بدرخان نوري
تعدُّ السيطرة على الأرض الشكلَ التقليديّ لسلوكِ أيّ قوةٍ محتلةٍ، ويستتبع ذلك فرض القوة العسكريّة وقوانين الاحتلال وأوامره العسكريّة على السكانِ المحليين وإنشاء ثكنات عسكريّة كمراكز مراقبة في الأملاك العامة، وأما انتزاع الأملاك الخاصة فهو الشكلُ الأشد وطأة إذ تنتقل قوةُ الاحتلالِ من السيطرة السياسيّة والعسكريّة إلى سيطرةٍ أكثر تفصيلاً بانتزاع ملكيةِ المنازل والأراضي من الأهالي وتركهم في العراء، وهذا انتقالٌ من الحربِ إلى “جريمة حرب”، وتلك هي قصة جبل عقيل في منطقة الباب بريف حلب الشرقيّ.
تجدد احتجاج الأهالي
جدد أهالي منطقة “جبل عقيل” في ريف حلب الشرقي، الجمعة 24/4/2026، رفضهم لسياسة الاحتلال التركيّ واستمراره في تجريف منازلهم وممتلكاتهم المحيطة بالقاعدة العسكريّة في المنطقة، وذلك في ثالث وقفة احتجاجيّة خلال أسبوع، ورفع المواطنون لافتات تطالب بالعدالة وعودة الأرض والممتلكات، ورددوا شعارات مثل “جبل عقيل ينادي حقه”، و”كفى ظلماً، أرضنا حقٌّ لا يُصادر”. وجاءت الاحتجاجات تعبيراً عن الغضب الشعبيّ المتصاعد نتيجة استمرار قوات الاحتلال التركيّ في عمليات تجريف المنازل المحيطة بالقاعدة العسكريّة، ما أدى إلى تشريد مئات العائلات.
شهدت مدينة الباب السبت 18/4/2026 موجة احتجاجيّة غاضبة نظمها أهالي “جبل عقيل”، للمطالبة بإنهاء السيطرة العسكريّة التركيّة على ممتلكاتهم الخاصة ومنازلهم التي تحولت إلى ثكنات وقواعد عسكريّة منذ نحو تسع سنوات. وأصدر الأهالي المحتجون بياناً رسميّاً كشفوا فيه حجم الأضرار التي لحقت بهم منذ احتلال الجيش التركي للمدينّة في شباط 2017، وأكّدوا أنّ أكثر من 400 منزلاً بما تحتويه من أثاث كامل تعرض للتجريف المتعمد من قبل الدولة التركية التي عمدت إلى إنشاء قاعدتها العسكريّة فوق الجبل؛ الأمر الذي أدّى في حينه وحتى اليوم لتشريد مئات العائلات التي باتت تعيش حالة تهجير داخليّ مريرة، وأكّد الأهالي امتلاكهم مئات الوثائق القانونيّة التي تثبت حقّهم في الأرض، لكنها قوبلت بتجاهلٍ تام من “المجلس المحلي” والجهات المسؤولة.
وجاء في البيان: “لقد أصبحنا نحن أبناء هذا الحي مهجّرين داخل مدينتنا ومشرّدين بين الخيام والجبال بعد أن سُلبت منا بيوتنا وضاعت أحلامنا واندثرت ذكرياتنا وفُقد إرث آبائنا وأجدادنا”. وحمّل البيان الجهات الرسمية في منطقة الباب كامل المسؤولية نتيجة تقاعسها عن أداء واجبها وعدم استجابتها للمطالب المشروعة ودعاها إلى تحمّل مسؤولياتها القانونيّة والأخلاقيّة والتحرك الفوريّ والعاجل لإنصاف الأهالي وتمكينهم من استعادة حقوقهم كاملة غير منقوصة.
لم يعمد الأهالي إلى التصعيد مباشرة دون سابق إنذار، بل قدموا فيما سبق مئات الوثائق التي تثبت ملكيتهم لأراضي القاعدة إلا أنّ لكن “المجلس المحليّ” والجهات المعنية في المنطقة تجاهلت مطالبهم ولم تنظر بها، وعمدت إلى أكثر من ذلك حين وصل بها الأمر إلى التعدي على الأراضي البديلة التي كانوا قد وُعدوا بها على سبيل البديل والتعويض عن أراضيهم المصادرة الأمر الذي أشعل الاحتقان والغضب لديهم.
