة جديدة، يتسع الفارق بين الدخل والالتزام. وحين تبلغ فاتورة الكهرباء هذا المستوى، يتراجع الصمت تدريجياً، ويتحوّل إلى حالةٍ اجتماعية قابلة للاتساع مع استمرار الضغوط المعيشية. إن استمرار هذا النهج في تحميل المواطنين كلفة الانهيار الاقتصادي سيقود حتماً إلى مزيدٍ من الاحتقان، وإلى واقعٍ لا يمكن التنبؤ بتداعياته، فالجوع لا يُدار بالأرقام، والعتمة لا تُقنعها التبريرات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على الشارع وعلى صنّاع القرار معاً:
إلى متى يمكن للناس أن يدفعوا ثمن الضوء… وهم يُدفعون يومياً نحو الظلام؟
No Result
View All Result