حين نتأمل في هذا الكون الفسيح، ندرك أن الاختلاف ليس خللًا، بل سرّ الجمال فيه، وسنّة من سنن الله التي لا تتبدل، ومن أعظم صور هذا الاختلاف وأجلّها “الألسنة واللغات”، ذلك التنوع الذي لم يجعله الله سببًا للفرقة، بل آيةً من آياته الدالة على حكمته وقدرته، يقول الله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين”.
إن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل وعاء الفكر، ومرآة الهوية، وجسرٌ يمتد بين الماضي والحاضر، يحمل في طياته تاريخ أمة، وثقافتها، وآلامها وآمالها، فاللغة روحٌ تسري في كيان الشعوب، تحفظ ذاكرتها، وتصوغ وعيها، وتحدد ملامحها بين الأمم.
وقد بيّن القرآن الكريم حقيقةً عظيمة، حين قرر أن الرسالات الإلهية لم تُبعث إلا بلغة القوم، فقال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ”.
وفي ذلك تأكيدٌ على أن اللغة ليست أمرًا هامشيًا، بل أساس الفهم، ومفتاح البيان، وجسر الهداية، فكيف يُطلب من أمةٍ أن تتخلى عن لغتها، وهي الوسيلة التي بها تفهم دينها، وتحفظ تراثها، وتدرك رسالتها؟
إن الاختلاف اللغوي في الإسلام ليس مدعاةً للتنازع، بل دعوةٌ إلى التعارف والتكامل، كما قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”. فالتعارف لا يقوم إلا على الاعتراف بالآخر، واحترام خصوصيته، وفي مقدمة ذلك، لغته التي هي عنوان وجوده ولسان هويته.
ومن هنا، فإن كل لغة في هذا العالم هي نعمةٌ من نعم الله، تستحق أن تُحفظ وتُصان، وأن يُحتفى بها، لا أن تُهمّش أو تُحارب، فالاعتزاز باللغة ليس تعصبًا أعمى، بل هو شكرٌ لله على نعمة عظيمة، ما دام لا يتحول إلى استعلاءٍ على الآخرين أو ازدراءٍ لهم. وإذا نظرنا إلى واقعنا، وجدنا أن اللغة الكردية، كغيرها من لغات الشعوب، تمثل تراثًا عريقًا، وهويةً متجذرة، وتاريخًا ممتدًا عبر القرون. إنها ليست مجرد ألفاظٍ تُنطق، بل حكاية شعب، وصوت أمة، ونبض حضارة، ومن حق أهلها أن يعتزوا بها، وأن يحتفلوا بها، وأن يورّثوها لأبنائهم، وأن يجعلوها وسيلةً لنشر الخير والعلم، لا أداةً للصراع والانقسام. غير أن القضية الأعمق ليست في اللغة ذاتها، بل في اللسان الذي يحملها، فاللسان قد يكون سببًا في البناء، وقد يكون أداةً للهدم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”.
وقال أيضًا: “وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم”، فالكلمة مسؤولية، واللسان أمانة، والإنسان محاسبٌ على ما يقول قبل ما يفعل. لذلك؛ فإن الواجب على الإنسان أن يجعل لسانه رسول خير، ينشر به المحبة، ويطفئ به نار الفتنة، ويقرب به بين القلوب، مهما اختلفت لغاتهم وأعراقهم، فالقيمة الحقيقية ليست في اللغة التي نتكلم بها، بل في المعاني التي نحملها، والقيم التي نبثها، والخير الذي نصنعه.
إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى هذه الحقيقة، فالتنوع اللغوي ليس تهديدًا، بل ثراء، وليس سببًا للصراع، بل فرصةً للتكامل، وإن الأمم التي تحترم لغاتها، وتحفظها، وتطوّرها، هي أممٌ حيّة تعرف جذورها، وتحسّن بناء مستقبلها.
وفي الختام، تبقى اللغة نعمةً عظيمة تستوجب الشكر، واللسان أمانة تستوجب الحفظ، فلنحفظ ألسنتنا من الزلل، ولنصن لغاتنا من الضياع، ولنستخدمها فيما يرضي الله، ويخدم الإنسان، ويعزز قيم التعايش والسلام. فاللغة في جوهرها ليست سلاحًا يُشهر، بل جسرٌ يُبنى، ومن أحسن بناء الجسور، وصل إلى القلوب قبل الآذان.