ورغم سقوط النظام البائد، لا تزال عدة قواعد للاحتلال التركيّ موجودة في مدينة الباب وريفها، أبرزها قاعدة جبل الشيخ عقيل وقاعدة الزرزور شرق مدينة الباب. وقاعدتا الشيخ ناصر والشويحة.
ذريعة الاستيلاء
أقدم الاحتلال التركيّ على تجريف منازل أهالي حي الجبل بشكل كامل، بما فيها مشفى معروف باسم “مشفى الجبل”، وعدد من المؤسسات الخدميّة، ليتخذ من الجبل المطل على كامل المدينة موقعاً عسكريّاً محصّناً على حساب الأهالي الذين وجدوا أحياءهم السكنيّة قد أزيلت بالكامل وتحولت إلى ثكنةٍ عسكريّةٍ، دون مراعاةٍ لحق التملك الشخصيّ وبلغ عدد منازل الأهالي التي تم تجريفها، بما تحويه من ممتلكاتهم وأغراضهم، قرابة 100 منزلاً، غالبيتها مبنية على النمط الريفيّ، وتصل مساحة بعضها إلى نحو 300 م2.
وتذرعت دولة الاحتلال التركيّ بوجود قوات النظام البائد في مدينة تادف، الواقعة على مسافة 2 كم شمال شرق مدينة الباب، لتبرر إنشاء قاعدةٍ عسكريّة على قمة جبل الشيخ عقيل، باعتباره طرفاً ضامناً لتطبيق اتفاق خفض التصعيد الموقع في 4/5/2017 في إطار ترويكا أستانه (روسيا وإيران وتركيا)، وبموجبه أُنشئت مناطق خفض التصعيد في شمالي وغربي سوريا وضمنها مدينة الباب.
لم تنطلِ الذريعة على الأهالي الذين انتفضوا مطالبين بإعادة منازلهم وتعويضهم عن خسائرهم، وخروج دولة الاحتلال التركيّ من أراضيهم، وبخاصةٍ إن هذه القوات اكتفت في مناسبات عديدة بالمراقبة فيما كانت المدينة تتعرض لقصف جيش النظام البائد المتمركزة في مدينة تادف.
والحقيقة أنّه لم تدَر أيّ معركة مباشرة بين جيش الاحتلال التركيّ وقوات النظام البائد. بل تكفل الاحتلال التركيّ بوقف الجبهات ضدها كليّاً. والحالة الوحيدة التي اُستهدف فيها جيش النظام البائد في المنطقة كانت في تموز 2018، عندما شنَّ المدعو “عبد الرحمن المحيميد” المعروف بـ”أبو خولة موحسن متزعم مجموعة “شهداء الشرقية”، هجوماً على بلدة تادف القريبة، وقال إنّه نصرة لدرعا التي كانت تتعرض للقصف، وأوقف الهجوم مباشرةً بأوامر تركيّة ولُوحق “أبو خولة” واُعتقل، وفي 30/6/2020 صدر حكمٌ من المحكمةِ العسكريّة بإعزاز بسجنه خمس سنوات بتهمة تشكيل مجموعة خارج الجيش الوطنيّ، وتشكيل عصابة أشرار، وجرى تخفيف الحكم بقرار صدر في 4/10/2020، إلى السجن مدة ثلاث سنوات. وبالتالي كانت دولة الاحتلال التركيّ ضامناً لعدم استهداف جيش النظام البائد، ما ينتفي معه أيّ ضرورةٍ عسكريّة لاستمرارِ استيلائه على ممتلكات الأهالي.
الجبل في مرمى الاستهداف
بسببِ الموقعُ الاستراتيجيّ المُطلِّ على مدينة الباب كان جبلُ عقيل هدفاً مباشراً في كلّ معارك السيطرة على المدينة، ما عرّض المنازل فوقه لدمارٍ كبيرٍ، وما بين عامي 2012 ـ 2014 كانت المدينة قد خرجت عن سيطرة النظام البائد فتعرض لقصفٍ متكررٍ بالمدفعية والبراميل المتفجرة.
سيطر مرتزقة “داعش” على مدينة الباب في 14/1/2014، وأنشأ فيه غرفة عمليات مركزيّة، وحوّل المشفى الوطني المحصّن إلى مستودعٍ للذخيرة، وحفر أنفاقاً وأقام تحصينات هندسيّة ضخمة على سفوح الجبل. واستمرت سيطرته حتى سيطرة جيش الاحتلال التركيّ عليه في 21/12/2016، واستعادها “داعش” بعد خمسة أيام، واستمر السجال حتى تم احتلال كامل مدينة الباب في 22/2/2017 وبسبب تمترس مرتزقة “داعش” بالتحصينات التي أنشأها على الجبل كان القصف شديداً، إذ إنّ السيطرة على الجبل هو مفتاح السيطرة على مدينة الباب.
