No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الضربات العسكرية أو بمساحة الأراضي التي تُسيطر عليها الأطراف المتصارعة، بل باتت تُقاس أيضًا بقدرتها على إرباك الاقتصاد العالمي وإعادة توزيع المخاطر خارج ساحات القتال. وفي هذا السياق، تمثل الحرب على إيران نموذجًا واضحًا لتحول طبيعة الصراعات من مواجهات محلية إلى أزمات دولية تمتد آثارها عبر الطاقة والتجارة والأسواق المالية وسلاسل الإمداد. فالمفارقة الأساسية في هذا الصراع إن الدول الأكثر تضررًا اقتصاديًا ليست بالضرورة الدول المنخرطة فيه عسكريًا، بل تلك الدول البعيدة عن مركز القرار، والتي لا تمتلك تأثيرًا مباشرًا على مسار الحرب أو نهاياتها. وبذلك، تتحول الحرب إلى أداة غير مباشرة لإعادة توزيع الأعباء الاقتصادية على أطراف لا تملك قرار الحرب ولا السلام. 
لقد كشفت الأزمة إن القوة لم تعد تعني فقط امتلاك الجيوش أو التفوق العسكري، بل القدرة على تحمّل الصدمات الاقتصادية، وتأمين الإمدادات، وحماية العملة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومراعاة الجوانب الانسانية، فالدول التي تمتلك احتياطيات كبيرة، وتنوعاً في مصادر الطاقة، وقدرةً على المناورة المالية، ستكون أكثر قدرة على الصمود. أما الدول المنكشفة اقتصاديًا فستدفع ثمنًا أكبر، حتى إن لم تطلق رصاصة واحدة.
فواحدة من المفارقات الخطيرة هنا تكمن في تداعيات الأزمة في التوترات المحيطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزءاً كبيراً من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، وأي اضطراب حتى ولو كان محدوداً في هذا الممر البحري ينعكس فورًا على أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين البحري، وحركة ناقلات النفط، وهو ما يفسر القفزات السريعة في الأسواق بمجرد تصاعد التوترات.
الأمر لا يقتصر على مسألة الإمدادات، بل يتعداه إلى ارتفاع كلفة النقل العالمي، وتأخير الشحنات، وإعادة رسم مسارات التجارة الدولية، بما يعني أن الحرب لا تتحرك بالدبابات فقط، بل عبر الموانئ وخطوط الملاحة والعقود الآجلة للطاقة.
وبطبيعة الحال، تقع دول الخليج في قلب دائرة التأثير رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا في الحرب، فالمنشآت النفطية، والموانئ التجارية، ومحطات تصدير الغاز، كلها بنى تحتية حيوية قد تصبح أهدافًا أو تتعرض لارتدادات التوتر الأمني، لكن الأكثر حساسية هو ملف المياه، إذ تعتمد عدة دول خليجية بصورةٍ كبيرةٍ على محطات تحلية المياه لتأمين الاحتياجات اليومية للسكان. وأي استهداف أو تعطيل طويل لهذه المنشآت قد يحوّل الأزمة من مسألةٍ اقتصادية إلى تحدي إنساني وخدمي واسع النطاق، وهو ما يعني أن الجغرافيا وحدها تجعل الخليج متأثرًا بالحرب، حتى لو لم يكن صانعًا لها. بجانب ذلك، تمثل الاقتصادات الآسيوية، وخاصةً الهند واليابان وكوريا الجنوبية، الحلقة الأكثر هشاشة أمام استمرار الأزمة، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، فارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعًا على معدلات التضخم، وكلفة الصناعة، وأسعار النقل الجوي والبري، كما يضغط على العملات المحلية ويُجبر الحكومات على زيادة الدعم أو تعديل السياسات النقدية. ومع استمرار الأزمة، تتحول الضغوط المؤقتة إلى اختلالاتٍ هيكلية في الموازنات والنمو الاقتصادي. وهنا تتجلى المفارقة أن دولًا بعيدة آلاف الكيلومترات عن ساحة الحرب قد تدفع اقتصاديًا أكثر من بعض أطرافها المباشرين.
فإذا واصلت أسعار الطاقة ارتفاعها، فإن الحكومات المتضررة ستلجأ إلى استخدام الاحتياطيات النقدية، أو بيع بعض الأصول الخارجية، أو توسيع برامج الدعم. وفي حال لجأت اقتصادات كبرى إلى تسييل جزء من حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، فقد تنتقل الأزمة من سوق الطاقة إلى الأسواق المالية العالمية، بما يشمل أسعار الفائدة والسيولة والاستثمار. وهنا يصبح الصراع الإقليمي أزمةً مالية دولية مكتملة الأركان.
ليس بعيداً عن ذلك، يقع البعد الإنساني في قلب دوائر التأثير الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط بما لا يقل أهمية عن الجوانب الجيوسياسية، لاسيما وأن ملايين العمال من بقية الدول العربية والإفريقية، وبشكلٍ أكبر جنوب آسيا ممن يعملون في دول الخليج تعتمد أسرهم وبلدانهم على تحويلاتهم المالية. ومع تعطل الرحلات وارتفاع تكاليف التنقل وتراجع النشاط الاقتصادي، يصبح هؤلاء أول المتضررين اجتماعيًا ومعيشيًا، رغم أنهم ليسوا طرفًا في النزاع، وهو ما يكشف أن الحروب الحديثة تضرب الفئات الهشة أسرع من ضربها للجيوش.
بشكلٍ عام، تؤكد الحرب المرتبطة بإيران أن الصراعات في القرن الحادي والعشرين لم تعد محصورة في حدود الجغرافيا العسكرية، بل أصبحت تنتقل عبر شبكات الاقتصاد العالمي، فالمعارك قد تقع في الخليج. لكن؛ آثارها تصل إلى مصانع آسيا، وموانئ أوروبا، وأسواق المال في الولايات المتحدة. ومن ثم، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط ما ستغيره في ميزان القوى الإقليمي، بل ما ستُعيد تشكيله في خريطة الهشاشة الاقتصادية عالميًا؛ حيث تتحمل الدول الأضعف والأبعد عن القرار الكلفة الأكبر لصراع لا تملك التحكم في مساره.
No Result
View All Result