دجوار أحمد آغا
في 26 نيسان 2025، انعقد في مدينة قامشلو بمقاطعة الجزيرة “كونفرانس وحدة الموقف والصف الكردي” بمشاركة واسعة تجاوزت 400 شخصيةً تمثل الأحزاب الكردية في سوريا من أحزاب الوحدة الوطنية الكردية التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي، وأحزاب المجلس الوطني الكردي، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، وحركة المرأة، والفعاليات المجتمعية المستقلة، وممثلين عن قوى وأحزاب كردستانية من إقليم كردستان – العراق وباكور كردستان. جاء الكونفرانس بعد حوارات مكثفة وجهود مشتركة ساهم فيها أصدقاء الشعب الكردي خاصة الأمريكان والفرنسيين، وفي مرحلة تاريخية عقب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024. اعتمد المشاركون “وثيقة الرؤية السياسية المشتركة” بالإجماع، وتقرر تشكيل وفد كردي مشترك للحوار مع دمشق والأطراف الدولية. بعد مرور عام كامل، نُقيّم في هذا التقرير أهمية الحدث، مخرجاته، الدعم الذي حظي به، الإنجازات والعراقيل، وما يُطلب اليوم للحفاظ على زخمه.
أهمية انعقاد الكونفرانس
يمثل الكونفرانس خطوةً تاريخية نادرة في تاريخ الحركة الكردية في سوريا، إذ جمع لأول مرة منذ سنوات طويلة أبرز التيارات الكردية على رؤية سياسية موحدة في ظل التحولات السورية الكبرى. جاء في سياق إسقاط نظام استبدادي استمر على مدى عقود من الزمن، وأدى إلى تدمير البلاد وتهجير الملايين من المواطنين، مع تضحيات كردية جسيمة (عشرات الآلاف من الشهداء وجرحى الحرب في مقاومة النظام ومحاربة الإرهاب منذ انتفاضة قامشلو 12 آذار 2004 وصولاً الى ثورة 19 تموز 2012). تكمن أهميته في تحول الخلافات الكردية – الكردية إلى فرصة وحدة، وتقديم رؤية واقعية تتوافق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وحرية المرأة، وتساهم في استقرار سوريا ككل. كما أنه أرسى مرجعية كردية مشتركة قبل أي حوار وطني شامل؛ ما يعزز موقع الكرد في المفاوضات المستقبلية.
أبرز ما تبنّاه الكونفرانس سوريّاً وكرديّاً
كان الهدف الأساسي من وراء عقد الكونفرانس، صياغة موقف كردي موحد حول بناء سوريا الجديدة، وحل القضية الكردية ضمن إطار الوحدة الوطنية السورية بعيداً عن التقسيم أو الانفصال، وهذا ما ذهبت إليه مُخرجات الكونفرانس، فقد أكدت الوثيقة الختامية التي اعتمدها الكونفرانس على أن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات، بنظام حكم برلماني لا مركزي (بغرفتين)، تداول سلمي للسلطة، فصل السلطات، وتوزيع عادل للثروة والسلطة، أما بالنسبة للكرد، فدعت إلى الاعتراف بهم كشعب أصيل، توحيد مناطقهم كوحدة إدارية متكاملة في إطار سوريا اتحادية، اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب العربية، إلغاء التغيير الديمغرافي (مثل مشروع الحزام العربي)، عودة المهجرين (من عفرين، كري سبي، وسري كانيه)، إعادة الجنسية للمجردين بموجب إحصاء 1962، وتخصيص نسبة من عائدات الثروات المحلية للتنمية.
