No Result
View All Result
جل آغا/ أمل محمد – تعدُّ “تربة سبيه” إحدى المدن الحيوية في مقاطعة الجزيرة، ذات طابع تاريخي أصيل، تمتزج فيها بساطة الريف بروح التنوع الثقافي، ورغم صغر مساحتها، تحمل في طياتها تاريخاً من التعايش والإرادة، لتبقى مثالاً لمدن تنبض بالحياة.
تقع ” تربة سبيه” في مقاطعة الجزيرة بروج آفا، وتبعد عن مدينة قامشلو قرابة 30 كم شرقاً، يمر بها الطريق الدولي الواصل بين قامشلو وديرك، تتميز المدينة بوجود نهر الجراح (جمى جراحي)، إضافة إلى سهول زراعية خصبة، ما جعلها مركزاً للاستقرار الزراعي والسكاني منذ فترات مبكرة.
بين التاريخ والجغرافية
يعدُّ اسم “تربة سبيه” ذو أصل كردي، ويعني “القبور البيضاء”، حيث يعود ذلك إلى وجود قبرين قديمين مطليين باللون الأبيض، يُعتقد أنهما لمسيحيين من رجال الدين، وقد تم تعريب الاسم لاحقاً إلى “القحطانية” خلال فترة السبعينيات ضمن سياسات التعريب في سوريا، حيث تشير الوثائق إلى أن المنطقة كانت مأهولة منذ أوائل القرن العشرين على الأقل، مع وجود استقرار سكاني واضح منذ عام 1920، تعود ملكية بعض أراضيها إلى بدايات القرن التاسع عشر، حيث مُنحت لعائلات كردية من عشيرة جودكا عام 1802 في عهد الاحتلال العثماني. 
وتحيط “تربة سبيه” بعددٍ من القرى في جهة الشمال، تحدها “دوكر ومزكفت”، ومن جهة الشرق والغرب “بياندور وتل شعير”، أما بالنسبة لجهة الجنوب فتحيطها قرى “حلوة حاصود وكركي خلو”، وتتبع لها 103 قريةً.
وشهدت المدينة مراحل تطور عمراني وزراعي تدريجي، خاصةً مع استقرار العشائر وتحولها من نمط الحياة البدوية إلى الاستقرار، كما ارتبطت تاريخياً بالصراعات العشائرية والتحركات القبلية، وتُعدُّ نموذجاً للتنوع الاجتماعي والثقافي، حيث تضم “كرد وإيزيديين وعرب وسريان وآشوريين”، كما يمتاز المجتمع المحلي فيها بروح التعايش، حيث تتشارك شعوبها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وتضم تربة سبيه ومحيطها عدداً من العشائر الكردية والعربية، العشائر الكردية كـ “عشيرة جودكا من أقدم العشائر في المنطقة وعشائر السادة (سيدا)”، وهناك عائلات كردية بارزة مثل بيت حاجو، أما العشائر العربية فمن أبرزها قبيلة “الجوالة”، كما تنتشر في القرى التابعة لها عشائر وعائلات متنوعة مثل “سالهي، باسقلي، دل ممكي، وسيد”.
ولا تعدُّ “تربة سبيه”، مجرد مدينة، بل تمثل نموذجاً غنياً للتنوع الثقافي والتاريخي في سوريا، فقد تشكلت عبر قرون من التفاعل بين العشائر الكردية والعربية والشعوب ذات الديانة المسيحية، ما جعلها مثالاً حياً على التعايش الاجتماعي في المنطقة.
اقتصاد المدينة
وتُعدّ “تربة سبيه” من المناطق الزراعية، التي تلعب دوراً اقتصادياً محلياً مهماً رغم الظروف السياسية والأمنية التي أثّرت على بنيتها الإنتاجية خلال السنوات الأخيرة، حيث يعتمد اقتصادها بشكلٍ رئيسي على الزراعة وتربية المواشي، وتشتهر المنطقة بزراعة القمح والشعير كمحاصيل استراتيجية أساسية بالإضافة إلى محاصيل موسمية مثل القطن والخضروات.
وتعاني الزراعة من تحديات، تتعلق بشحِّ الموارد المائية وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة، إضافةً إلى تأثرها بالتغيرات المناخية، كما تنتشر تربية الأغنام والأبقار كمصدر دخل هام للأسر الريفية، ويتم بيع جزء من الإنتاج في الأسواق.