ومع التدمير واسع النطاق وعدم توفر الوثائق والخرائط الرسمية ومنع جيش الاحتلال التركيّ للأهالي من العودة، تماهت الحدود بين الملكيات الخاصة والعامة، وباتت معضلة يصعب حلها. ولذلك؛ قامت لجنة المسح التي شكّلها مجلس الباب المحليّ، برسم مخطط مبدئيّ لمنطقة جبل عقيل، وأعيد على أساسه توزيع الملكيات على أصحابها، وتحديد أملاك الأوقاف فيها. وفيما كان يفترض السماح لأهالي الجبل بالعودة وترميم أملاكهم، إلا أنّ المجلس المحليّ رفض التعليق على الخطط المستقبليّة، مكتفياً بالإشارة إلى أنّ عمل اللجنة اقتصر فقط على تحديد الملكيات.
وأعلن المجلس المحلي في مدينة الباب بريف حلب الشمالي التابع للمعارضة، في 9/11/2020 انتهاء أعمال اللجنة المكلفة بمسح أملاك منطقة جبل عقيل التابعة للمدينة. ودعا المجلس أصحاب العقارات والأراضي في المنطقة لمراجعته، في مدة أقصاها 9/12/2020، بحال كانت لديهم اعتراضات على قرارات اللجنة.
معضلة التملك الوَقفي
تتوزع ملكية الأراضي والعقارات في منطقة جبل عقيل ما بين خاصة، وعامة تتبع للأوقاف، ووفقاً لذلك هناك ثلاثة أنماط من التملك في جبل عقيل؛ الأول: ملكية الأرض للوقف وقد أقيم عليها بناء خاص، وتم توثيقه بعقد استملاك يشمل البناء فقط، وفي هذه الحالة يدفع صاحب البناء إيجار الأرض فقط لمديرية الأوقاف. وفي الثاني الأرض والبناء ملكاً للوقف، فيما شاغله مستأجر قديم، وأما الثالث، فتكون الأرض والبناء ملكيّة خاصة لصاحبها. ولم يُفصّل مجلس مدينة الباب بين أصحاب الحقوق السابقين، وترك غموضاً بخصوص الأرض البديلة وكيفية توزيعها.
وشهدت المنطقة توسعاً عمرانيّاً وامتد بشكلٍ تجاوزات على أراضي أملاك الأوقاف ما بين عامي 2005 ـ 2010، وغضّت مديرية الأوقاف النظر عنها مقابل تلقي بدل إيجار سنويّ. وكانت مديرية الأوقاف في ذلك الحين تابعة لوزارة الأوقاف. وحاول المجلس المحليّ التابع للاحتلال التركيّ المماطلة في قضية أصحاب المنازل المدمرة عبر وعود متكررة بتعويضهم عما فقدوه، وبعد ضغوط كبيرة من الأهالي، مُنح الأهالي مواقع بديلة للبناء دون تعويضٍ عن الهدم، الأمر الذي معظم الأهالي، فيما قبل البقية مضطرين. وأعلن مجلس مدينة الباب المحليّ، تخصيصَ أرضٍ لتعويض سكان منطقة جبل عقيل عن أملاكهم وحدد المحاضر 450 ـ 128 التابعة لمديرية أوقاف الباب من المنطقة العقاريّة الأولى كموقعٍ للأرض البديلة المخصصة للبناء. وقالت الأمانة العامة للمجلس المحلي، في قرارها الصادر في 3/5/2021، إنّه تم تقسيم المنطقة لمحاضر، ودراسة تزويدها بكافة الخدمات. وأضافت الأمانة إنّه سيتم توزيع ذات المساحات من الأرض على أصحاب الأملاك، مقابل التنازل عن ملكيتهم في جبل عقيل. وستوثق الملكيات الجديدة بعد الانتهاء من تخصيص المحاضر. وأنّه يحق للمستفيدين أصحاب الأملاك، اختيار منطقة العقار الذي يرغبون بالتخصص فيه ضمن المخطط. وأعطيت مهلة عشرة أيام لمراجعة المجلس المحليّ، واختيار موقع العقار البديل. وفي كل الحالات، يجب أن يكون أولئك المستفيدين من حملة البطاقة الشخصية الصادرة عن مجلس مدينة الباب.
