No Result
View All Result
حمزة حرب
بالتزامن مع التحولات التي تشهدها الساحة الإقليمية، والتي أفضت إلى تطورات دراماتيكية متسارعة عاد ملف مرتزقة داعش الإرهابي إلى الواجهة من جديد على وجه الخصوص عقب التطورات الميدانية التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا خلال الفترة الماضية، والتي أدت إلى هروب أعداد من هؤلاء المرتزقة من سجون سوريا ومراكز احتجاز كانت تأويهم إلى جانب مخيم الهول الذي أوى عوائل هذه العناصر لسنواتٍ طويلة وهو الأمر الذي يثير المخاوف مجدداً بشأن استغلال مرتزقة داعش حالة الفوضى الأمنية والارتباك السياسي في سوريا، ما دفعه لتكثيف اعتداءاته وإعادة ترتيب صفوفه، والخطر الذي بات يشكله هؤلاء على سوريا والعالم مجدداً.
داعش والترنح بين الانكسار ومعاودة الإحياء
كانت هزيمة داعش في حملة “الباغوز” في آذار لعام 2019 خطوةً للقضاء على ما عُرف باسم الخلافة المزعومة، ومع إن هذا النصر الميداني لقوات سوريا الديمقراطية أفقد مرتزقة داعش سيطرتهم الجغرافية إلا أنه لم يؤدِ إلى انتهاء خطر داعش تماماً، إذ ظل داعش طوال هذه السنوات نشطًا في المناطق الحدودية بين سوريا والعراق، إلى جانب توسيع نفوذه في دول أفريقيا وآسيا كما شن هجمات ضد أوروبا.
وتشير التقديرات الأمريكية في 2024 إلى بقاء نحو 2500 عنصراً نشط في سوريا والعراق، بينما ذكر تقرير لمجلس الأمن الدولي بقاء 3000 عنصر نشط في سوريا والعراق حتى آب 2025 ورغم فقدان داعش متزعميه وضعف العناصر المتبقية، إلا أنهم يتمتعون بالقدرة على الحركة، وتحديداً في سوريا خصوصاً بعد سقوط النظام وتغلغل معظمهم في صفوف قوى الأمن والدفاع للتمويه على نشاطهم وتحركهم.
وإلى جانب هذه الاحصائيات كان يتواجد أكثر من 10 آلاف مرتزق من داعش في 28 مركز احتجاز كانت تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، ومن بينهم أخطر متزعمي داعش إذ إن 64% منهم سوريون، و19% عراقيون، و17% أجانب من أكثر من 50 دولة فسجن الصناعة وحده والذي يعتبر أحد أكبر السجون التي يتواجد بها عناصر داعش، كان يضم ما بين 3 ـ 5 آلاف معتقل، ويقع في حي “غويران” بمنطقة “الحسكة”، وقد شهد اعتداءً عنيفاً عام 2022 في محاولة بائسة لإخراج هؤلاء.
لكن ورغم كل المحاولات التي باءت بالفشل في فتراتٍ سابقة أسفرت الاشتباكات الأخيرة بين قوات الحكومة المؤقتة وقوات قسد إلى فرار ما يقارب 1500 من عناصر داعش من سجن “الشدادي” بالحسكة حيث ذكرت الحكومة أنها ألقت القبض على نحو 80 عنصر مرةً أخرى.
وأوضحت تقارير هروب بعض العناصر إلى البادية السورية ومناطق حدودية بين مناطق “دير الزور والحسكة” والحدود العراقية، لكونها مناطق ذات تضاريس وعرة كما أشارت تقارير أممية إلى مخاوف من احتمالية فرار بعض العناصر الأجانب وعودتهم إلى بلدانهم في أوروبا، أو انتقالهم إلى دول مثل ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي وأفغانستان، حيث تتواجد مجموعات مرتبطة بداعش في هذه الدول.
مخاوف من عودة محتملة
تكشف الاعتداءات الأخيرة لمرتزقة “داعش” في بعض مناطق الجغرافيا السورية عن ترجيح عدد من السيناريوهات التي تلفت إلى ارتفاع منسوب خطر عودة الهجمات الإرهابية من جديد، ولا سيما في ظل مجموعة من الاضطرابات الأمنية داخل سوريا، فضلاً عن التناقضات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يسمح برفع درجة التوتر في المناطق الهشّة.
