العالم اليوم أمام منعطف وتحول هام مع دخول البشرية عصر الذكاء الاصطناعي، الذي تخطى كل حدود المعرفة، وبات العالم يستخدمه بشكل جنوني، وعلى الرغم من أنه من صنع الإنسان، بات يتوجس من تأثيره الكبير على الناس، حيث أصبح شريكا ومنافسا في نواحي الحياة، الحالية وفي المستقبل، ويبقي تفكير الانسان محدوداً دون جهد للحصول على المعلومة بتفاصيلها، ما يؤدي إلى الكسل وتجميد العقل البشري.
نحن جميعا ندرك أن العقل البشري هو المقياس الأعلى للمعرفة، لأنه الصانع الحقيقي، للاختراعات والتقدم، وهو الذي صنع الذكاء الاصطناعي، ولكن اليوم أصبح عقل الانسان أسيراً له، وهو الذي قام بهيكلة حساباته، واختيار طرق عمله، وعليه أن يتحمل تبعات ما قد ينتج عنه، وهو المسؤول عن تجاوز الذكاء الاصطناعي حدوده، وحدود الأخلاق. لذا؛ كان من الأولى ترتيب هذه المسألة بما يخدم العالم، وليس العكس.
الذكاء الاصطناعي ثورة علمية، ولكن الطريقة التي يتعامل بها الناس معه، تترك العديد من إشارات الاستفهام حول خطره، وعلى من يستخدم الذكاء الاصطناعي، الأخذ بعين الاعتبار الفائدة المرجوة، فيما يساهم في التقدم والازدهار، وخير البشرية، ولكن على ما يبدو أن معظم مستخدميه، يحولونه فائدة خاصة ولو على حساب الآخرين، والطريقة التي يتم التعامل بها ستؤدي إلى كوارث اجتماعية، وأخلاقية، جمة؛ لذا، من واجبنا التنبيه إلى أن تتخذ الأخلاق كقيمة في التعامل مع هذه الثورة.
التعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم، يضعنا أمام تحديات كبيرة، قد تضع الإنسان أمام المثل القائل “يا ريت يا زيد ما غزيت”، بمعنى قد يندم الإنسان في إيجاد الذكاء الاصطناعي، في ظل ما نراه من الأساليب التي يتم استخدامه فيها، وهذا الضيف الجديد قد يكون ثقيلاً، إلى أبعد الحدود الذي نتصورها، وقد يكون وبالاً على طريقة تفكيرنا، وحياتنا في الأيام المقبلة.
المطلوب منا اليوم، عدم الندم بما صنعته يدانا، وفهم وترويض وتحليل أفكارنا، بما يضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية، والخصوصية، والمبادئ الإنسانية، وألا نحول الثورة العلمية الحديثة إلى سلعة نجني من ورائها الأموال الطائلة، تحت اسم المعرفة والعلم، وخدمة البشرية، كما إنه من الواجب علينا، توجيه الثورات، وأي تقدم علمي، أو صناعي، لخدمة الإنسان بما يضمن العيش بكرامة، والحفاظ على وجوده، واستمراره، وليس لتحقيق غايات أو أهداف شخصية، أو مادية، أو سياسات معينة، تهدف للضرر بالمجتمعات الإنسانية.
مما لا جدل حوله، أن الثورة العلمية والصناعية، لن تقف عند هذا الحد، فكل يوم هناك ابتكار جديد، والمستقبل لن يكون مع من لا يسير مع ركب التطور والتقدم. لكن؛ علينا التوجيه السليم للثورة العلمية، نحو الغاية والهدف المنشود، وهو تقديم الخدمة للإنسان، قبل التفكير بالربح والحصول على الأموال، أو على نفوذ أو سلطة، أو تحقيق غاية ما، ومن الواجب أيضاً، إعادة التعريف في العلاقة بين المعرفة والإنسان، فبدل أن تسيطر على مداركنا العقلية، ومشاريعنا المستقبلية، علينا ترويضها بما يجعلها أداة طيعة، لخدمة الإنسان وتقدم البشرية.