No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ يبدو أن واقع النساء في سوريا بعد التغيير السياسي لم يشهد تحسناً، بل استمر العنف بأشكالٍ متعددة في ظل الانفلات الأمني وغياب منظومة حماية فعالة، ومن الساحل إلى السويداء والمناطق المحتلة والمخيمات، تبقى النساء الأكثر عرضة للانتهاكات والأقل وصولاً إلى العدالة في مرحلة انتقالية غير مستقرة.
بعد التغيير السياسي الذي شهدته سوريا نهاية عام 2024، لم ينعكس التحول في موازين السلطة على واقع النساء، بل استمرت أنماط العنف والانتهاكات بأشكال مختلفة، مع تبدّل الجهة والبيئة لا جوهر الأزمة، وبين تعدد السلطات المحلية وغياب منظومة قانونية موحدة، بقيت النساء في قلب هشاشة أمنية واجتماعية واقتصادية متصاعدة، وسط ضعف واضح في آليات الحماية والمساءلة.
عنفٌ طائفي
هذا وشهد الساحل السوري موجة عنف غير مسبوقة، رافقتها حالة انفلات أمني واسعة في اللاذقية وطرطوس، تحولت خلالها المنطقة إلى ساحة عمليات انتقامية واشتباكات متفرقة وهجمات طالت المدنيين، وفق تقارير حقوقية وشهادات ميدانية.
وبحسب توثيقات “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، شهدت الفترة الممتدة بين السادس إلى العاشر من آذار 2025 وحدها استشهاد المئات في الساحل، بينهم مدنيين قُتلوا خلال عمليات اقتحام واشتباكات مسلحة وأعمال تصفية ميدانية، حيث وثّقت تقارير مقتل ما لا يقل عن 60 مدنياً في بانياس وحدها بينهم نساء وأطفال خلال أيام قليلة من التصعيد، إضافةً إلى تسجيل عمليات إعدام ميدانية طالت مدنيين في قرى متفرقة من ريف اللاذقية وطرطوس وحمص.
وفي السياق ذاته، أشارت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى إن أحداث الساحل في آذار 2025 اتسمت بـ “عنف واسع النطاق ومنهجي”، شمل عمليات قتل وتعذيب وإحراق منازل ونزوح عشرات الآلاف من السكان، مع توثيق أنماط من الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم حرب.
على صعيد العنف القائم على النوع الاجتماعي، وثّقت منظمات دولية منذ شباط 2025 ما لا يقل عن 36 حالة اختطاف لنساء وفتيات في الساحل السوري، تتراوح أعمارهن بين الطفولة وسن الأربعين، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، وسط تقاعس واضح في التحقيقات الرسمية وغياب معلومات عن مصير عدد كبير منهن.
كما أشارت تقارير إعلامية وحقوقية إلى تسجيل 33 حالة اختطاف إضافية لنساء خلال عام 2025 في مناطق الساحل، رافقها طلب فدى مالية في بعض الحالات، واستغلال واضح لحالة الفوضى الأمنية بعد انهيار المنظومة الأمنية السابقة.
وتؤكد مصادر حقوقية أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات، في ظل صعوبة التوثيق الميداني، وانقطاع سلاسل الإبلاغ، وخوف العائلات من التبليغ، ما يجعل ملف الساحل واحداً من أكثر الملفات تعقيداً من حيث التوثيق والمساءلة خلال المرحلة الانتقالية.
أما في الجنوب السوري، تحوّلت السويداء خلال صيف 2025 إلى واحدة من أكثر بؤر العنف دموية في المرحلة الانتقالية، بعد أن فجّرت حادثة اختطاف فردية في 12 تموز سلسلة من عمليات الخطف المتبادل، سرعان ما خرجت عن السيطرة لتدخل المدينة في دوامة عنف مفتوح.
وخلال أيام قليلة، وتحديداً بين 14 و21 تموز، سجّلت التقارير الأممية والحقوقية مقتل أكثر من 1700 شخصاً، بينهم مدنيين، في تصعيد وُصف بأنه الأشد منذ سنوات، بالتوازي مع نزوح ما يقارب 200 ألف شخص من منازلهم تحت ضغط الاشتباكات والانفلات الأمني. وفي الأيام الثلاثة الأولى وحدها (14 ـ 16 تموز)، وثّقت جهات دولية أنماطاً صادمة من الانتهاكات، شملت إعدامات ميدانية، وإطلاق نار مباشر على مدنيين داخل الأحياء السكنية، وعمليات قتل على أساس الهوية، وسط انهيار شبه كامل للضبط الأمني.
