No Result
View All Result
أيمن روج
في اللحظة التي بدأت فيها ملامح “سوريا الجديدة” تتشكل بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار، لم يكن السؤال الحقيقي يدور فقط حول شكل النظام السياسي القادم، بل حول من يملك القرار الفعلي في إعادة صياغة هذا البلد، وهل السوريون أنفسهم هم من سيحددون مستقبلهم أم أن الجغرافيا السياسية ستفرض عليهم نموذجاً مفروضاً من الخارج، فالتجربة السورية منذ اندلاع الصراع أثبتت أن البلاد لم تعد مجرد ساحة داخلية، بل تحولت إلى عقدة مصالح إقليمية ودولية متشابكة، حيث تتقاطع مشاريع القوى الكبرى مع طموحات الدول المجاورة؛ ما جعل أي حديث عن “دولة جديدة” لا يمكن فصله عن طبيعة هذه التوازنات، ولا عن شكل النفوذ الذي ترسخ على الأرض عبر سنوات الحرب، ومع هذا الواقع، يبرز مفهوم “المحاصصة” كأحد السيناريوهات الأكثر تداولاً، ليس بالضرورة بصيغته التقليدية الطائفية فقط، بل كمحاصصة نفوذ بين الدول الإقليمية التي بات لكل منها منطقة تأثير، ورؤية خاصة لشكل النظام السياسي الذي يخدم مصالحها ويحد من مخاطرها، وهنا تبدأ الإشكالية الكبرى، حيث يتم دفع سوريا تدريجياً نحو نموذج سياسي قد يبدو في ظاهره توافقياً، لكنه في جوهره يعكس توازنات الخارج أكثر مما يعكس إرادة الداخل.
إن السعي لإزالة الصبغة الإسلامية عن الدولة السورية المستقبلية لا يأتي فقط من داخل النخب السورية التي تخشى إعادة إنتاج نماذج أيديولوجية مغلقة، بل هو أيضاً مطلب إقليمي ودولي واضح، خاصة من القوى التي ترى في صعود الإسلام السياسي تهديداً مباشراً لاستقرارها أو لنفوذها، لذلك نجد أن هناك توجهاً لدعم صيغة “الدولة المدنية” أو “العلمانية” كإطار جامع، لكن هذا الطرح يصطدم بتعقيدات الواقع السوري، فالمجتمع الذي تعرض لتفكك عميق خلال الحرب لم يعد كتلة واحدة يمكن إعادة هندستها بسهولة، كما أن القوى الفاعلة على الأرض، سواء كانت عسكرية أو سياسية، لا تزال تحمل رؤى متباينة، بعضها ذو طابع ديني واضح، وبعضها الآخر قومي أو براغماتي، مما يجعل فرض نموذج علماني بشكل فوقي أمراً محفوفاً بالمخاطر، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم ينبع من توافق اجتماعي حقيقي.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز المحاصصة كحل “عملي” في نظر كثير من الأطراف، إذ يتم توزيع النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي بطريقة تضمن لكل قوة إقليمية أو محلية حصة معينة، وهو نموذج قد يمنع الانفجار الفوري، لكنه يحمل في داخله بذور التفكك على المدى البعيد، لأن الدولة في هذه الحالة لا تُبنى على أساس المواطنة، بل على أساس التوازن بين القوى، وهذا ما شهدناه في تجارب أخرى، حيث تحولت الأنظمة السياسية إلى هياكل هشة تعتمد على استمرار التوافق الخارجي أكثر من اعتمادها على شرعية داخلية، وفي الحالة السورية، قد يتخذ هذا الشكل أبعاداً أكثر تعقيداً بسبب التنوع الإثني والديني، حيث يمكن أن تتحول المحاصصة إلى أداة لإدارة الانقسامات بدلاً من تجاوزها.
السؤال الأكثر حساسية هنا هو ما إذا كانت سوريا قادرة فعلاً على التحول إلى دولة ديمقراطية علمانية تستوعب جميع شعوبها، أم أن هذا الطموح سيبقى مجرد شعار يصطدم بواقع الانقسامات والنفوذ الخارجي، فالديمقراطية لا تُبنى فقط عبر كتابة دستور أو إجراء انتخابات، بل تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، ومؤسسات قوية، وثقافة قبول بالآخر، وهذه العناصر تضررت بشكل كبير خلال سنوات الحرب، كما أن وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، واستمرار التدخلات الخارجية، يجعل من الصعب الحديث عن سيادة حقيقية، وهي شرط أساسي لأي تحول ديمقراطي، ومع ذلك، لا يمكن القول إن هذا السيناريو مستحيل، إذ أن هناك تجارب دول خرجت من حروب مدمرة وتمكنت من إعادة بناء نفسها، لكن ذلك تطلب إرادة داخلية قوية أولاً، وتوافقاً دولياً حقيقياً على دعم الاستقرار بدلاً من استثمار الفوضى.
في المقابل، يبقى سيناريو الانقسام أو العودة إلى الحروب الأهلية قائماً بقوة إذا فشلت عملية بناء الدولة في تحقيق توازن عادل بين الشعوب، أو إذا تحولت المحاصصة إلى أداة صراع بدلاً من كونها آلية انتقالية، فالتاريخ القريب يبين أن أي نظام لا ينجح في خلق شعور بالانتماء المشترك سيبقى عرضة للاهتزاز، خاصة في بيئة إقليمية متوترة، حيث يمكن لأي توتر داخلي أن يتحول بسرعة إلى صراع مفتوح بدعم خارجي، ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اختيار شكل النظام السياسي، بل في كيفية بناء عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة لا الانتماء الضيق.
في النهاية، تبدو سوريا الجديدة أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تتحول إلى نموذج لدولة أعيد بناؤها على أسس حديثة رغم كل التحديات، أو أن تصبح مثالاً آخر على دولة تم تفكيكها وإعادة تركيبها وفق مصالح الآخرين، وبين هذين الخيارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة السوريين أنفسهم على استعادة المبادرة، وفرض رؤيتهم الخاصة لمستقبل بلدهم، بعيداً عن منطق الوصاية والمحاصصة، لأن أي دولة لا تُبنى بإرادة أبنائها ستبقى دائماً عرضة للانقسام، مهما بدا شكلها الخارجي مستقراً.
No Result
View All Result