كما أن تلك العمليات تؤشر إلى جملة من الأمور، بعضها مرتبط بإخفاق الحكومة السورية المؤقتة في تحقيق مستوى من الاستقرار الأمني والسياسي المجتمعي، والبعض الآخر على صلة بوجود بيئة تتوافر فيها اشتراطات صعود أو بالأحرى انبعاث “داعش” مرةً أخرى، تحديداً على مستوى الخطاب المتفشي بالمجال العام باستقطاباته الدينية المؤدلجة العنيفة والمتشددة وكذا السياسيات المعلنة والممارسات، بما يشكل حاضنة لما يجري وينذر بالصعود. ومع فرض واقع جديد في المنطقة تزداد المخاطر بشأن عودة مرتزقة داعش الأجانب إلى أوروبا، نظراً لتغير الأوضاع السياسية والأمنية في مناطق شمال وشرق سوريا، وفرار أعداد عبر الحدود السورية ـ العراقية، ما يرجح إعادة تجمّع الخلايا النائمة والتنقل عبر الحدود، واستغلال الذكاء الاصطناعي في الدعاية المتطرفة، والتكنولوجيا الحديثة مثل الطائرات المسيّرة لتنفيذ هجمات عابرة للحدود.
ويتخوف مسؤولو الاتحاد الأوروبي من عودة العناصر الأكثر خبرة تنظيمية وإرهابية، وتوجيه “الذئاب المنفردة” عبر قنوات الاتصال المشفّرة التي عادةً ما يستخدمها التنظيم لإعطاء توجيهاته لخلاياه التي يعتمد عليها في تنفيذ أجنداته الإرهابية، كما تثير الاضطرابات الأخيرة قلقاً بشأن احتمالات الوصول إلى أوروبا عبر مسارات تقليدية، من خلال الهروب عبر تركيا وشرق المتوسط والاتجاه إلى اليونان ودول البلقان ووسط أوروبا.
وقد تلجأ بعض العناصر الإرهابية العائدين إلى الانضمام لموجات الهجرة غير الشرعية عبر وثائق مزورة، أو التحرك عبر مسارات غير تقليدية مروراً بدولة ثالثة، من سوريا أو العراق عبر تركيا، أو دول القوقاز، أو شمال أفريقيا، ثم الانتقال إلى أوروبا لتكون الساحة الأوروبية هي الوجهة الأكثر هشاشة وتسمح للتنظيم التحرك بحرية وبالتالي غرق القارة العجوز بالإرهابيين الذين سيغيرون مشهد الاستقرار ويصعب السيطرة عليهم مستقبلاً.
ولا ننسى أن هناك بعض الدول تعاني من هشاشة في مراقبة الحدود والتعامل مع المهاجرين غير الشرعيين مثل “اليونان وإيطاليا وإسبانيا وبلغاريا”، ما يؤثر على دقة التتبع عند العبور عبر منطقة “شنغن”، ويؤخر تحديث قوائم الأفراد الذين يمثلون خطورة على الأمن القومي الأوروبي، ما يدفع الدول إلى الاعتماد على العمل الاستخباراتي أكثر من ضبط الحدود.
كل هذه الخاطر تفسر المطالبات العديدة من قبل فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، في كانون الثاني من العام الحالي 2026، بتجنب حدوث فراغ أمني واستمرار جهود محاربة داعش في سوريا والعراق، محذّرةً من تكرار حالات هروب العناصر الإرهابية وتطبّق فرنسا سياسات مشددة في استعادة عناصر داعش من مخيمات وسجون سوريا، مع إعادة عدد محدود من الأطفال والنساء. وفي 13 آذار 2025 قضت محكمة إدارية في فرنسا بضرورة إعادة النظر في رفض طلبات استعادة عدد من النساء والأطفال.
وتُولي فرنسا مسؤولية المحاكمات والتحقيقات للعائدين من داعش وعائلاتهم إلى نيابة مكافحة الإرهاب، كوسيلة لمواجهة العناصر الإرهابية العائدة في حال توافر أدلة، كما تقدّم الدعم لصندوق “FIPD” المسؤول عن تمويل مشاريع إعادة الدمج وبرامج الوقاية المجتمعية كل ذلك لتجنب تكرار سيناريوهات العمليات الإرهابية التي عانت منها باريس في وقتٍ سابق.
لهذا السبب اهتم التحالف الدولي بقيادة واشنطن في كانون الثاني من العام 2026، عملية نقل منظّمة لنحو 7 آلاف معتقل من سجون سوريا إلى العراق، لضمان بقائهم في أماكن احتجاز آمنة، حيث ضمت الدفعة الأولى 150 مرتزق من داعش، بينهم قياديون بارزون في التنظيم معظمهم من جنسياتٍ أوروبية.
وفي 24 كانون الثاني 2026، نُقل مئات المعتقلين في الدفعة الثانية، وُزِّعوا على ثلاثة سجون في العراق حيث نسق التحالف مع السلطات العراقية لتسهيل عملية النقل عبر الحدود إلى مرافق أمنية عالية المستوى في العراق كما ركّز على تنسيق أمني ودبلوماسي مع قوات سوريا الديمقراطية في مناطق الاحتجاز والمخيمات التي يتواجد بها مرتزقة داعش وعائلاتهم.
