No Result
View All Result
د. علي أبو الخير
في سياق العدالة الانتقالية؛ انطلقت في دمشق بسوريا يوم الأحد ٢٦ نيسان ٢٠٢٦ أولى محاكمات مسؤولين بارزين من النظام السوري البعثي السابق، بعد القبض عليهم خلال الأشهر الماضية، وسط ترقّب واسع لمساءلة المتهمين بارتكاب انتهاكاتٍ جسيمة، خلال سنوات الأزمة السورية؛ وافتتحت الجلسات بمحاكمة العميد عاطف نجيب، الذي تم القبض عليه في كانون الثاني 2025 بتهمة ارتكاب انتهاكات ضد المدنيين بمحافظة درعا جنوبي البلاد.
ومن بين المتهمين الفارين الذين أعلن القاضي عن أسمائهم خلال الجلسة: رئيس النظام السوري بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة، ووزير الدفاع الأسبق فهد الفريج، والرئيس السابق لفرع الأمن العسكري بدرعا لؤي العلي، والرئيس السابق لفرع الأمن العسكري بمحافظة السويداء؛ وأعلن القاضي رفع الجلسة إلى يوم 10 أيار ٢٠٢٦.
أضواءٌ على المحاكمة
نحن بالطبع مع محاكمة الذين تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء؛ سواء من كان موقعهم في الحكم أو حتى في المعارضة؛ وطالما لجأنا للقضاء؛ فلابد من الحياد التام؛ فمحاكمة المتهمين لابد أن تكون محاكمة عادلة؛ تشمل الشفافية؛ وتشمل عدم الإدانة المسبقة؛ فالمتهم في النهاية بريء حتى تثبت إدانته؛ ليس كما استبق وزير العدل السوري مظهر الويس؛ عندما وصف المحاكمة قبل انعقادها بأنها “لحظة طال انتظارها من قبل الضحايا؛ وتدخل ضمن مسار العدالة الانتقالية”؛ وهو انحياز له بُعد سياسي انتقامي، فعندما يُدان المتهمَون قبل أن تبدأ المحكمة؛ يكون ضمن التأثير على القضاء؛ فلابد من علنية الجلسات؛ وعلنية الأدلة وتمكين الدفاع من المرافعة؛ وعدم التسييس في استخدام القضاء لتصفية حسابات سياسية؛ لأنه عندها ستفقد المحاكمات شرعيتها ويتم تحويلها إلى عدالة المنتصر.
والمطلوب أيضاً إضافة متهمين من المجموعات المرتزقة مثل داعش الإرهابي؛ الذي دخل في صراع دموي مع نظام بشار الأسد؛ وأجرموا كما أجرم النظام وقتلوا أبرياء مدنيين؛ ولابد من محاكمته متزعمي داعش أيضاً؛ مع العلم إن كثيرين من داعش اليوم انضموا للجيش السوري وتم تجنيس كثير منهم بالجنسية السورية؛ ويسميهم البعض مرتزقة الحكومة المؤقتة، وهؤلاء المرتزقة قتلوا أبناء المواطنين الإيزيديين والعلويين؛ فضلاً عن الكرد؛ وذلك بحماية الحكومة المؤقتة.
على أية حال؛ فإن المحاكمة الغيابية لبشار وماهر الأسد اللاجئين في موسكو؛ واستردادهما شبه مستحيل حاليًا؛ وهذا قد يحوّل المحاكمة إلى إدانة أخلاقية – سياسية أكثر منها تنفيذية؛ والبدء بعاطف نجيب، الذي قمع وقتل في درعا، حيث بدأت الثورة السورية 2011 هو اختيار ذكي شعبيًا، لكنه يثير تساؤلًا عن شمولية العدالة لباقي المحافظات.
رسائل الحكومة المؤقتة للخارج السوري
نرى أن الحكومة السورية المؤقتة تسعى إلى تبييض وجهها تجاه الخارج؛ الإقليمي والدولي أيضًا، تريد شرعية الخارج؛ فتبتعد عن داعمي بشار الأسد وتقترب من الدول التي عارضته؛ كما تبحث عن الاقتراب من الولايات المتحدة؛ ولذا وعبر المحاكمة ترسل الحكومة السوريّة المؤقتة عدة رسائل، وهي:
الرسالة الأولى لإيران؛ بأن دعم بشار الأسد كان خاسرًا؛ وإنه لا وجود لإيران أو ما يسموه محور المقاومة؛ خاصةً بعد الإنهاك الاقتصادي والسياسي؛ الذي تعيشه إيران خلال الحرب مع أمريكا وإسرائيل. ورسالة ثانيةً لروسيا؛ بأن حماية الأسد لا تمنع محاكمته غيابيًا؛ وهذا يضغط على روسيا، لإعادة تموضعها في سوريا. والرسالة الثالثة فهي للدول العربية؛ بأن سوريا تحاول العودة للجامعة العربية؛ كدولة قطعت مع إرث النظام السابق؛ وهو ما يسهّل رفع العقوبات وإعادة الإعمار في المستقبل المنظور. أما الرسالة الرابعة فهي مخاطبة المجتمع الدولي؛ خاصةً الاتحاد الأوروبي والأمريكي؛ لأنهم يطلبون من الحكومة المؤقتة الالتزام بمعايير العدالة، من خلال علنية الجلسات وإعلانها عبر وكالات دولية محايدة؛ تهدف لطمأنة الدول المانحة والمنظمات الحقوقية.
ولا ننسى الموقف الإسرائيلي الداعم ضمناً للحكم السوري المؤقت؛ هذا بالإضافة إلى موقف الحكومة التركية ودعم رجب طيب أردوغان للحكم السوري المؤقت؛ ليس دفاعاً عن سوريا؛ بقدر ما هو انحياز لما هو حكومي سوري ضد الشعوب السورية المتعددة؛ وخاصةً ضد مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، ومنعها لحق تقرير مصير الكرد في سوريا وكذلك في شمال كردستان وتركيا؛ لدرجة تجاهل أردوغان ومعه الحكومة المؤقتة انتصار الكرد على داعش الإرهابي، ولولا انتصار الكرد على داعش حتى اليوم، لتمزقت سوريا أكثر مما هي عليه الآن.
خلاصة الكلام
إن استطاعت السلطة الجديدة موازنة العدالة مع الاستقرار، فقد تؤسس لسابقة عربية نادرة: الانتقال من الاستبداد عبر القانون لا الثأر، وإن فشلت، ستكون المحاكمات مجرد فصل جديد من دورات العنف في الداخل السوري؛ وله تأثيراته على باقي دول المنطقة، وتظل المحكمة انتقامية حتى يثبت العكس.
No Result
View All Result