جمال درويش
يُعدّ العمل السياسي التنظيمي في سوريا اليوم مسألة معقّدة ومركّبة لعدة أسباب. أولها الفشل البنيوي للأحزاب التقليدية واليسارية التي سادت في سوريا والمنطقة، وهو فشل ارتبط بطبيعة تشكّلها، إضافة إلى عجزها عن تجديد أدواتها فكرياً وتنظيمياً، وابتعادها عن ملامسة احتياجات الشارع، فضلاً عن ارتباطاتها بالسلطة، كما كان حال أحزاب الجبهة الوطنية سابقاً. وعلى الرغم من سقوط النظام، بقيت معظم الأحزاب التي كانت قائمة قبله غائبة عن الحياة السياسية.
وهذا له أسبابه؛ منها عزوف واضح لدى كثير من السوريين عن الانتماء إلى أي حزب جديد، خوفاً من تكرار الاستبداد، إذ تسود لدى شريحة واسعة قناعة بأن هذه الأحزاب هي أحزاب سلطة، وأن أي سلطة في سوريا يصنعها العامل الخارجي، ما يجعل الأحزاب مجرد واجهات لا تمثل إرادة الناس. لو عدنا إلى تشكل الأحزاب اليسارية بعد الاستقلال بوصفها حاملة لمصالح الناس وهمومها وربط مسألة الاستقلال بإعادة توزيع السلطة، نرى أن هذا الدور سرعان ما تآكل مع صعود الدولة الشمولية الاستبدادية في الستينات من القرن الماضي، حيث تحولت السياسة من حقل تنافس اجتماعي إلى حقل مدار أمنياً.
ومع انهيار الكتلة الاشتراكية، دخلت الأحزاب اليسارية السورية في أزمه معرفية مزدوجة؛ فقد فقدت المرجعيات النظرية من جهة، والعجز عن إنتاج معرفة سياسية وفكرية بديله من جهة أخرى، فبدلاً من أن يقود ذلك إلى مراجعات نقدية عميقة استمرت معظم الأحزاب اليسارية في إعادة إنتاج الخطاب الأيديولوجي غير المنسجم مع التحولات الاجتماعية والسياسية، في الوقت الذي أجرى فيه اليسار العالمي مراجعات نقديه جذريه طالت مفاهيم الدولة الديمقراطية وحقوق الإنسان، بقي اليسار السوري أسير الأيديولوجيا المتقادمة المستمدة من التجربة السوفيتية.
إن احتجاجات عام 2011 كشفت عمق أزمة القوى اليسارية في سوريا؛ وكان الأجدر أن تعيد تعريف نفسها كقوى ديمقراطية تربط الحرية بالعدالة الاجتماعية، تموضعت في المنطقة الرمادية، وتبنّت خطاب الخوف على الدولة التي اغتصبتها السلطة. فعلى سبيل المثال، جرى توصيف الحراك الشعبي على أنه حرب أهلية، وحُمِّلت البنى الاجتماعية مسؤولية العنف، وتحولت معركة التحرر إلى خطاب الاستقرار.
ومع سقوط النظام الأسدي وتصدّع السلطة، لم ينتج هذا التحول أي تموضع ديمقراطي لدى بعض التيارات اليسارية، بل دفعها إلى البحث عن بدائل جديدة للسلطة، تمثلت في الاصطفاف مع شيوخ الطوائف ومرجعيات عشائرية ما قبل وطنية، تحت ذرائع الواقعية السياسية أو حماية السلم الأهلي. وقد كشف ذلك عن خلل عميق في فهم الدولة والمواطنة، وتعليقٍ للقيم اليسارية عند غياب السلطة المركزية التي اعتادت الأحزاب اليسارية الاحتماء بها. لذلك؛ أرى أن أي أفق لتشكيل إطار سياسي مشروط بانتقالها من الأيديولوجيا بوصفها عقيدة إلى السياسة بوصفها ممارسة تاريخية تقوم على بناء المؤسسات وحماية الحقوق وسيادة القانون. ومن دون ذلك ستبقى القوى اليسارية أسيرة أزمتها التاريخية، عاجزة عن استعادة موقعها في المجتمع، وخارج الزمن السياسي الذي يفترض أن تكون فاعلة فيه لا شاهدة على فشله.