الحاضنة الكردستانية
حظي الكونفرانس بدعمٍ كردستاني واسع غير مسبوق، خاصةً من جانب الطرفين الرئيسيين في الحركة الكردستانية، ونقصد هنا الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ العراق، ومنظومة المجتمع الكردستاني. وكان الجنرال مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية قد أجرى عدة لقاءات على الصعيد الكردستاني قُبيل انعقاد الكونفرانس، حيث التقى رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني وذلك مع مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني – العراق، حيث أشاد الجانبان بأهمية الوحدة الوطنية الكردية. وقد اعتبر مسعود البارزاني هذه الخطوة في عقد الكونفرانس بمثابة ضمانة لحقوق الكرد في سوريا، هذه الحاضنة الكردستانية التي تمثلت في مشاركة ممثلين عن هذه القوى الرئيسية بالإضافة إلى ممثلي الأحزاب الكردستانية في باكور أمثال DEM، BDP، وكذلك مشاركة ممثلي الاتحاد الوطني الكردستاني، ساهمت في إضفاء شرعية إقليمية على الكونفرانس، وتعزيز التنسيق الكردستاني العابر للحدود، خاصةً في مواجهة التحديات المشتركة مثل الضغوط التركية والسوريّة على حدٍ سواء.
الدعم والالتفاف الشعبي
شهد الكونفرانس التفافاً شعبياً كردياً ملحوظاً، حيث شارك فيه ممثلون عن العشرات من تنظيمات المجتمع المدني، منظمات معنية بشؤون المرأة، منظمات شبابية، دينية، ثقافية، بالإضافة الى فعاليات مجتمعية وشخصيات وطنية من مختلف المناطق الكردية (الجزيرة، كوباني، عفرين، حلب، دمشق)، كما حضرها ضيوف من الخارج بالإضافة إلى الأصدقاء الفرنسيين والأمريكيين الذين كان لهم دوراً كبيراً في الوصول إلى عقد هذا الكونفرانس التاريخي. الجميع كان متسمّراً أمام شاشات التلفزة لمتابعة مجريات الكونفرانس الذي حظي بتغطيةٍ واسعة من وسائل الإعلام الكردي بمختلف توجهاتها, الحدث أثار صدى إيجابياً واسع في المجتمع الكردي، الذي عانى عقوداً من التهميش والانقسام. وأكدت الفعاليات الشعبية أن الوحدة الكردية هي الضمان الوحيد لحماية الحقوق في سوريا الجديدة؛ مما عزز الثقة العامة بالعملية السياسية الكردية.
أهم وأبرز مُخرجات الكونفرانس
خرج الكونفرانس بوثيقة تاريخية تؤكّد على وحدة الموقف والصف الكردي وتبين الأهداف التي تسعى إليها القوى الكردية المشاركة سواء على الصعيد الوطني السوري، وقد اتفق المجتمعون على ما يلي:
ـ اعتماد «وثيقة الرؤية السياسية المشتركة» بالإجماع.
ـ التأكيد على أن سوريا دولة ديمقراطية لا مركزية برلمانية متعددة المكونات.
ـ توحيد المناطق الكردية كوحدة إدارية في إطار اتحادي.
ـ ضمان الحقوق القومية (لغة، ثقافة، تعليم، تمثيل سياسي).
ـ إلغاء السياسات التمييزية والتغيير الديمغرافي، وعودة النازحين.
ـ تشكيل وفد كردي مشترك للحوار مع دمشق.
تشكيل الوفد الكردي المشترك
تأتي أهمي تشكيل الوفد المشترك أو الموحد والتي جرت في حزيران 2025، كونه يُشكل خطوةً في الاتجاه الصحيح وتمثيل الكرد بوفد موحد في التفاوض مع الحكومة المؤقتة. أُعلن عن أسماء أعضاء الوفد الكردي المشترك برئاسة مشتركة (بروين يوسف ومحمد إسماعيل). ضم ممثلين عن المجلس الوطني الكردي وأحزاب التحالف الوطني المشاركة في الإدارة الذاتية الى جانب ممثلين عن القوى غير المشاركة في الطرفين. اجتمع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد مع أعضاء الوفد المشترك، حيث تم تكليفه بترجمة الرؤية التي خرج بها الكونفرانس إلى واقعٍ سياسي، والتواصل مع الحكومة المؤقتة والأطراف الدولية.