هذه الخطوة تفسر عدم ثقة التحالف الدولي والدول الغربية في قدرة الحكومة المؤقتة في سوريا على ضبط المخيمات ومراكز الاحتجاز رغم إن هذه الحكومة انضمت إلى جهود التحالف في أواخر عام 2025 لكن التحالف عندما اقتضت الحاجة نقل كل العناصر الإرهابية التي تشكل خطراً على المجتمع الدولي من سوريا إلى العراق.
خطر لم ينتهِ
تتمثل التهديدات في إعادة تنظيم مرتزقة داعش لصفوفهم، مستغلين الفراغ الأمني وتحول النفوذ السياسي في شمال وشرق سوريا من “قسد” إلى الحكومة المؤقتة، ما قد يزيد من الهجمات التي تستهدف كمائن أمنية وقوافل عسكرية كما تتصاعد المخاوف من تموضع خلايا داعش في البادية السورية وعلى الحدود السورية ـ العراقية، وتوسيع عملياتها ضد البنية التحتية في البلدين باستخدام السيارات المفخخة، إلى جانب إعادة ربط شبكاته الإقليمية بالعناصر الهاربة خارج سوريا والعراق من خلال التواصل عبر القنوات ووسائل الاتصال المشفرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتشار موجة إرهاب عابرة للحدود.
لذا ينبغي على المجتمع الدولي إن كان جاد في طي صفحة مرتزقة داعش الإسراع في محاكمات وفقاً لمعايير أممية، حتى تتمكن المحاكم العراقية من إصدار أحكام بحق العناصر الأجانب وهذا ما كانت تطالب به الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا منذ سنواتٍ طويلة إلا إن مماطلة المجتمع الدولي هي من أوصل هذا الملف الى ما وصل اليه اليوم.
كما ينبغي أن يتبادل التحالف الدولي ضد داعش مع الاتحاد الأوروبي المعلومات الاستخباراتية حول حركة العناصر الأجانب وآليات توقيفهم ويتعين على واشنطن ممارسة ضغوط على قوات الحكومة السورية المؤقتة لضبط الإيقاع في المناطق التي خرجت عن إدارة قوات سوريا الديمقراطية، والتي باتت بيئة هشة لعودة داعش وألا يغفل التحالف الدولي التنسيق مع الدول الأجنبية لاستعادة مواطنيها ومحاكمتهم أو إعادة تأهيلهم، بحسب الأدلة المتوافرة. سيما وأن خبراء في شؤون الإرهاب يتوقعون أن يسعى داعش إلى توظيف الظروف الراهنة في سوريا لصالحه، من خلال الانتشار عبر الحدود السورية ـ العراقية، لاسيما أن مهمة مراقبة هذه المناطق شديدة الصعوبة في الوقت نفسه، قد يستغل سيطرة القوات الحكومية على مناطق الرقة وريف الحسكة ودير الزور، وهي أقل خبرة من قسد في إدارة هذه المناطق، لإحداث فوضى وتمرد داخل هذه المناطق، الأمر الذي قد يتطلب رقابة مشددة من قبل التحالف الدولي، لإحكام السيطرة على هذه المناطق، ومنع خلايا داعش من التواصل والتخطيط فيما بينها. 
فبكل الأحوال يشير الخبراء أن مرتزقة داعش في وضعهم الحالي، لا يملكون القدرة على إعادة إنتاج نموذج دويلتهم المزعومة كما فعلوا عام 2014 فقد خسروا الكثير من متزعميهم، وتراجعت مواردهم المالية، وتعرضت شبكاتهم لضربات موجعة لكن الخطر لا يكمن في عودتهم بصورتهم السابقة، بل في استمرار نمط الهجمات منخفضة الكثافة التي تستنزف الاستقرار وهذه الهجمات قد لا تحظى بتغطية عالمية واسعة، لكنها كافية لإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم.
وهنا على المجتمعين الدولي والإقليمي إعادة طرح النقاش منطقياً في مدى نجاح الحكومة المؤقتة بدمشق في ضبط الأمن وتقويض خطر تلك التنظيمات الإرهابية، سواء على المدى المنظور أو المتوسط، في ظل جملة من التحديات المحلية، خصوصاً على مستوى ترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة الدستورية والمدنية لجميع مكونات المجتمع السوري، فضلاً عن التحديات الإقليمية والدولية المتشابكة وفرض واقع أمني أكثر صرامة وخبرة في التعامل مع مثل هذه التنظيمات الراديكالية.
No Result
View All Result