No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
تعدّدت أغراض الشّعر الجاهلي، فشملت الوصف والمديح والرّثاء والهجاء والغزل والشّعر العذري وغير ذلك من أغراض الشّعر العربي، إلا أن شعر المديح أخذ حيّزاً كبيراً من الشّعراء، ليتحوّل من حالة إبداعية يهدف من خلالها الشاعر لإظهار سمات الممدوح إلى وسيلة لكسب المال والشهرة، وقد حدث ذلك للكثير من الشعراء حتى أصبح تقليداً متوارثاً في عصور الأدب اللاحقة وصولاً إلى الشّعر الحديث، وقد برز غرض المديح في الشّعر الجاهلي كأحد الفنون الشعرية الذي يهتم بتمجيد المثل العليا للأخلاق والأفعال التي تعارفوا عليها وتوارثوها عن أجدادهم، فكانت قصيدة المدح ميدان التعبير لديهم.

أشهر قصائد المديح
ومن أشهر شعراء المديح في العصر الجاهلي “زهير بن أبي سلمى” الذي يعتبر مدرسة بهذا المقام، فيقول وهو يمدح هرم بن سنان:
“بَلِ اِذكُرَن خَيرَ قَيسٍ كُلِّها حَسَباً
وَخَيرَها نائِلاً وَخَيرَها خُلُقا
القائِدَ الخَيلَ مَنكوباً دَوابِرُها
قَد أُحكِمَت حَكَماتِ القِدِّ وَالأَبَقا
غَزَت سِماناً فَآبَت ضُمَّراً خُدُجاً
مِن بَعدِ ما جَنَبوها بُدَّناً عُقُقا
حَتّى يَأُوبَ بِها عوجاً مُعَطَّلَةً
تَشكو الدَوابِرَ وَالأَنساءَ وَالصُفُقا
يَطلُبُ شَأوَ اِمرِأَينِ قَدَّما حَسَناً
نالا المُلوكَ وَبَذّا هَذِهِ السُوَقا
هُوَ الجَوادُ فَإِن يَلحَق بِشَأوِهِما
عَلى تَكاليفِهِ فَمِثلُهُ لَحِقا”
نلاحظ تركيز الشّاعر على إظهار محاسن هرم بن سنان من خلال إبراز صفات الكرم والشجاعة والنسب الرفيع، وكانت كلها صفات تتفاخر بها القبائل على بعضها البعض، ليكون الشعر بهذا المقام إعلاماً رسمياً لهذه القبيلة أو تلك، كما أن استخدام الشاعر للبحر البسيط يأخذ دلالة المخزون الشعري الذي يتسع للمديح بما يأخذ إلى ما هو أبعد من المنفعة العاجلة، بمعنى أن نفَس الشاعر هنا ليس قصيراً، بل يشهد تكثيفاً شعرياً يليق بمقام المادح والممدوح معاً، وعلى جزالة ألفاظ النص فلم يخلُ من الرشاقة اللغوية والبيانية
وبالوقوف عند الأعشى الذي عُرف بقوة شعره في جميع الأغراض التي تطرق لها نجد الطلب صريحاً وهو يمدح “هوذة بن علي” سيد بني حنيفة حين يقول:
“إِلى هَوذَةَ الوَهّابِ أَهدَيتُ مِدحَتي
أُرَجّي نَوالاً فاضِلاً مِن عَطائِكا
تَجانَفُ عَن جُلِّ اليَمامَةِ ناقَتي
وَما قَصَدَت مِن أَهلِها لِسِوائِكا
أَلَمَّت بِأَقوامٍ فَعافَت حِياضَهُم
قَلوصِي وَكانَ الشَربُ مِنها بِمائِكا
فَلَمّا أَتَت آطامَ جَوٍّ وَأَهلَهُ
أُنيخَت وَأَلقَت رَحلَها بِفَنائِكا
وَلَم يَسعَ في الأَقوامِ سَعيَكَ واحِدٌ
وَلَيسَ إِناءٌ لِلنَدى كَإِنائِكا
سَمِعتُ بِسَمعِ الباعِ وَالجودِ وَالنَدى
فَأَدلَيتُ دَلوي فَاِستَقَت بِرِشائِكا
فَتىً يَحمِلُ الأَعباءَ لَو كانَ غَيرُهُ
مِنَ الناسِ لَم يَنهَض بِها مُتَماسِكا
وَأَنتَ الَّذي عَوَّدتَني أَن تَريشَني
وَأَنتَ الَّذي آوَيتَني في ظِلالِكا
فَإِنَّكَ فيما بَينَنا فِيَّ موزَعٌ
بِخَيرٍ وَإِنّي مولَعٌ بِثَنائِكا”
