No Result
View All Result
أحمد عبدالرؤوف
تشتهر شعوب ومكونات مقاطعة الجزيرة بعاداتٍ خاصّة تحمل إرث الأجداد، ويُعتبر الحفاظ عليها قيمة متوارثة من جيل إلى جيل، وفيما هو معروف؛ فإن الأمثال الشّعبيّة تُعتبر ذاكرة راسخة وموروثاً عظيماً تُذكر في كل المناسبات على شفاه الشّيوخ والمهتمّين بالقصص الشعبية وتاريخها ولاسيما تلك التي ترتبط بحدثٍ تاريخي معيّن أو بتسمية قبيلة أو قرية أو حي، وعليه مازال أهل الحكمة يتناقلونها، ويحاولون الإفادة من قيمتها، وفيما يلي قصّة مثلٍ شعبي انتشر على ألسنة أهل الجزيرة، وتناقله الرّواة بأكثر من مقام وهو المثل القائل “الشجاعة يوم والكرم دوم”.
وفي حوار خاص لصحيفتنا “روناهي” مع الخبير بالأنساب والأمثال الشعبية الشيخ “نصر الدين الخضر أبو المثنى” أشار إلى أن قصّة هذا المثل الشعبي الرائج لدى مختلف القبائل وتحديداً في الجزيرة السّورية تعود لحكاية شيخ عشيرة مشهور بالكرم والشجاعة والعدل، وكانت عادة شيوخ القبائل آنذاك الاهتمام بصفات كل من يعمل عندهم، فلا تلحقهم منه سبّة أو عار بذنب يقترفه عن قصد أو جهل، فلا يعمل عندهم ذوو الجهالة، كما لا يتهاونون مع من لا أصل له، ولا يقف على خدمتهم وخدمة ضيفهم إلا ذو عقل وفطنة ترافقها فصاحة اللسان ولباقة المنطق وشدّة الصدق وحسن المظهر.
فكان “ذياب” خادم الشيخ يقف في مضافته التي يرتادها شيوخ القبائل الأخرى وأهل الحل والعقد من قبيلته وذوو الرأي والشّورى وكل طالب حاجة وضعيف الحال ومن لا ظهير له، وعليه كان الخادم “القهوجي” فطناً يميّز الرجال ويعلم كريمهم ولئيمهم ممّا ورثه بفطنة أهل البادية وممّا اكتسبه من مضافة شيخه صاحب الدّار.
ويتابع الشّيخ “أبو المثنى” أنه في يوم من الأيام خرج شيخ القبيلة لبعض شؤون قبيلته وغاب أياماً عن الحمى، ونزل في مضافته ثلاثة أشخاص يقصدون الشيخ دون سواه، وكان مظهرهم يشير إلى رفعة منزلتهم في قومهم وأهلهم، وكان “ذياب” لا يفارق عمله في مضافة شيخ القبيلة، ويستقبل الضّيف في غيبة سيّده فيحفظها، ولا يجوز أن يقصّر في واجب من واجباته حيال ذلك، رحّب “ذياب” بالضيوف الثلاثة وأدخلهم مضافة شيخ القبيلة، وراح إلى مكانه من المضافة الذي يجب أن يبقى به وهو موقد النار الذي عادةً ما تُجهّز القهوة فيه، وذلك لما للقهوة من رمزيةٍ كبيرة عند العرب في إكرام الضيف، وربّما نستطيع أن نخصّص في مقامٍ آخر بحثاً كاملاً عمّا يتعلّق بدلالات القهوة وأحوالها عند العرب.
جلس “ذياب” إلى موقد القهوة يقلّبها ليقدّمها للضيوف الثلاثة وقد اختلطت عليه مقاماتهم، وهو يحدّث نفسه: لمن يقدّم القهوة أولاً؟ وهنا يؤكد الشيخ “أبو المثنى البجاري” على أهمية التفاصيل الدقيقة والتي ربما تفتح الباب لقطيعة أو حرب بين قبيلتين في ذلك الزمان لشدّة الاعتداد بالنفس وقوّة العزيمة ورفض الإهانة.
استشعر الضيوف الحرج الذي انتاب “ذياب” وهو يطيل غلي القهوة على موقده، ولأن أهل البادية يتميّزون بتلك الفطنة التي تحدّثنا عنها لم يخفَ على الضّيوف معرفة ما يدور بذهن “ذياب”، فقرّروا أن يخرجوه من حيرته بأن يعرّف كل واحد منهم عن نفسه ببيتٍ من الشّعر الشعبي “العتابة”، فإن فهم هو أزالوا عنه حرجه، وإلا فهو لا يستحق ذلك فقال أولهم:
“سو ما يصبغ على الصين يا ذياب
وجدّمْ دلال كالبطاط المحاديب
حمسه وصبّه لگواد النشامى على الجناب
يلي بمفرسه يشبع به النسر والذيب”
وهنا يتوقّف قليلاً الشيخ “أبو المثنى” على مفردات هذا النص فيقول: “حملت هذه “العتابة” مفردات بدوية جزلة أشارت إلى فنجان القهوة الذي صُنع في الصين، كما تضمّنت دلالات يفهمها اللبيب إلى من يقدّمه قومه في السراء والضراء.
وقال الثاني:
“سو ما يصبغ على الصين يا “ذياب”
وجدّم دلال كالبطاط المحاديب
حمسه وصبّه للي لي خلط الزمن ظبظاب
فداي عمره عند زمل بنات الرعابيب”
ويضيف هنا “أبو المثنى” بأن هذا البيت حمل معاني النخوة والتضحية والرجولة إذا اشتدت المعركة على قومه، واستنجدت به النساء.