أسباب تأخّر لقاء الوفد مع الحكومة المؤقتة
رغم مرور أكثر من عشرة أشهر على الإعلان عن تشكيل الوفد وأسماء أعضائه، إلا أن الحكومة المؤقتة حتى اليوم لم تُحدد موعد لاستقبال الوفد وهي تماطل بشكلٍ مستمر. على الرغم من إرسال الوفد عدة رسائل وطلبات متكررة للقاء رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، لكن الترتيبات تأجلت مراراً وتكراراً، والحجة دائماً كانت “لأسباب تتعلق بالمواعيد الرئاسية”، هذا التأخير والمماطلة من جانب الحكومة المؤقتة ورئيسها في استقبال الوفد الكردي الموحد، أثار إحباطاً كردياً، وأدى إلى شكوك جدية حيال دمشق في التعامل مع الموقف الكردي الموحد.
ذهاب وفد من المجلس الوطني الكردي بمفرده ولقاء الشرع والشيباني ودلالاته
خلال 2-3 شباط 2026، زار وفد من هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي (برئاسة محمد إسماعيل) بمفرده لدمشق، حيث التقى وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة أسعد الشيباني ثم رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع. وبحسب ما صرح به رئيس الوفد، فقد أكد اللقاء على وحدة الأراضي السوريّة، وحقوق الكرد ضمن المواطنة المتساوية، ومرسوم رقم 13 الخاص بحقوق الكرد، حيث رحب الوفد بالمرسوم، وطرح رؤية المجلس لتثبيت الحقوق دستورياً. أما دلالات هذه الزيارة المنفردة فهي تعكس رغبةً دمشق في التعامل مع الأطراف الكردية بشكلٍ منفصل؛ ما يُضعف الوفد المشترك. أثارت هذه الزيارة انتقاداتٍ داخلية كردية، وأعادت إلى الواجهة مخاوف الانقسام. مع أن المجلس أكّد على التزامه بمخرجات الكونفرانس، لكن هذا اللقاء المنفرد ومن ثم زيارات مماثلة لوفود من المجلس إلى عفرين وسري كانيه بشكلٍ إفرادي، انعكست على الموقف الكردي الموحد وجعلت بعض الثقة في الوحدة تتآكل.
أهم الإنجازات إلى الآن
نجح الكونفرانس في تحقيق عدة إنجازات ملموسة شكلت نقلة نوعية في العمل السياسي الكردي بعد سقوط النظام السوري السابق. أبرزها:
ـ توحيد الموقف الكردي بهذا الحجم لأول مرة منذ سنوات طويلة، حيث جمع تيارات متناقضة سابقاً تحت رؤية سياسية مشتركة؛ ما أنهى حالة الانقسام الذي استغله الخصوم لعقودٍ.
ـ كما أنتج «وثيقة الرؤية السياسية المشتركة» التي أصبحت مرجعية أساسية لأي حوار وطني أو دستوري، وأُقرت بالإجماع كأرضية للحل السياسي ضمن إطار سوريا موحدة ديمقراطية لا مركزية.
ـ شكّل الوفد المشترك آلية تنفيذية فعالة، رغم التأخير في عمله، إذ أصبح ممثلاً رسمياً للموقف الكردي أمام دمشق والمجتمع الدولي.
ـ تعزيز التنسيق الكردستاني الإقليمي بشكلٍ غير مسبوق من خلال مشاركة قوى من إقليم كردستان – العراق وباكور كردستان؛ ما أضفى بُعداً إقليمياً على المطالب الكردية السورية.
ـ أخيراً، أبرز الكونفرانس الكرد كشعبٍ شريك أساسي في بناء سوريا الجديدة، حيث أدى إلى صدور مرسوم رئاسي رقم 13 في كانون الثاني 2026، الذي اعترف بحقوقهم الثقافية واللغوية، وفتح الباب أمام عودة المهجرين وإعادة الجنسية ـ وإن كان خطوة أولية ـ ما عزز الثقة الشعبية وأعطى زخماً للحملات الشعبية المؤيدة للوحدة.
أبرز الصعوبات والعراقيل
رغم الإنجازات التي تم تحقيقها، إلا أن الكونفرانس ومخرجاته؛ واجه عقبات جدية أعاقت التنفيذ الكامل بعد مرور عام. أبرز هذه الصعوبات
ـ إعادة ظهور الانقسامات الكردية – الكردية، كما تجلى في اللقاء المنفرد لوفد المجلس الوطني الكردي مع الشرع والشيباني في شباط 2026، الذي اعتبره البعض تراجعاً عن الوفد الموحد وفتح الباب أمام سياسة «فرّق تسد» من قبل دمشق.
