السياسة الدولية تمر بمرحلة غير متزنة، ومضطربة، دون مصداقية، بما يترك العديد من إشارات الاستفهام حولها، نتيجة سياسة الدول الكبرى والفاعلة في قضايا العالم، التي تتجه نحو تحقيق مصالحها، على حساب شعوب العالم ومصالحها، فهذه الدول، تفعل ما تشاء ومتى ما أرادت حسب أجنداتها، فهي قادرة على تصنيف الخصوم والحلفاء، واتخاذ القرارات في أي وقت وزمن.
ومن أبرز، تلك الدول التي تلعب دورا هاما في جميع قضايا العالم، هي الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، حيث باتت القطب الأوحد، سمة بارزة منذ ذلك الحين، فتغيرت السياسة الخارجية الأمريكية، وأولويات أمنها القومي، مع تغيير الأدوات والمناطق، التي كانت تعدُّ من ثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية.
لقد غيرت أمريكا قواعد لعبتها، حتى تجاه حلفائها الأوروبيين، رغم وجود تحالفات عسكرية كحلف الناتو، خاصة في السنوات الأخيرة، فقررت الانسحاب من العديد من المنظمات والاتفاقيات المشتركة مع الاتحاد الأوروبي، التي كانت الدول الأوروبية تلتزم بها، عن طريق المنظمات الدولية والإقليمية، لكن، الولايات المتحدة الأمريكية، اختارت طريق العمل الخاص بها، تحت مبررات أمريكا أولاً.
وفيما يخص الشرق الأوسط، ومشاكله الكثيرة، والتغييرات التي تطرأ عليه بشكل متسارع، خاصة بعد الحرب على إيران، التي في جوهرها معركة كسر العظم للعديد من الدول من جهة، وأيضا فرض سياسة هيمنة جديدة على العالم، مدخله إضعاف إيران، أن لم يتم سقوطها، من جهة أخرى، الولايات المتحدة تحاول إعادة التموضع، للسياسة الخارجية الأمريكية، وتعمل على تغييرات جذرية في التحالفات الإقليمية والدولية أيضاً.
القوى الدولية الكبرى الأخرى، بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، تحاول من جهتها استقطاب الدول المحورية في الشرق الأوسط، في المرحلة الراهنة، لتحقيق الحد الأدنى من مصالحها، وبالفعل بدء ظهور ملامح تحالفات عسكرية، وأمنية، واقتصادية، جديدة في الشرق الأوسط، بإمكانها تغيير الكثير من المعادلات في المنطقة، ورغم سيطرة أمريكا على التوازنات في الشرق الأوسط والعالم، إلا إنها بحاجة لتحالفات تستطيع من خلالها تمرير سياساتها وتحقيق مصالحها، وهي تعي تماماً أن زمن بناء تحالفات وشراكات جديدة قد حان، وأن رسم الخرائط الجديدة في الشرق الأوسط، جاء وقت تنفيذه.
اليوم على الولايات المتحدة الأمريكية، أن تتعامل مع هذه التغييرات الجديدة، بحنكة سياسية غير مسبوقة، لأن أي خطأ قد تكلفها كثيراً، لذا، يجب أن تعتمد سياساتها على أسس من التعاون، لأن الضرورة لها أحكام، وأي تهور قد تعرض مصالحها الاستراتيجية لخطر كبير، قد تودي بخططها إلى الهاوية، وهذا ما لا يحبذه الشعب الأمريكي.
منطقة الشرق الأوسط، بؤرة للصراعات والحروب الطويلة، والعديد من دولها تعاني مشاكل وتحديات لا حصر لها، وهناك مخاطر تنتظر عددا من دولها، والولايات المتحدة والدول الكبرى، ستحاول الاستثمار في معادلات تلك الدول، وستبحث عن دول إقليمية تساهم في ترسيخ مكانتها، وبقاؤها كدول فاعلة في تحقيق مصالحها، وخاصة أن دوافع تلك القوى تتشابه، في قدرتها على التنافس، وبالمحصلة أمريكا ليست وحدها هي من تقرر، لأن حلبة الصراع ستشتد بين القوى، وفي النهاية من يستطيع التحكم في إدارة المنطقة سيكون الفائز.