روديا عبدو
في تاريخ الشعوب، تبرز شخصيات استثنائية تتجاوز حدود زمنها، وتتحول إلى رموزٍ خالدةٍ في الذاكرة الجماعية. ومن بين هذه الشخصيات، تقف “حبسة خان نقيب” كواحدة من أبرز النساء الكرديات اللواتي صنعنَ تحولاً حقيقياً في مسار المجتمع، وفتحن أبواباً جديدة أمام المرأة في زمنٍ كان حضورها فيه محدوداً.
النشأة والجذور
وُلدت حبسة خان نقيب عام 1891 في مدينة السليمانية، ضمن عائلة كردية مرموقة ذات مكانة دينية واجتماعية عالية. فهي ابنة معروف البرزنجي، الذي كان يحمل لقب “النقيب”، ومن هنا جاءت تسميتها بـ”حبسة النقيب”، كما أنها ابنة عم الشيخ محمود الحفيد، أحد أبرز القادة الكرد في تلك المرحلة. نشأت في بيئة جمعت بين النفوذ الاجتماعي والوعي الثقافي؛ ما ساهم في صقل شخصيتها القيادية مبكراً، وزاد من إدراكها لدور المرأة وأهميته في المجتمع.
لم تكن حبسة خان امرأة عادية، بل امتلكت شخصية قوية، وإرادة صلبة، وشجاعة نادرة في زمن كانت فيه النساء يعانين من التهميش. عُرفت بذكائها وحكمتها، وبقدرتها على اتخاذ مواقف حاسمة في القضايا الاجتماعية والإنسانية. وقد حولت منزلها إلى ملجأ للنساء المعنفات والمظلومات، حيث كانت تستمع إلى مشاكلهن، وتعمل على حلها، مقدمة الدعم المعنوي والمادي لهن، في خطوةٍ تُعد من أوائل أشكال العمل النسوي المنظم في المنطقة.
تأسيس أول جمعية نسوية
آمنت حبسة خان بأن التعليم هو الأساس الحقيقي لتحرير المرأة، ولذلك كرّست جهودها لنشر التعليم بين الفتيات، فقامت بتحويل منزلها إلى مدرسة لتعليم البنات القراءة والكتابة، في وقت كان فيه تعليم المرأة أمراً غير مألوف في المجتمع. وقد تطورت هذه المبادرة لاحقاً لتصبح نواة التعليم النسوي في كردستان، حيث أُلحقت المدرسة بوزارة التربية؛ ما يعكس مدى تأثير مشروعها على الواقع التعليمي والاجتماعي. في عام 1930، قامت حبسة خان بخطوةٍ ثورية حين أسست أول جمعية نسوية كردية، هدفت إلى الدفاع عن حقوق المرأة، ورفع مستوى وعيها، وتعزيز دورها في المجتمع.
لم تكن هذه المبادرة مجرد نشاط اجتماعي، بل كانت إعلاناً واضحاً عن بداية حركة نسوية منظمة في كردستان، بل وفي الشرق الأوسط عموماً، في وقتٍ كانت فيه مثل هذه المبادرات نادرة للغاية.
حضورٌ سياسي وإنساني
لم يقتصر دور حبسة خان على العمل الاجتماعي، بل امتد إلى المجال السياسي، حيث دافعت عن حقوق الشعب الكردي، ووجهت رسائلٍ إلى “عصبة الأمم” مطالبة في الاعتراف بحقوقهم القومية. كما دعمت جمهورية مهاباد عام 1946، وقد حظي هذا الدعم بتقديرٍ كبير من قادتها. إلى جانب ذلك، عُرفت بمواقفها الإنسانية، مثل دعمها للسجناء والمحتاجين، وتعاملها معهم بروح الأم والمسؤولة.
إرثٌ خالد
توفيت حبسة خان نقيب في 12 نيسان عام 1953 بعد صراع مع المرض، لكنها تركت خلفها إرثاً غنياً من النضال والعمل الاجتماعي. لم تكن مجرد شخصية تاريخية، بل كانت مشروع نهضة متكامل، ساهم في تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة، ورسّخ فكرة أن المرأة قادرة على القيادة وصناعة التغيير.
تمثل “حبسة خان نقيب” نموذجاً حيّاً للمرأة التي كسرت القيود، وواجهت التقاليد، وأسست لوعيٍ جديدٍ قائم على التعليم والحرية والعدالة. إنها ليست فقط جزءاً من التاريخ الكردي، بل رمزٌ إنساني عالمي لكل امرأة تسعى إلى التغيير.