فرضت التحولات التي شهدتها المنطقة /سوريا، تركيا، العراق/ خلال العام الفائت تغيّرات جذرية وإعادة نظر وتعديل السياسات الداخلية والخارجية على حدٍّ سواء. ففي تركيا، التي كانت تتحسّب لمثل هذه السيناريوهات، فقد داهمتها هواجس القلق، وراحت تتحرّك شرقاً وغرباً، في محاولة لتجنّب لهيب الأزمات المتصاعدة من حولها، والخروج بأقلِّ الخسائر الممكنة.
في 22 تشرين الأول 2024، خرج زعيم حزب الحركة القومية التركي، دولت بهجلي، بدعوةٍ لافتة دعا فيها القائد عبد الله أوجلان، المعتقل في سجن إمرالي منذ سبعةٍ وعشرين عاماً، إلى مخاطبة البرلمان التركي. وفي المقابل، جاء ردُّ القائد عبد الله أوجلان سريعاً ومفصلياً، إذ أطلق في 27 شباط عام 2025 “نداءً من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي”، دعا فيه حزب العمال الكردستاني إلى إنهاء مرحلة الكفاح المسلح، والانتقال إلى العمل السياسي ضمن الأطر الديمقراطية والقانونية. وقد استجاب الحزب لهذه الدعوة، واتخذ خطوات عملية باتجاه تنفيذها، في مشهدٍ اعتُبر تحوّلاً تاريخياً في مسار الصراع.
غير أنّ إنجاح هذا المسار لا يمكن أن يتحقّق من طرفٍ واحد، إذ يتطلّب من الدولة التركية جملة من الالتزامات الجوهرية، في مقدّمتها تطبيق “حقّ الأمل” المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي يتيح الإفراج عن السجناء الذين أمضوا حدّاً أقصى يبلغ خمسةً وعشرين عاماً خلف القضبان، وهو شرط ينطبق على القائد أوجلان. كما يقتضي الأمر الإفراج عنه لتمكينه من أداء دورٍ محوري في إنجاح هذه العملية، والانخراط المباشر في مفاوضات جدّية تفضي إلى حلٍّ جذري للقضية الكردية.
لقد تجاوزت مبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي مرحلة الشعارات، وأصبحت في حاجةٍ ماسّة إلى الانتقال نحو التطبيق العملي، خاصةً بعد إعلان إنهاء مرحلة الكفاح المسلح وتنظيم مراسم رمزية لإحراق السلاح. إلا أنّ الدولة التركية، في المقابل، لم تُقدِم حتى الآن على أي خطوةً ملموسة تُذكر، بل تبدو وكأنها تمارس سياسة المماطلة والتسويف. وهكذا، دخلت عملية السلام في تركيا مرحلة من الجمود، وسط غياب مؤشرات جدّية على تسريع وتيرة الإصلاح الديمقراطي، الأمر الذي يضع المسؤولية المباشرة على عاتق السلطة الحاكمة.
إنّ هذه العملية تتطلّب إجراءات تشريعية عاجلة، ويقع على عاتق البرلمان التركي دوراً محورياً في تحويل مسار السلام إلى واقعٍ ملموس، عبر سنّ القوانين اللازمة وترسيخ الضمانات القانونية. غير أنّ المؤشرات الراهنة توحي بأنّ أنقرة لا تُبدي الحماسة الكافية لدفع هذه المرحلة إلى الأمام، ولا تُظهر جدّية حقيقية في استثمار هذه الفرصة التاريخية.
إنّ استمرار سياسة التعطيل، وما يرافقها من تسويف ومراوغة، يثير جملة من التساؤلات المشروعة حول مدى جدّية الدولة التركية في حلّ القضية الكردية بالوسائل الديمقراطية. فالمطلوب اليوم ليس مجرّد تصريحاتٍ، بل خطوات عملية تبدأ بإصلاحات دستورية وتشريعية واضحة، مروراً بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الكرد، وصولاً إلى تهيئة مناخٍ سياسي واجتماعي يعزّز الثقة بين الشعبين الكردي والتركي.
وفي نهاية المطاف، فإنّ نجاح هذه العملية لا يقتصر أثره على الداخل التركي فحسب، بل يمتدّ ليشمل استقرار المنطقة بأسرها، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها التعايش والسلام الدائم بين شعوبها.