وقال الثالث:
“سو ما يصبغ على الصين يا “ذياب”
وجدّم دلال كالبطاط المحاديب
حمسه وصبّه للي لي لفنّه على الركاب
يلي كسر بيته تقول گصاصيب”.
وهنا يتابع “أبو المثنى” بأن هذا البيت يجسّد معاني الكرم بأبهى صوره الأمر الذي يضع “ذياب” في حيرة أكبر حين وجد نفسه أمام ثلاث صفات في ثلاثة رجال تقدّم كل صفة ذاتها على الأخرى بإلحاح كبير.
حسم “ذياب” أمره وقام وهو مدرك تماماً بمن سيبدأ متوجّهاً إلى الثالث صاحب الكرم مفضّلاً إياه على صاحبيه، وقدّم له القهوة أولاً، فلم يَرُق ذلك لصاحب الفروسية والشجاعة الأول، ومن وصف نفسه على أنه حامي أعراض قبيلته الثاني، فعاتباه بشدّة بأي تقييم قدّمت صاحبنا الذي لم تبلغ صفاته من صفاتنا شيئاً، فقالا له: إنا وإياك إلى قاضٍ حكيم ينصفنا، فقد اقترفت ذنباً لا يُغتفر، وستنال جزاء ما أسأت من حيث أردت أن تصلح، قال لهم “ذياب”: لكم ما تريدون وهو يعلم تماماً أنه إن كان قد أخطأ فقد كلّفه الخطأ ربما حياته.
لم تنتهِ ضيافة الضيوف الثلاثة حتى عاد الشيخ صاحب الدار إلى داره، واحتفى بضيوفه وأكرمهم، لكنه رأى في وجه اثنين منهما الكراهة، فأخبراه بما جرى، وطلبا منه أن ينصفهما، فقال لهما الشيخ: “لن تخرجوا من داري وقد حلّت بكم مظلمة أعجزتني”، سأل خادمه “ذياب” عن مظلمة ضيفيه فأقر بما فعل، طلب الضيفان المتظلّمان أن يحدّدوا موعداً عند عرّافة مشهور في البادية، ولا تخفى عليه فنون الكلام ومراميها وأصل دلالاتها وكل سراديبها التي يملك مفاتيحها جميعاً ويرضى به المختصمون، رضي “ذياب” والضيفان به وانطلقا برفقة الشيخ المضيف الذي هو بطبيعة الحال الضمين بحق ضيوفه عند خادمه أيّاً كان الحق الذي سيطلبانه إن طال الأمر إليهما فيما اختصما به مع خادم مضافة الشيخ.
وصل الجميع إلى العرّافة في الموعد المحدّد، ليدلي كلٌّ بما لديه، تقدّم الضيوف الثلاثة بحُجّتهم وأعادوا الأبيات على مسمع العرّافة والحضور، فالتفت العرّافة إلى “ذياب” وسأله: ما قولك فيما تقدّموا به؟
قال: صدقوك ما قالوا أيها الشيخ الجليل.
قال العرّافة: لما قدّمت الثالث على صاحبيه وهما ما هما كما ورد في قوليهما عن نفسيهما ويشهد بذلك قومهم؟
قال “ذياب”: إني أشهد كما يشهد قومهم بأن الأول كما وصف نفسه فارس قومه ومقدامهم والثابت على الحق، وأن الثاني كما وصف نفسه حامي العرض وباذل المهجة في سبيل الذود عن أهله وصاحب المروءة والنخوة.
لكنّني أيها العرّافة بما خبرت من الرجال وإن كنت ساقياً للقهوة في مجلس شيخ القبيلة فقد رأيت الشجاعة يوماً في الرجال إذا أز أزيزها وحان موعدها وألح طالبها، وهي فيهم كما وصفوا أنفسهم، وإني رأيت الكرم أيضاً بما خبرت دائماً لا ينقطع، متى جُبل المرء عليه صار لزاماً عليه لا يفارقه وتكاليفه لا تنقضي بساعة الشجاعة التي تحضر ثم ينتهي موعدها وأجلها، وعليه فإني قدّمت صاحبهما الذي عرفت من قوله أنه صاحب كرم يبذل في سبيله كل ما يملك حتى أنه لم يعد يملك شيئاً على كثرة قاصديه، واختتم “ذياب قوله” بجملة “الشجاعة يوم والكرم دوم” فصارت هذه الجملة مثلاً شعبياً رائجاً منذ ذلك الحين ويُستخدم في هذا السياق إلى يومنا هذا.
ردَّ العرافة على مقتضي “ذياب” الضيفين الأول والثاني بأن ليس لكم عند الرجل مظلمة، فقد أنصف حين قدّم صاحبكما عليكما.
ويختتم الخبير بالأنساب والأمثال الشعبية الشيخ “نصر الدين الخضر أبو المثنى” بأن: “الحفاظ على مثل هذه العبر وترديدها يعيد للذاكرة الشعبية حضورها، والتي أحوج ما نكون لها اليوم في حفظ إرث الأجداد وثقافتهم وتراثهم، لنأخذ من أمسنا لغدنا ونضيف عليه من يومنا بدل أن نمحو تاريخنا وهويتنا الثقافية فنمسي بلا تاريخ ولا حاضر ولا مستقبل”.
No Result
View All Result