تُعدّ اللغة عنصراً أساسياً في حياة الشعوب، فهي وسيلة التواصل فيما بينها، والأداة التي تنقل ثقافتها وتعمّمها على الشعوب المتعايشة معها في البقعة الجغرافية التي تقطنها. فالإنسان يتحدث، ويتكلم، ويغني، وينشد الأشعار، ويروي القصص، ويصرخ بلغته الأم، ويعبّر عن ذاته وآرائه وأفكاره أينما كان، ولا يستطيع العيش من دون لغته؛ لأن اللغة الأم هي سرّ وجوده، وإدامة حياته، والحفاظ على هويته الثقافية التي تجسّد حقيقته وتاريخه وكيانه. لذا، فاللغة تمثل كل شيء بالنسبة للإنسان، في ظل التطورات التي يشهدها العالم، والانتشار الواسع لشبكات الإنترنت، وما يرافق ذلك من تشكّل هويات جديدة.
تحدث العديد من الشعراء والفلاسفة والمؤرخين عن أهمية اللغة الأم، حيث يقول المؤرخ والفيلسوف الاجتماعي والسياسي ابن خلدون في مقدّمته: “إن اللغة أحد وجهي الفكر، فإذا لم تكن لنا لغة تامة صحيحة، فلن يكون لنا فكر تام صحيح” ، في إشارة إلى أهمية اللغة وضرورة الحفاظ عليها وعدم التخلي عنها، وأن الإنسان موجود بلغته لا بأي شيء مادي آخر.
أما القائد عبد الله أوجلان، فيقول في هذا الخصوص، متطرقاً إلى أهمية اللغة الكردية: “إن الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها هو شكلٌ من أشكال المقاومة الثقافية، فالشعوب التي تفقد لغتها تفقد قدرتها على التفكير بحرية”. فيما قال الأمير الكردي الكبير جلادت علي بدرخان عن لغته الأم: “اللغة أهم عنصر في وجودنا، فبدونها لا يمكن العيش كشعب حر يتميز بالعزة والفخر”، مؤكداً أن اللغة هي مفتاح الحرية، وأن الشعب المستعمَر يشبه الأسير في الزنزانة، ومفتاح تلك الزنزانة هو اللغة الأم.
نعم، اللغة هي أساس كل شعب، وهي التي تربط الثقافات بعضها ببعض، وهي التي تخلّد الشعوب الأصيلة، وعند اختفاء اللغة يختفي الشعب. وقد أدرك كثيرون أهمية اللغة، فبذلوا جهوداً كبيرة، وخاضوا مهمات صعبة في حياتهم ومسيرتهم اليومية من أجل حماية لغاتهم في مواجهة الاستعمار، إذ تسعى السلطات المستعمِرة إلى محاربة لغة الشعب الأصلي بهدف التحكم بأصحابها وجعل ذلك وسيلة للانحلال والذوبان الثقافي. وقد أيقن المستبدون أن السيطرة على المجتمعات والشعوب لا تتحقق إلا بالسيطرة على اللغة، عبر الترويج للغات أخرى وإضعاف اللغة الأم.
ويُعدّ موضوع التعليم باللغة الكردية في روج آفا اليوم أمراً مصيرياً، في ظل محاولات الحكومة السورية المؤقتة فرض قوانين تمنع التدريس والتعليم باللغة الكردية، الأمر الذي يفرض ضرورة العمل الجاد من أجل الاعتراف بها في الدستور السوري، والتأكيد بشكل قاطع على أن هذا مطلب لا ينبغي التراجع عنه في المرحلة الراهنة مهما كلّف الأمر. لذا، يتطلب من الجميع العمل والنضال بوتيرة عالية، وبذل كل ما يمكن للحفاظ على اللغة الكردية؛ لأنها تمثل هوية الشعب الكردي. فاللغة هي التي تشكّل الوعي والهوية، وهي أداة التفكير والمعرفة والتواصل الاجتماعي، واللغة الكردية حق مشروع للشعب الكردي الذي قدّم تضحيات جسيمة طوال ثورة ثورة روج آفا من أجل الحفاظ عليها.
لقد كانت ثورة روج آفا ثورةً للغة أيضاً، وحققت إنجازات مهمة في هذا المجال. ومن هنا، فإن صون اللغة الكردية وحمايتها لم يعد مجرد مطلب ثقافي، بل قضية وجود وهوية؛ لأن الشعوب التي تحمي لغتها تحمي تاريخها ووعيها وحقها في البقاء.