وفي خضم هذا التصعيد، كانت النساء من بين الفئات الأكثر تعرضاً للانتهاكات، إذ وثّقت تقارير أممية وحقوقية حالات اختطاف واختفاء قسري لنساء وفتيات، إلى جانب تسجيل وقائع عنف جنسي وجندري خلال الهجمات، في مؤشر على استخدام النساء كأداة ضغط وانتقام ضمن الصراع المحلي. كما أشارت المعطيات إلى أن عمليات الخطف لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن نمط متكرر من الخطف المتبادل، حيث استُخدمت النساء كورقة تفاوض بين الأطراف، في ظل غياب أي إطار قانوني أو أمني قادر على حمايتهن.
النساء بين القتل المنزلي والانتهاك اليومي
وواقع النساء لم يكن مأساوي فقط في مناطق النزاع التي كان على رأسها الساحل السوري والسويداء، بل امتد إلى مناطق سوريّة أخرى فخلال عام لم يؤدي سقوط النظام إلى تراجع العنف ضد النساء، بل أعاد تشكيله ضمن سياقات اجتماعية وأمنية أكثر هشاشة، حيث تُظهر البيانات الحقوقية أن النساء كنَّ ضمن الضحايا المباشرين لموجات العنف التي اجتاحت البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
فبحسب توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل خلال عام 2025 ما لا يقل عن 3666 شخصاً في سوريا، بينهم 312 امرأة، في مؤشر على استمرار استهداف المدنيين رغم التحولات السياسية، وخلال شهر آذار 2025 وحده، سُجّل مقتل 99 امرأة ضمن حصيلة بلغت 1562 قتيلاً، في ذروة موجة العنف التي ترافقت مع الانفلات الأمني في عدة مناطق.
ولا يقتصر العنف على العمليات العسكرية، إذ تشير المعطيات إلى أن جزءاً كبيراً من الضحايا ماتوا في سياقات غير قتالية، مثل الجرائم الجنائية والعنف الأسري ومخلفات الحرب، ففي أيار 2025، تم توثيق مقتل 157 مدنياً بينهم 11 امرأة، في حوادث توزعت بين إطلاق نار، انفجارات، وجرائم قتل داخلية.
وفي موازاة ذلك، تستمر أنماط العنف القائم على النوع الاجتماعي بالتصاعد، حيث تشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن العنف ضد النساء في سوريا أصبح أكثر انتشاراً وتعقيداً، متخذاً أشكالاً متعددة تشمل العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي والجنسي، مع توسّع ظاهرة العنف الرقمي والابتزاز الإلكتروني.
كما توثّق تقارير أوروبية وأممية استمرار انتشار الزواج المبكر والعنف الأسري وما تسمى بجرائم “الشرف”، في ظل بيئة قانونية واجتماعية تسمح بإفلات الجناة من العقاب أو تخفيف الأحكام بحقهم، ما يجعل النساء عرضة لعنف مستمر داخل الفضاء الخاص والعام.
وفي جانب آخر، تشير البيانات إلى أن النساء ما زلن ضمن الفئات الأكثر تضرراً من الاعتقال والإخفاء القسري، حيث وثّقت تقارير سابقة استمرار وجود أكثر من 11 ألف امرأة قيد الاعتقال أو الاختفاء في سوريا، في ظل غياب مسارات واضحة للمساءلة أو كشف المصير.
كما أن التحولات الأمنية بعد سقوط النظام السوري السابق؛ لم تنهِ المخاطر، بل أعادت توزيعها، إذ سُجّلت حالات قتل لنساء نتيجة انفجار مخلفات الحرب أو إطلاق نار عشوائي، إضافةً إلى سقوط ضحايا في اشتباكات محلية أو أعمال عنف متفرقة، ما يعكس استمرار البيئة غير الآمنة حتى خارج خطوط القتال المباشر.
No Result
View All Result