عدنان الدوسري
في مساءٍ ثقيلٍ من ليالي الغربة، كأن الليل فيه لا يهبط… بل ينهار، كان يمشي. لا لأنه يريد الوصول، بل لأن التوقّف صار أشبه بالسقوط. الغربة لم تعد مدينةً غريبة، بل صارت مرآةً لا تعكسه؛ كلما نظر فيها، تلاشى. الأضواء على امتداد الشارع كانت باهتة، كأنها تعتذر عن عجزها. والريح، وهي تعبث بمعطفه، بدت كأنها تفتّش عن شيءٍ لم يعد موجودًا فيه. رفع رأسه إلى السماء، بل كمن يرفع شهادةً أخيرة: أنه ما زال هنا… رغم كل شيء. تمتم بكلماتٍ لم تكتمل. لم يكن ينتظر جوابًا… كان فقط يخشى أن يموت صوته قبل أن يسمعه أحد ـ حتى لو كان هو.
رنّ الهاتف، تجمّد مكانه، نظر إلى الشاشة كما لو كانت قدرًا يُعرض عليه، رقمٌ غريب، تركه يرنّ، لأن كل ما يأتيه… يأتي متأخرًا. وكل شيء يتأخر… لا يُنقذ، عاد يمشي، ثم فجأة ـ انفجر الصوت. اصطدامٌ عنيف شقّ سكون الليل، كأن شيئًا في العالم قرر أن ينكسر علنًا. تجمّع الناس بسرعةٍ مريبة، كما لو أن الألم مشهدٌ مألوفٌ لديهم يُستدعى دون دعوة، اقترب… ببطءٍ، بثقلٍ، بلا فضول، شاهد رجل داخل السيارة، ساكن، هادئ أكثر مما ينبغي.. مفارقاً الحياة. حدّق فيه طويلًا… ثم قال، بصوتٍ لم يسمعه أحد:
ـ يا لحسن حظك… لم تُمهلك الحياة لتعتادها.
لم يشعر بالحزن، شعر بأن النهاية، حين تأتي دفعةً واحدة… تكون أرحم من هذا التآكل البطيء، انسحب، كما ينسحب ظلّاً من جسدٍ لم يعد يخصّه. لكن الهاتف عاد يرنُّ.. هذه المرة، كان الصوت أشبه بإصرارٍ لا يُرفض. أجاب.
ـ ألو…
خرج صوته كأنه آتٍ من مكانٍ بعيد، مكانٍ لا يسكنه أحد.
ـ معك مخفر الشرطة. أنت مطلوب بسبب ديون متراكمة. عليك الحضور فورًا.
صمت.
ليس لأن الصدمة كبيرة…
بل لأن الألم لم يعد يجد مكانًا جديدًا ليجلس فيه.
ثم قال، بهدوءٍ مخيف:
ـ سآتي.
أغلق الهاتف، لم يغضب، لم ينهار، فقط… لم يتفاجأ. جلس على مقعدٍ مهمل، كأن المدينة تركته له عن قصد. أخرج هاتفه، فتح الأسماء. مرّت الوجوه أمامه… لا كأصدقاء، بل كذكرياتٍ فشلت في أن تبقى. أسماءٌ كانت يومًا ملاذًا… وصارت الآن مجرّد حروفٍ لا تردُّ، بدأ يكتب:
أنا بحاجة… توقّف. تفاجأ بأنه لا رصيد لديه.. نظر إلى العبارة طويلًا، ثم ابتسم… تلك الابتسامة التي لا تُرى، بل تُؤلم.
ـ حتى الاستغاثة… تُشترى.
أعاد النظر في الأسماء، بحث عن أحدٍ… واحدٍ فقط… قلبٍ لم يتقن الغياب. لم يجد. أغلق القائمة.. فتح أيقونة الملاحظات… كأن الورق الرقمي هو الشيء الوحيد الذي لا يخذله، وكتب:
أنقذوا إنسانًا…… أو دعوا كلماته تروي كيف مات واقفًا.
ثم توقّف…
وكأن شيئًا في داخله قرر أن يستذكر الشاعر أحمد مطر:
“لمس الطبيب خافقي،
وقال: هل هنا ألم؟
قلت: نعم…
سكت لحظة…”
كأن الكلمات تمرُّ عبر جرحٍ مفتوح، ثم أكمل:
“فشقَّ جيب معطفي…
وأخرج القلم…
قال: ليس سوى قلم…
قلت: بل هذا
صوتي حين يُخنق،
يدي حين تُكبّل،
وشاهدٌ…
لا تموت شهادته”.
رفع عينيه، المدينة لم تتغيّر، ما زالت تمشي دون اكتراث… دون أن تشعر. ما زالت ممتلئة…. أمّا هو… فبقي جالسًا، يحمل هاتفًا بلا رصيد، وقلبًا مثقلًا بنداءاتٍ لم تخرج. وفي لحظةٍ لم يسبقه إليها أحد… فهم الحقيقة التي تأخرت كثيرًا: لم تكن محفظة هاتفه فارغة… بل كانت ممتلئة حدّ الاختناق بكل الذين لم يردّوا.