No Result
View All Result
رفيق إبراهيم
مع تراجع الدور الأمريكي، وبروز دور أكبر للصين وروسيا، في الشرق الأوسط، تسعى فرنسا للعب دور محوري، خاصةً إن هناك رغبة جامحة لديها، لقيادة السياسة الخارجية الأوروبية، في المنطقة، وهي تعتبر نفسها، الدولة الغربية الأكثر قدرة على توجيه الاتحاد الأوروبي، ولعب دوراً في سياساتها، نحو احتلال مركز الصدارة في المنطقة، وفي العديد من الدول العربية، وبشكلٍ خاص دول الخليج، نظرًا لأهميتها السياسية والاقتصادية، ودورها المؤثر في قضايا الشرق الأوسط.
الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، منذ تسلمه الرئاسة في فرنسا، لم يغِب عن المشاركة في قضايا الشرق الأوسط، وحلها، فزار العديد من دولها، وكانت له مواقف صريحة وواضحة، في مجمل قضاياه، وبشكل مكثف، انطلاقاً من قناعته، بأن على فرنسا القيام بدور فاعل في المنطقة، بما يحقق مصالح فرنسا كدولة كبرى، يمكنها لعب دور أساسي في كافة الحلول الممكنة للقضايا العالقة في المنطقة.
فرنسا ونتيجة وجودها التاريخي في المنطقة، تحاول تعزيز وجودها، استناداً للعديد من العوامل الاستراتيجية والجيوسياسية، التي تفرض نفسها على الساحة الدولية اليوم، حيث تحاول كل من الصين وروسيا، ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا تعتبرها فرصة ذهبية لاستعادة نفوذها، وتعزيز دورها كقوةٍ فاعلة في السياسات الإقليمية، من خلال إقامة شراكات طويلة مع دول الشرق الأوسط، وتقديم كل ما أمكن لتثبيت تلك الشراكة.
وفرنسا تسعى للعب دور هام في الشرق الأوسط، ولديها مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، ومن أبرز تلك الأهداف، تعزيز التعاون الأمني، والعسكري، مع دول المنطقة، والمساهمة في مكافحة الإرهاب والتطرف، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية عن الولايات المتحدة، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية مع دول الشرق الأوسط، ومواجهة النفوذ الروسي والصيني، الذي يتعاظم في المنطقة.
وبالفعل قامت فرنسا، في الآونة الأخيرة، وعلى المستوى الدبلوماسي، والعسكري، والاقتصادي، بتوقيع العديد من الاتفاقيات، الاقتصادية، والعسكرية، والتجارية، مع عدد من دول الخليج، وعززت وجودها في المناطق الاستراتيجية، مثل البحر الأحمر، ومنطقة الساحل الإفريقي، حيث زادت من عدد قواتها، وقامت بتدريبات عسكرية مشتركة، ولا زالت، تحارب المجموعات المرتزقة، وعلى رأسها داعش، كما تساهم في بناء المؤسسات الأمنية في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من الدول.
وكما تلعب باريس دورها الفاعل في معظم القضايا في المنطقة، فهي تسعى دبلوماسياً، للعب دور الوسيط الموثوق في التوصل للحلول في النزاعات بين الدول، الإقليمية، فالدبلوماسية الفرنسية لا تدخر جهداً في حل المشاكل في السودان، ولبنان، وسوريا، وفي ودول أخرى، حيث تحاول تقديم الحلول، وحل الأزمات وفك العقد بين مختلف الأطراف المتصارعة في تلك الدول، سلمياً وعن طريق الحوار الجاد، وتدفع بالدول الأوروبية لاتخاذ موقف واحد تجاه قضايا المنطقة وحلها.
فرنسا تفكر بلعب دوراً هام في الشرق الأوسط، ما يتطلب حضوراً استراتيجياً قوياً، وهذا يعتمد على عدة عوامل، من أهمها إقامة علاقات قوية في المجالات الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والأمن والطاقة، مع دول المنطقة عموماً، ما سيمنحها حضورًا استراتيجيًا قوياً، في حل مشاكل المنطقة، ولا شك أن الصين وروسيا سيكونان منافسين رئيسيين، لها، ما يزيد من جاذبيتها كشريك رئيسي لدول المنطقة، بإمكانها الاعتماد عليها كوسيطٍ حقيقي لحل القضايا المعقدة. لكن، رغم ذلك ستواجه مواجهة شرسة من القوى الكبرى، التي تحاول أن يكون لها حصة الأسد في الشرق الأوسط، كما قلنا سابقاً روسيا والصين.
هناك منافسة شديدة على النفوذ في الشرق الأوسط، وهناك خطر على فقدان فرنسا نفوذها التاريخي، في المنطقة، حيث تحاول الصين وروسيا، من خلال تقديم استثمارات ضخمة دون شروط، لتحييد فرنسا من لعب أي دور هام في الشرق الأوسط، ما قد يوجه فرنسا للبحث عن شراكات ودول جديدة، لتعويض الفراغ الذي قد تسببه روسيا والصين، وخاصةً أن فرنسا تواجه عدة أزمات داخلية، ولعل أهمها صعود اليمين المتطرف، الذي سيؤثر على السياسة الخارجية الفرنسية.
وبالمحصلة، تبقى فرنسا دولة كبرى، لا يمكن غض الطرف عن دورها الكبير في قضايا الشرق الأوسط، ما يمكنها من الحفاظ على نفوذها، وستبقى شريكًا اقتصاديًا وتجاريًا قويًا، للعديد من الدول الشرق أوسطية، خاصةً في قطاعات الطاقة، والتكنولوجيا، والدفاع، وستحاول التواجد في القضايا الهامة التي تخص المنطقة، بكل ثقلها، ومع ذلك، ستواجه العديد من العقبات على رأسها محاولات العديد من الدول، لتقليل الدور الفرنسي في الكثير من قضايا المنطقة، وخاصةً سوريا ولبنان، وليبيا، ومهما كانت التحديات، تسطيع فرنسا أن تكون لاعباً أساسياً في لعب دور فاعل في جميع الحلول القادمة في الشرق الأوسط.
No Result
View All Result