العنصر الثّاني:
ـ تعلّم الفكر: يمكن للفكر أن يستنبط تعلّمه بالنّظر بعين الكمال لأنّ ذلك يمنحه القدرة الاستدلالية والبحثية بآنٍ واحدٍ في فضاء العلم والمعرفة. وكذلك يمكن للفكر أن يتعلّم كيف يفكّر عبر القدرة الاستنتاجيّة والتّحليليّة لمكامن المعرفة والعلوم الموجودة بين أيدينا، ويتحقّق ذلك وفق ما يأتي: “الفكر الموازي، الزّاوية الفكريّة”.
1-الفكر الموازي: يسألنا الفكر في كثير من الأحيان بماذا سأفكّر؟ وحول ماذا في ظل هذه التّعقيدات والظروف المتحكّمة بمفاصل حياتنا؟ فيضطر الفكر التّعامل مع هذه الظّروف، والمعطيات والتفكير ضمن دائرتها، أو التّكيف في سبيل ضمان الاستمراريّة، أو البقاء على الأقلّ. لذلك؛ فإنّنا نعيش الفكر الموازي، وهو “الفكر الذي يعيش وفق معطيات الواقع بكلّ تفاصيله”.
فأغلبنا ينحصر في مسار هذا الفكر، وهذا يبعدنا كل البعد عن حقيقة الفكر الأصلي لنا، ومن هنا علينا أخذ التّدابير اللّازمة للخروج من سيطرة الفكر الموازي. إذ لا يكفي دعم القدرات، ومواكبة تطوّرات العصر، بل يجب الاعتماد على الدّواعم الفكريّة استناداً إلى المعادلات السّابق ذكرها، ثمّ تمكين هذه الدّواعم لتبقى صحيّة وسليمة ودائمة الوجود وحاضرة.
فعندما تدرك ذلك، ستبحث حينها عن الفكر الأصليّ (الفكر الأصل).
تخيّل عزيزي القارئ أنت لست أنت وإنّما الموازي لأنت.
قد تسأل: أليس الفكر الموازي جزءاً من التّفكير للفكر؟
في حقيقة الأمر إنّ هذا الموضوع له تشعباتٌ كثيرةٌ ونوافذ عدّة تتعلّق بالمحتوى الفكريّ الذي ذكرناه سابقاً. هذا المحتوى، الذي أصبح يضمّ أكثر من مدرسة (فلسفيّة، اجتماعيّة…)، كان سبباً جوهريّاً في بروز الفكر الموازي مؤثّراً معيقاً لتعلّم الفكر، ولكي نتخلّص من ذلك، علينا إعادة النّظر والبدء بتعلّم الفكر، والعودة إلى الفكر الأصل. والخطوة الأهمّ على سلّم تعلّم الفكر هي تجنّب تأثير تلك المدارس في المحتوى الفكريّ، أو في مفهومك مفكّراً، وفي الوقت نفسه لا يمكنك أن تتجنّب تلك التّأثيرات بفكر حياديّ، أو متفرّج؛ فهذا يعني أنّك غير موجود. فتعلُّم الفكر يتمحور في عين الكمال، وبالتّالي فإنّ تحديد خطوات التّعلّم، وبنوده سيكون منهجيّاً وانبثاقياً في سبيل الوصول إلى فكر التّعلّم (علماً أنّنا سنبيّن في صفحة فلسفة العلم والمدرسة الفكريّة طرائق تعلّم الفكر). فكلّما كان فكر التّعلّم نابعاً من تعلّم الفكر، لا يحيد إدراكنا عن مساره الصّحيح، وهذا يعني أنّ تعلّم الفكر يؤدي إلى فكر التّعلّم، ثمّ إلى الإدراك الصّحيح.
2-الزّاوية الفكريّة: وفق تخيّلك للشّكل الذي يتمثل فيه المحتوى الفكريّ، تتحدّد نقطة الانطلاق الفكريّة بغضّ النّظر عن شكلها، أو طبيعتها. فكما أنّ هناك مدارس (فلسفية، واجتماعية إلخ) ضمن المحتوى، كذلك ثمّة مراكز لشخصك الفكريّ داخل ذلك المحتوى. أيْ نحن أمام ربط دقيق بين الانتماء الفكريّ، والفكرة المنبثقة من تعلّم الفكر، فضلاً عن تحديد نقطة الانطلاق والجاهزيّة للبدء، هذه الخطوات تدعمنا، أيضاً، في معادلة خطّة تشغيليّة نافعة لأنّها تضمن فاعليّة تصوريّة، ومهنيّة إدراكيّة للحدث المقبل في مسار الانطلاق. فهكذا تبدو خطوات البدء، والبعد مرئيّة أمام ناظرَيك وبتلك المهنية تنجزها بحرفية: هذا هو رسم العالم المعرفيّ للخطّة الهادفة بموجب تلك الخطوات.
علماً أنّ هذا لا يعني حصر التّفكير والفكرة في تلك المساحة الضّيّقة تحت مسمّى الزّاوية، ولكنّ الغاية هي التّحكّم بنقطة أو لحظة البداية في صورة الزّاوية المحصورة (مثل رغبتك في إمساك شيءٍ ما فتحاول محاصرته في زاوية للتّمكّن منه). فالتحكّم بنقطة بداية المشروع الفكريّ يعني معرفة تفاصيل هذا المشروع، ثمّ البدء للانطلاق. والجدير بالذّكر، أنّ هذه الخطّة الفكريّة تعلّمك التّحرّر من القيود الفكريّة، والتّصرّف وفق ما يمكّنك من إنجاز الفكرة، وطرحها خارج المحتوى الفكريّ.
إنّ أغلب الأشياء التي اكتُشفت، تدرك القدرة العقليّة الصورة الكاملة لها. ولكنّ؛ قدرتنا الفكريّة بموجب المعطيات تحتاج إلى تعلّم، وبالتّالي فعين الكمال وفق القدرة العقليّة وفكر التّعلم، بالإضافة إلى تعلّم الفكر تؤدّي إلى الانجذاب، أيْ بمعنى أنّ الأفكار ستنجذب إليك الواحدة تلو الأخرى: وهذا هو مقصدنا المحدّد من المعادلة. فالتّدريب لفكر التّعلم يحتاج إلى علم تعلّم الفكر، وكذلك علم تعلّم الفكر هو الخروج من سيطرة المدارس في المجالات المتعلّقة بالاهتمام، ثمّ الانضمام إلى المدرسة الفكريّة للفكر عموماً، وإلى مدرسة الفكرة خصوصاً.