No Result
View All Result
جوان عبدال
من ناحية أخرى، إن قراءة إليوت للحضارة، أثبتت فشلها بتمثلها الروحي الميتافيزيقي أساسا لها، وأظهر خواءها من مبتدأها إلى حاضرنا، وليس كما يدعي شارحوه، فإن كان ت. س. إليوت ينسف الأرض ويصفها باليباب فهي هكذا منذ أزلها، فخواء الأرض مستمر ويبابها بذرة رشيمها. لذا؛ فهو (أي إليوت) ينعي الاثنين معا الحضارة بشقها الروحاني وبشقها المستجد العملي العلمي، وليس صحيحا بأنه يتهم أوروبا العلمية قطعا، فإنه إذا كان يذم فهو يذم قدره الروحاني منه الذي بني على التلفيق والادعاء، بأن هناك الفادي المخلص، فإن الأمور ليست فادياً ولا أي ضوءاً في نفق الدهليز، هو العماء في ضفتيه ولا شيء آخر.
ومن هنا يمكن القول: ما يقوله إليوت هو أنه متأثر بالوجودية التي راجت أيامه بشقيها الوجودية المسيحية، فقد سبقه كثيرون منهم الفيلسوف سورين كيركغارد وكانت مؤداها أن قلق الإنسان يزول بالإيمان بالله، مقابل الوجودية الإلحادية عند هيدجر إلى أن اتضحت معالمها عند سارتر فهو خير من مثلها، وعليه فإن ما وصل إليه إليوت إنما كان بفضل العلم ومن سبقوه، وهي مرحلة الحضارة التي كان حاملها القرون السابقة عنها منذ عصر النهضة.
إن ت. س. إليوت، قطعا لا “يجوّف” الحضارة الغربية ـ الأوربية، وإن كان يريد أن يقول ذلك، ولكنه يعني الخواء لكل البشر ولكل المجتمعات الحضارية، وكل العالم، فإن استشهاده في نصوصه المعروفة واقتباساته من كل الحضارات الروحانية كما في حضارة الهند ـ البوذية ـ والسنسكريتية والفرعونية والهيلينية يبرهن على ذلك.
لأن ما ورد في شعره توليفات عدة من مصادر فكرية وفلسفية وأدبية وثقافية ألّف بينها في قطعة واحدة رمز بها إلى الواقع الراهن آنذاك لحالة أوروبا داعيا إلى العولمة قطعا.
أما القول، تربية إليوت المسيحية الصارمة هي المسؤول الوحيد عن هذا الموقف الرجعي المنغلق، فالتربية المتزمتة المحافظة الذي كان يناصر الارستقراطية ضد الديمقراطية، والدين مقابل الإلحاد، والأدب الكلاسيكي مقابل الحداثة والتجديد، والمرأة المحافظة عن نيل حريتها.
إن ما وسم به إليوت عصره بالخواء مردود عليه، أكانت صرعة أو مودة اجتاحت أوروبا بُعيد الحرب العالمية الأولى، فقد سبقه أيضا شبنهاور ونيتشه واشبنغلر، وأرنولد و كيركغارد في الفلسفة، وفي الأدب المدرسة الدادائية، وفي الفن والتشكيل كان هناك بيكاسو ودالي.. إلخ.
وما قاله إليوت يفهم من موقفه من الآخرين، وهذا هو ليس بالضرورة هو الصحيح، هو موقف محافظ ولا يسم العصر كله، فهذا تجن على الحضارة، فوسمها بالعنانة وخواء الروح والعقم المتجدد، ما هو إلا محاولة من البعض في مجال صراع الحضارات. فالبكاء على الماضي من امرئ محافظ ليس بغريب، فهو متوقع وهو يدافع عن معتقداته على أنها الصحيحة ودونها الخواء.