ويتسم سوق العمل في “تربة سبيه” بارتفاع نسبة العمل غير المنظم، وهو مقصد لأهالي المنطقة لبيع منتجاتهم، والتي تطغو عليها المنتجات الغذائية من ألبان ولحوم، ويعتمد السكان على عدة مصادر رزق، ويعتمدون على العمل الزراعي الموسمي (الحراثة، الحصاد، الزراعة اليدوية) إلى جانب العمل في تربية المواشي.
ولا يزال اقتصاد “تربة سبيه” تقليدياً يعتمد على الزراعة والرعي بشكلٍ أساسي، مع ضعف في القطاعات الصناعية والخدمية الحديثة، ورغم ذلك تبقى المنطقة ذات أهمية اقتصادية محلية بسبب إنتاجها الزراعي.
تربة سبيه ونموذج الإدارة الذاتية
وتُعدُّ مدينة “تربة سبيه” من المناطق التي شهدت تطبيق نموذج الإدارة الذاتية ضمن روج آفا، حيث تم إنشاء مؤسسات محلية لإدارة الشؤون الخدمية والإدارية، لتعزيز مشاركة المجتمع المحلي وتحسين مستوى الخدمات، وعملت الإدارة الذاتية على تشكيل مؤسسات محلية فيها، مثل البلديات والمجالس المدنية، التي تضم ممثلين من مختلف شعوب المجتمع؛ ما عزز مبدأ التشاركية في اتخاذ القرار، كما ساهم هذا النظام في تقريب الإدارة من المواطنين وتسهيل متابعة احتياجاتهم اليومية.
ورغم التحديات السياسية والاقتصادية، تُظهر تجربة الإدارة الذاتية في تربة سبيه جانباً إيجابياً واضحاً، خاصةً، في مجال الإدارة المحلية والتشاركية وتحسين بعض الخدمات الأساسية، إضافةً إلى دورها في تعزيز التعايش المجتمعي وإشراك السكان في إدارة شؤونهم المحلية.
خدمات بحاجة لحلولٍ
وتشهد مدينة “تربة سبيه” واقعاً خدمياً متبايناً، حيث تتداخل الجهود المحلية مع التحديات الاقتصادية والأمنية التي تعيشها المنطقة، وعلى الرغم من محاولات تحسين البنية التحتية، لا تزال العديد من القطاعات الحيوية تعاني من ضعفٍ واضح في الأداء والاستجابة لاحتياجات الأهالي.
وتعاني المدينة من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، مع اعتماد شريحة واسعة من الأهالي على المولدات الخاصة، ما يزيد الأعباء المعيشية، كما يواجه قطاع المياه مشكلات في الضخ المنتظم، خاصةً خلال فصل الصيف، نتيجة ضعف البنية التحتية وتقادم الشبكات. أما الخدمات الصحية في تربة سبيه، فتعد محدودة نسبياً، إذ تفتقر المراكز الطبية إلى التجهيزات الحديثة والكادر المتخصص، ويضطر العديد من المرضى للتوجه إلى مدينة قامشلو لتلقي العلاج، ما يشكّل ضغطاً إضافياً من حيث التكلفة والوقت. كما تشهد خدمات النظافة فيها، تحسناً نسبياً مقارنةً بالسنوات السابقة، إلا أن بعض الأحياء لا تزال تعاني من تراكم النفايات، خاصةً في الأطراف، هذا وتتراكم النفايات في نهر جراح الذي يتوسط المدينة في مشهد لا يليق بتاريخ المدينة.
وتعاني الطرق داخل المدينة من الحفر والتصدعات؛ ما يعيق حركة السير ويؤثر على سلامة المركبات، رغم وجود محاولات لتحسين الواقع الخدمي في تربه سبيه، إلا أن المدينة لا تزال بحاجة إلى خطط شاملة ومستدامة تشمل تطوير البنية التحتية وتعزيز الموارد البشرية، بما يلبي احتياجات السكان ويواكب التحديات الراهنة.
وتبقى “تربة سبيه” من المدن العريقة المتأصلة في روج آفا، حيث حافظت على هويتها الاجتماعية والثقافية والدينية بالرغم من التغيرات التي شهدتها المنطقة، أصالتها تجلت في بساطة عمرانها وكرم أهلها وتناغم مساجدها مع كنائسها.
No Result
View All Result