وأعلن المجلس المحليّ حينها أنّه عوّض 161 مستفيداً وحصل كل منهم على مساحة مساوية لمساحة عقاره الأصليّ في جبل عقيل. وأنّ القسم الأكبر من العقارات التي تمّ التعويض على أصحابها كانت تعود لعددٍ كبير من الورثة.
بعد سقوط النظام البائد استطاع الأهالي الحصول على الوثائق المتعلقة بالشأن العقاريّ في مدينة حلب، لتبرزَ معها مشكلة حق التملك في الأرض التي منحها “المجلس المحلي التابع للاحتلال” تعويضاً وأنّها أملاكٌ وقفيّة تعود بالأصل لمديرية أوقاف حلب، لتبرز معها معضلة قانونيّة حول إمكانية البناء عليها.
وكان الأهالي قد اشتكوا لدى إدارة منطقة الباب التابعة للحكومة السوريّة المؤقتة ليصدمهم ردّ المسؤول الذي أبلغهم بضرورة مراجعة وزارة الخارجية السوريّة وأنّها الجهة المعنية بقضيتهم بسبب وجودِ جيش الاحتلال التركيّ في الموقع، الأمر الذي أثار استياءهم واعتبروه تنصلاً من المسؤوليّة. ليخرج الأهالي في مظاهرةٍ حاشدة في 19/12/2025 مطالبين بخروج جيش الاحتلال التركيّ من المدينة وريفها، وتعويضهم عن ممتلكاتهم التي دمّرها.
وسبق أن شهدت المدينة على مدى أيام في نيسان 2021 موجات احتجاجيّة وطالبوا جيش الاحتلال التركيّ بالتعويض عن منازلهم التي دمرها وأنشأ على أنقاضها قاعدة عسكريّة. ولا تقتصر معاناة أهالي مدينة الباب وأريافها على قضية جبل الشيخ عقيل فقط، إذ توجد مئات المنازل التي اغتصبها مرتزقة الاحتلال التركيّ من أصحابها، مع توجيه تهم باطلة لكل من يحاول المطالبة بأملاكه.
الاستيلاء جريمة حرب
قانونيّاً يعدُّ وضع اليد على منازل الأهالي في جبل عقيل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقوانين الدوليّة ومنها: اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والتي تحظر المادة 53 منه بشكلٍ مطلق أي تدمير من قبل قوة الاحتلال للممتلكات العقارية أو الشخصيّة، سواء كانت خاصة أو عامة، إلا في الحالات التي تتطلبها “الضرورة العسكريّة المطلقة” لعملياتها الحربيّة. وكذلك المادة 46 من لوائح لاهاي لعام 1907 وتنصُّ على احترام الملكية الخاصة، وتحظر مصادرتها في الأراضي المحتلة. كما تحظر المادة 56 منه الاستيلاء على الممتلكات الخاصة أو تدميرها، خاصة تلك المخصصة للعبادة، أو الأعمال الخيريّة، أو التعليم، أو الفنون والعلوم.
وإذ يتسبب الاستيلاء القسريّ على المنازل أداةً للتهجير القسريّ للمواطنين فهو يتعارض مع مضمون المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل الجبريّ الجماعيّ أو الفرديّ، أو ترحيل الأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة. وأنّه يجب إعادة السكان الذين تم إجلاؤهم أو نقلهم من قبل دولة الاحتلال إلى مواطنهم بمجرد توقف الأعمال العدائيّة.
واعتبر نظام روما الأساسيّ للمحكمة الجنائيّة الدوليّة تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء دون تبرير بضرورة عسكريّة، “جريمة حرب”، كما يعتبر إبعاد السكان أو النقل القسريّ “جريمة ضد الإنسانية” إذا ارتكب في إطار هجومٍ واسعٍ النطاقِ أو منهجيّ.
تحظر المادة 50 من القانون الدوليّ الإنسانيّ تدميرَ ما وصفته بممتلكاتِ الخصم أو الاستيلاء عليها، ووفقاً لذلك لا يمكنُ تبرير أعمال الهدم والاستيلاء في جبل عقيل؛ لأنّ الأهالي لا يمكن وصفهم بالعدو، بل تدّعي دولة الاحتلال التركيّ أنّها حررت المدينة ودعمت الأهالي، كما أنّ المدينة لم تشهد منذ شباط 2017 أيّ معاركَ لتبرير استمرار الاستيلاء والهدم بالضرورة العسكريّة.