No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في زاوية إحدى المدارس التي تحوّلت مركز إيواء في مدينة قامشلو، تجلس خاجي محمد رشو، امرأة في الثالثة والسبعين من عمرها، تتكئ على جدار بارد، وتحدّق بعينين أنهكهما التعب وطول الطريق. لا تحمل في يدها سوى مسبحة صغيرة، ولا تملك من متاع الدنيا إلا حقيبة خفيفة جاءت بها بعد رحلة تهجير قاسية مع عائلة ابنها.
خاجي، المولودة عام 1935، لم تكن تتخيل أن تقضي ما تبقى من عمرها متنقلة بين المدن بحثًا عن مأوى آمن. تقول بصوت خافت إن عينيها متعبتان، لكن قلبها هو الأكثر إرهاقًا. لا تعاني من أمراض مزمنة، إلا أن تقدمها في السن يجعلها أكثر هشاشة أمام قسوة الظروف التي تعيشها اليوم.
بدأت رحلة التهجير من منطقة الشهباء، حيث اضطرت لمغادرة منزلها تحت وطأة الظروف الأمنية الصعبة. خرجت مع عشرات العائلات باتجاه مدينة الطبقة، رحلة استغرقت أياماً طويلة كانت كفيلة بأن تستنزف ما تبقى لديها من قوة.
أمضت أربعة أيام في الطريق في الطبقة، نامت خلالها في السيارة، دون أن تجد مكاناً يؤويها أو مدرسة تفتح أبوابها أمامهمك “نمنا في الخارج، في البرد، لا غطاء ولا فراش كنت مع أولاد ابني”، ومن عينيها المرهقتين سالت دمعة حرقى، على خد أنهكه اختلاف الليالي الطوال، وتقلب الأزمنة والمكان، وهي تنظر إلى الفضاء الرحيب، الذي عجز أن يؤويها بمسكن آمن.
على ضفاف التهجير
لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ تابعت طريقها إلى مدينة الحسكة، قبل أن تصل إلى قامشلو، حيث استقرت مؤقتاً في مدرسة حافظ إبراهيم التي تحوّلت مركز لإيواء العائلات المهجرة.
في الصفوف الدراسية، التي كانت يوماً ما تعجّ بأصوات الطلبة، افترشت خاجي الأرض مع عائلة ابنها، فلا أسرّة، ولا مستلزمات أساسية تلبي احتياجات كبار السن. تشير بيدها إلى زاوية الصف قائلة إنها تفتقر إلى أبسط المقومات، فلا تتوفر مواد غذائية كافية تضمن وجبة يومية متكاملة، غير ما يجود به لنا الناس: “نأكل ما يتوفر، أحيانًا طعام لا يكون مناسباً لكبار السنِّ مثلي، ولكننا نجبر على تناوله”.
تعكس قصة خاجي واقع مئات المسنين الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا منزل ولا أمان، يعتمدون على مساعدات محدودة لا تكفي لسد احتياجاتهم الأساسية، فكبار السن في مراكز الإيواء يواجهون تحديات مضاعفة؛ فإلى جانب صعوبة التأقلم مع التهجير، يعانون من ضعف البنية الجسدية والحاجة إلى رعاية صحية مستمرة، وهو ما لا يتوفر دائماً في هذه المراكز المكتظة.
ورغم كل ما مرت به، لا تزال خاجي تتمسك بخيط بأمل يفضي إلى الرجوع نحو الوطن ونحو الديار، فتعد الليالي ليلة ليلة بأن تعود إليها، وتأوي إلى فراشها الآمن الدافئ: “لقد ذقنا المر نريد أن نعيش بسلام، لا أكثر”.
قصة هذه المسنة ليست مجرد حكاية فردية، بل صورة مصغّرة لمعاناة إنسانية أكبر يعيشها المهجرون، خاصة الفئات الأكثر ضعفاً. وبين جدران المدارس التي تحوّلت إلى ملاجئ، تبقى أحلام العودة والاستقرار مؤجلة، بانتظار حلول تنهي رحلة الألم الطويلة.
No Result
View All Result