في عهد النظام البعثي البائد، الذي حكم سوريا لعقود طويلة، رغم وجود دستور على الورق يعترف بحقوق كافة السوريين، في ممارسة حقوقهم الكاملة، كمواطنين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، إلا إن التطبيق على أرض الواقع، لم يكن يعكس نص الدستور السوري، نتيجة الحكم المركزي المشدد، واستخدام سياسة الحديد والنار، والتعامل الاستخباراتي، مع مختلف السوريين، وخاصة الشعب الكردي، الذي عانى الأمرين، مرة لأنه يعيش في سوريا، وأخرى لأنه كردي، وله خصوصيته التاريخية والثقافية واللغوية والجغرافية.
المشهد السياسي في سوريا، ومنذ تسلم آل الأسد سدة الحكم، تعاملوا مع الكرد، كأنهم مواطنون من الدرجة الخامسة، لا يحق لهم حتى التحدث بلغتهم الأم، وصدرت العديد من القرارات الجائرة بحقهم، كإحصاء 1962، الذي جرد الكرد من الجنسية السورية، وما سمي بالحزام العربي، الذي بموجبه تم الاستيلاء على أراضي الكرد، وتوزيعها على العرب القادمين من محافظتي الرقة وحلب، تحت مسمى غمر أراضيهم نتيجة غمر مياه سد الفرات.
لكن الهدف الأساس من الاستيلاء على الأرضي الزراعية الخصبة المحاذي للحدود التركية، كان أشمل وأعمق من مسألة تضرر هؤلاء من بناء سد الفرات وبحيرة تشرين، وبالدرجة الأولى كان الهدف التغيير الديمغرافي، والضغط على الكرد، لترك قراهم وإفراغ المنطقة من سكانها الأصليين، لكن ورغم الضغوطات الكبيرة، والتهديدات بالاعتقال والترحيل القسري، إلا إن الكرد صمدوا ولم يتركوا مناطقهم، وأراضيهم التي رووها بعرقهم.
هذه السياسات، تستمر حتى يومنا هذا، فبعد سقوط النظام البعثي، في أواخر العام 2024، كان هناك بوارق أمل في إعادة الحقوق لأصحابها، وكتابة دستور يتم فيه تثبيت حقوق الكرد، وكل السوريين، إلا إن القرارات والمراسيم التي صدرت من الحكومة المؤقتة، التي تسلمت زمام الأمور في دمشق، طغى عليها اللون الواحد، والذهنية الإقصائية الواحدة، واللغة الواحدة دون مشاركة الكرد فيها، فتركت إشارات استفهام، وأسئلة كثيرة لدى السوريين.
اليوم، حتى مع توقيع اتفاقية التاسع والعشرين من كانون الثاني، تحاول الحكومة المؤقتة، فرض آرائها والضغط على الكرد، للقبول بما تسير من حقوقهم، وتصريحات المسؤولين في الحكومة المؤقتة، في الكثير من المرات تصب الزيت على النار، لإفشال الاتفاقية، وخاصة التصريح الأخير للناطق باسم لجنة الرئاسة السورية، أحمد الهلالي، الذي أكد صراحةً أنه لن يبقى شي اسمة إدارة ذاتية في روج آفا، ولا حتى قوى الأمن الداخلي، والكل سيندمج مع الدولة السورية، ولن يكون هناك خصوصية للمناطق الكردية.
والخلاصة، التعامل مع القضية الكردية في سوريا، بهذه العقلية، إن استمرت، ستقود إلى تعقيد الأمور، وستحول دون تطبيق الاتفاقية، لذا على الكرد، أن يكونوا حذرين، في التعامل مع الحكومة المؤقتة، التي هدفها بالنهاية إخضاع الكرد، وكسر إرادتهم، عبر اتباع سياسة الشد والجذب، والمرونة في العديد من الأحيان، وينتظرون رد الكرد على ذلك. لذا؛ الحيطة والحذر وعدم التنازل عن الحقوق، أساس حصول الكرد على كامل حقوقهم، ولتثبيت الحقوق، يجب كتابة دستور جديد، أساسه العدل والمساواة، يعترف بالكرد كشعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، ويعيد حقوقهم التي سلبت منهم على مر التاريخ.