القضية الكردية في سوريا، ليست وليدة اليوم، بل تعد إحدى القضايا الهامة والمصيرية، التي تحتاج إلى حلول جذرية لها، وخاصة أن الكرد السوريين، أصلاء ويمتد جذورهم في سوريا لقرون من الزمن، والأنظمة المتعاقبة على سوريا، وخاصة النظام البعثي البائد، همشت الكرد، ولم يسعوا يوماً لحل القضية الكردية في سوريا، بل عدتهم غرباء وأقلية، رغم تواجدهم التاريخي في بناء سوريا، والدفاع عنها، والتاريخ السوري مليء، بالشخصيات الكردية التي لعبت دورا بارزاً في سوريا.
مع بدء الأزمة في سوريا عام 2011، لم يتخلف الكرد عن الانخراط في مطالبة الشعب السوري، بالحرية والكرامة، وطالبوا بحقوقهم العادلة في سوريا ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، وأسسوا الإدارة الذاتية، التي أدارت مناطق روج آفا، منذ بدايات الأزمة، وحتى يومنا هذا وبكل اقتدار، ولكن النظام البعثي استمر بسياسة الإنكار والإقصاء بحق الكرد، ولم يستجب لمطالبهم العادلة، ورفض أي نقاش حول حل القضية الكردية، أو أي حديث عن الاعتراف بالإدارة الذاتية.
وبعد سقوط النظام السابق، ومعاناة الكرد الطويلة معه، وفي أواخر العام 2024، وبقرار دولي تسلمت جبهة النصر، زمام الأمور في دمشق، وأعلن عن أحمد الشرع رئيسا مؤقتا لسوريا، وبخصوص الكرد السوريين، أصدر مرسوما، اعتبر الكرد جزءًا أساسياً من الشعب السوري، وضمان حقوقهم الثقافية واللغوية، واعتبر المرسوم عيد نوروز الوطني الكردي، عيدا وطنياً للسوريين.
واعتبر الكرد بمختلف مشاربهم السياسية، المرسوم خطوة جيدة للبناء عليها، في تثبيت حقوق الكرد في الدستور السوري القادم، ويتطلب العمل على تطبيق بنود المرسوم على أرض الواقع، وتهيئة البيئة القانونية والسياسية، وضرورة عقد مصالحة للوحدة الوطنية السورية، كما يستوجب على الحكومة المؤقتة، إلغاء القوانين والتشريعات والمراسيم والإجراءات الاستثنائية السابقة، بحق الكرد.
وعلى رأس تلك التشريعات والقرارات الجائرة، إلغاء العمل بمشروع ما يسمى “الحزام العربي”، الذي أقر في العام 1966 ونفذ في 24 حزيران 1974، على أرض الواقع، الذي عمل على إصداره الملازم محمد طلب هلال، رئيس شعبة السياسية في الحسكة آنذاك، ما يسمى “الحزام العربي”، استهدف سلب أراضي الكرد الزراعية، المحاذي لحدود باكور كردستان، ووزع على المستوطنين العرب، الذين جاؤوا من الرقة وريف حلب، والتغيير الديموغرافي، للمنطقة كان الهدف الأساسي للمشروع.
على الحكومة المؤقتة في دمشق، وهي تعي تماماً، أن التعامل مع الكرد بمنطق القوة، لا يمكنه تحقيق النتائج المرجوة، وعليها الاستفادة من تجارب من حكموا سوريا سابقاً، حيث لم يستطيعوا القضاء على مطامح وآمال الشعب الكردي، ومطالبهم المشروعة، الأمر الذي يستوجب العمل على تهيئة الظروف، والاعتماد على الحوار والتفاهم، للتوصل للحلول المنطقية التي ترضي الأطراف.
اليوم، على الحكومة المؤقتة السورية، الانطلاق من منطق الوجود الكردي التاريخي، وثقافته ولغته الخاصة به، لأن اقصاء الكرد، وعدم الاعتراف بحقوقهم وتثبيتها في الدستور، سيبقي الحلول في سوريا معلقة، إلى أجل غير مسمى، وسيزيد فرص قيام صراعات وحروب جديدة في المنطقة، والمنطق يفرض اليوم، استغلال جميع الجهود للحلول السلمية، بما يخلق فرص السلام وبناء سوريا الجديدة، سوريا تعددية، ديمقراطية، موحدة، تحفظ فيها حقوق وكرامة السوريين.