نعم، لقد شهدت أوروبا بفكرها الجدلي ثورة بكل معنى الكلمة، لا يعيها الآخرون إلا إنها سقوط لأوروبا وقيمها، ولا يعترفون بأنها تجدد نفسها وتنفض عن إهابها ما علق منها منذ القرون المظلمة، ونحن الآن نرى ما تفعل فتذهلنا، ولكننا نداري فشلنا فندعي بأنها: سقوط لها، نعم هو سقوط لها من مخلفات الماضي وعقمه، ممَّا فرض عليها من روحانيات ومعتقدات وتكبيت وتكبيل الروح للسير في النور وتعبير المسافات دون النظر خلفا في الغبار المثار. فليست هناك أصول ومسلمات أبدية فالإنسان في سعي مجد للكشف فيما يسعد البشر وينظم حياتهم ضمن آلية سلسة، ودون معوقات.
أنموذج القصائد
ـ بروفرك:
سنتاول هنا أكثر قصائد إليوت شهرة، والتي ركز عليها كثير من الدراسات، وهي: بروفرك والأرض اليباب والبشر الجوفاء، أي أن إليوت تناول في القطعة أو النص المسماة بـ” أغنية حب ج. ألفرد بروفرك” الوجود الفردي للإنسان متمثلا بشخص اسمه برفروك، وما يعانيه الفرد في العصر الحديث المحدد ببداية القرن العشرين، ويبين مدى عزلته ووحدته، وهو داخل مجتمع يرى فيه المرء نفسه خارجه، فهو لا يستطيع التواصل مع الآخرين، ويظهر جبنا وخورا للتأقلم مع محيطه المتجدد. فهو قطعا مريض بانفصام الشخصية، فهو أبكم الهوى ولا يعرف ماذا يريد، لقد أحبط من دون سبب، فهو إنسان وجودي لا يعرف كيف يحقق ذاته، فإن الأمور مشرعة أمامه، مفتوحة على مصراعيها، إنما العذر فيه فهو الذي حكم على نفسه بالنبذ والإهمال، بالعزلة والرفض للتجانس مع محيطه، فهو متردد وعاجز أن يتخذ مبادرات ايجابية، ولا يجرؤ على فعل شيء بسبب شكله وبقعة صلعته ونحافة ذراعيه وأرجله، أي أنه ينظر على طول الخط إلى المظهر؛ لأنه حصرا هو أجوف من الداخل.
والادعاء بأن كل شيء عقيم، وشائخ وبالٍ “أنني أشيخ ولسوف أرتدي سروالا معقوف العقبين”، مقولة تجانب الصواب، فهنا نري أزمة فرد في مجتمع دائم الحركة، متجدد ومنفتح، كمثل العنقاء تجدد نفسها، وهي ليست قطعا معضلة تعم الجميع بحيث لا ينجو منها أحد.
إنها الحرية الفردية التي لا يعرف كيف يستغلها أو يعيشها، “إن كان يفرق شعره هكذا أم هكذا، تناول خوخة، وارتدى سروالا من الفانيلا البيضاء ذا ثنية أو سار على الشاطئ”. لقد كانت موضة أن يفرق الشاب حينها شعره للخلف، ويلبس بنطالا ذا ثنية معقوفة، فيعد عصريا أو بوهيميا، فلو – فرضا -كان غير هذا الموصوف هنا، وبالطبع هناك الكثيرون ومجالات الحياة مزدهرة مشعة أمامهم، ويمارسون حياتهم بكل ألق أكان على سبيل الروح، أما كان على سبيل متطلبات النفس وما تريد وما تهوى، فهو قطعا ليس مجتمعاً منغلقاً يعاني الكبت والعقد والأمراض النفسية بهذا حرام وهذا حلال، وله مطلق الحرية فيما يفعل ومعتقداته تجيز ذلك، التي تقول: (لك مطلق الحرية فيما تفعل على ألَّا تتعارض مع حرية الغير).