ومع علم الممدوح في أغلب قصائد المديح بغلو المادح ومبالغته بالتبجيل وأنها لكسب المال، إلا أن العادة جرت بجزل المكافأة للشاعر، وإلا لحق بالممدوح عار لا ينفك يلاحقه، فنجد مجالس الملوك تضج بالشعراء حتى صارت تقليداً يتسابقون إليه لكسب المال والشهرة، فصار شعر المديح مصدر رزق للكثير منهم، ومنهم من مات كمداً حين لم يحصل على المأمول من قصيدة كتبها لأمير أو ملك في العصر الأموي وما تلاه من عصور الأدب. ومن الشعراء الجاهليين من امتدح ملكاً لجأ إليه هرباً من قبيلته أو من أهل الملك فيها مثل “النابغة الذبياني” الذي مدح الملك الغساني “عمرو بن الحارث” وقومه بعد هربه من “النعمان بن المنذر”، فاجتمع في شعره المبالغة مع الوجدانية التي تغمرها الغصّة على فراق أهله وداره فيقول:
“كِليني لِهَمٍّ يا أُمَيمَةَ ناصِبِ
وَلَيلٍ أُقاسيهِ بَطيءِ الكَواكِبِ
عَلَيَّ لِعَمروٍ نِعمَةٌ بَعدَ نِعمَةٍ
لِوالِدِهِ لَيسَت بِذاتِ عَقارِبِ
وَثِقتُ لَهُ بِالنَصرِ إِذ قيلَ قَد غَزَت
كَتائِبُ مِن غَسّانَ غَيرُ أَشائِبِ
إِذا ما غَزوا بِالجَيشِ حَلَّقَ فَوقَهُم
عَصائِبُ طَيرٍ تَهتَدي بِعَصائِبِ
وَلا عَيبَ فيهِم غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم
بِهِنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ”
خصائص المديح في الجاهلية
وكما أسلفنا؛ فإن من أبرز خصائص شعر المديح بالعموم المبالغة في إظهار مآثر الممدوح، إلا أن الشعر الجاهلي بشكلٍ خاص كان يمتاز بصدق العاطفة مع الميل إلى الكسب والشهرة، كما اكتسب هذا الغرض الشعري خصائص وفق كل النقّاد الذين توقفوا عنده فيما بعد، ومن أبرز هذه الخصائص الواقعية والصدق حيث كان المديح يصور صفات حقيقية موجودة بالفعل في الممدوح، بعيداً عن المبالغات الزائفة التي ظهرت في عصور لاحقة، والتركيز على القيم القبلية حيث تمحورت القصائد حول مدح الشجاعة، الكرم، الشرف، صحة النسب، وتوثيق المآثر حتى اعتبر المديح وثيقة تاريخية تسجل مفاخر الممدوح وقبيلته، كما تميّز هذا النوع من الشعر بقوة الألفاظ وجزالتها ومناسبتها لمقام الممدوح، خاصةً وأنها كانت تلقى في حضرة زعماء وملوك، وارتبط بالكسب أو التفاخر؛ فكان المديح إما وسيلة للتقرّب من الملوك مثل المناذرة والغساسنة ونيل الجوائز، وكان الوضوح والخلو من التعقيد سمة بارزة في شعر المديح ومحاكاة البيئة البدوية في الصور الفنية.
وبالعودة إلى أشهر شعراء المديح في العصر الجاهلي، فقد كان لعنترة بن شداد والحطيئة نصيب خالد في ذاكرة الوجدانية الشعرية التي لا تخلو من جميع الأغراض؛ ما جعل الشعر على الجملة تجديداً للصورة والمفردة والموضوع والموسيقا دون الخروج عنها بشكلٍ مطلق، الأمر الذي يحمّل الشعراء اللاحقون عنتاً شديداً ومسؤولية كبرى لخلق حالة شعرية جديدة على وفرة ما سلف من أسماء وقصائد خلدها لنا التاريخ، ويبقى المديح نافذةً من نوافذ الشعر في كل زمان ومكان، تتطور الحياة وكذلك هي القصيدة تتطور لتخلق حروفها وروحها بشكل جديد ووشاح امتزجت به ألوان الطبيعة والتاريخ والحضارة.
No Result
View All Result