ـ استمرار مماطلة الحكومة المؤقتة في استقبال الوفد المشترك رسمياً، رغم الاتفاقات الأمنية مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في كانون الثاني 2026، ما أثار شكوكاً حول جدية دمشق في التعامل مع الموقف الكردي ككل.
ـ الضغوط التركية المستمرة والتحديات الأمنية في المناطق الكردية، التي حدت من حرية الحركة السياسية وأثرت على التنسيق الداخلي.
ـ تأخير العملية الدستورية الشاملة على المستوى الوطني؛ ما أبقى المطالب الكردية معلقة.
ـ بالإضافة الى تحديات التنسيق بين الأحزاب السياسية والإدارة الذاتية، وعدم تنفيذ كامل لبعض المطالب الأساسية مثل إلغاء التغيير الديمغرافي بشكلٍ جذري أو ضمان توحيد المناطق إدارياً، كذلك أدت الظروف الاقتصادية الصعبة والتوترات الأمنية إلى إضعاف الزخم الشعبي تدريجياً، رغم الالتفاف الأولي. 
ما المطلوب الآن بعد مرور عام؟
بعد مرور عام على انعقاد هذا الكونفرانس التاريخي، يتوقع الكرد كشعبٍ حيّ مناضل ومقاوم من أجل وحدته وحريته، من القوى السياسية التي شاركت في الكونفرانس أن:
ـ تعمل بقوة على تنفيذ مخرجاته وتفعيلها عملياً من خلال تفعيل اللجان المشتركة (سياسية، إعلامية، قانونية، علاقات خارجية) التي نصَّ عليها الكونفرانس لتمثيل الموقف الكردي الموحد.
ـ ممارسة الضغط السياسي والتفاوضي مع دمشق عبر إحياء الوفد المشترك للتفاوض حول الرؤية السياسية، خاصةً في سياق الدستور الجديد والحكم الانتقالي.
ـ ضرورة ربط النضال الكردي بالنضال السوري الوطني، مع التأكيد على أن الحقوق الكردية جزء من بناء سوريا ديمقراطية تعددية.
ـ تعزيز الدعم الشعبي والمجتمعي ضمن إطار تنظيم ندوات ولقاءات جماهيرية تحت شعار “كونفرانس 26 نيسان” لترسيخ الشرعية الشعبية وتعبئة الرأي العام الكردي.
ختاماً يمكننا القول وبكلِّ وضوح
إن مجرد انعقاد كونفرانس بهذا الحجم ومباركة شعبية وكردستانية إقليمية، يعتبر إنجازاً تاريخياً كبيراً أرسى معالم أسس الوحدة الكردية في أدق اللحظات السورية. بعد عام، نجح في رسم الطريق، لكنه يواجه تحديات التنفيذ والمماطلة. إن الحفاظ على الزخم يتطلب إرادة جماعية كردية ووعياً وطنياً سورياً بأن حل القضية الكردية جزء أساسي من استقرار سوريا الديمقراطية الموحدة. الوحدة ليست خياراً، بل ضرورة تاريخية لضمان حقوق الشعب الكردي وحقوق كل السوريين. نجاح هذه الوحدة لن يُقاس بالمؤتمرات والكونفرانسات وحدها، بل بقدرة الأطراف الكردية والسورية على تحويل الرؤى إلى واقع دستوري يضمن الحقوق للجميع دون إقصاء. سوريا الجديدة تحتاج إلى جميع أبنائها، والكرد أثبتوا بالقول والفعل بأنهم أبناء سوريا قلباً وقالباً، سوريا ديمقراطية، تعددية، تضمن حقوقهم المشروعة كشعبٍ يعيش على أرضه منذ آلاف السنيين. يبقى الأمل بأن تكون هذه الذكرى السنوية بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار والشراكة الحقيقية.