إن ما نشاهد هنا في نص بروفرك إنسان مريض، وبين مزدوجتين: هذه قطعة تعبر عن حياة الغربة التي عاشها إليوت، فقد انتقل من سانت لويس إلى جامعة هارفرد في مساشوستس، في عمر السابعة عشر طوال ثلاث سنوات، قد يكون هذا عاديا، ولكن الغربة الحقيقة تمثلت في ذهابه إلى أوروبا وبالذات إلى فرنسا في العام 1910وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، التي وجد نفسه فيها مندمجا في نص بروفرك، هل يقلب شعره ذات اليمين أم الوراء، أيستطيع أن يفرض وجوده، وهل يجرؤ؟ أسئلة بروفرك تشبه هواجس إليوت في ذلك العمر، فالجو قاتم لأن ليس له أهل ولا أقارب وأصدقاء، وهو أشبه بالجحيم، سأم وملل ولأنه لم يتأقلم مع الأفكار التي يتمايل فيها، وهو المتحفظ المنحدر من سلالة الكهنة، هذا إليوت يشعر بتفاهته ووجوده في المكان الخطأ، حتى أنه لا يجرؤ أن يطلب الحب، أو ما شابه من امرأة فهل ترضى بي، هل شعري جميل وعلى المودة؟ حقيقة أن إليوت مصاب بالعنانة والعقم الروحي على مستوى الفرد، وليس في هذا ذنب المجتمع بشيء.
هذا القول، وهذا الادّعاء نلاحظه الكثير من الغرباء والمهاجرين المغتربين عن أجوائهم الأولية التي ألفوها طويلا، فيحسون بالغربة والسأم والعزلة من جراء هذا التغيير، يحسون الاغتراب والاستلاب، فيبدؤون بذم المجتمع وناسه وقيمه إلخ.. ذلكم لعجز هذا الفرد التأقلم أو التوافق الفكري والعاطفي والعملي كذات في محيطه الجديد، ومن هنا، ليس العيب في المشروب إنما العيب في الذائقة.
والقول، بروفرك يمثل انهيار الحضارة، أي حضارة يعني؟ إن لم يكن كل الحضارات؟ فهناك على مستوى المجتمعات اغتراب وسأم، وهناك انقلاب في المفاهيم، وهناك انشغال بالطعام.
والقول عن المرأة ينبئ عن قرف إليوت بالخصوص، كما صرح مرات بذلك، ولا يفهم هذا الموقف من إليوت، كموقف عقلاني وموقف وجيه، إنها ليس أكثر من موقف عدائي غير مبرر هو موقف انفعالي محتد، والقول عن المرأة إنها كانت لامبالية ولا تهتم سوى بالثرثرات والأطعمة والأكل فيه مغالطة وتجن، لأن الرجل هو من دفعها دفعا لذلك بعد أن كانت الملكة والآلهة والآمرة الناهية، وها هي تعود لأمجادها من جديد.
وأعتقد أن التزييف والتزوير المصطنع الذي حاول أن يظهره لم ينطلِ إلا على القلائل من شارحيه، وإذا كان يلح بأن حياة الفرد في العالم برهة في المملكة الحيوانية فهذا توصيف دقيق على المجموع العام، ولكنه أخذ المجزأ من سياقه وحرفه عن مساره وعممه على العالمين، إنما هو تعبير عن مرض ألمّ بصاحبه دون غيره “مغروس بدبوس على الجدار”، ويتمثله هو بالذات.
وإن كان بهذا يريد إليوت، أن يقول: إن الإنسان في هذا العصر مغترب مستلب خاوٍ؛ لأن هناك تجاذبات فكرية وعلمية على مستوى الروحانية، فالإنسان يبحث عن ماءٍ لآلاف الأسئلة العطشى، وهو يعرف هذا السعي بأنه أبدي في طرحه وهو يعبر عن الإنسان ككائن مفكر قلق عن وجوده وتجدده، قد خبر الأيام والسنين متواليات “لمئات الترددات، لمئات الرؤى والمراجعات”.
يلاحظ، أن إليوت لا يعتم الأمر كله، كما حلل شارحوه، بل يترك ثقب ضوء في نفقه إذ يقول: “لسوف يكون ثمة وقت حقا”، “لسوف يكون ثمة وقت لتقتل وتخلق” “وقت لإعمال الأيدي وأيامها كافة”، ” وقت لي ووقت لك”، “في الدقيقة ثمة وقت”.
No Result
View All Result