No Result
View All Result
يطغى صوت التطورات العسكرية على ما سواه في تغطيات وسائل الإعلام لما يجري في إيران والمنطقة. الأولوية لدى الكثير منها هي لتطورات الضربات الجوية والهجمات الصاروخية وأعداد الضحايا والخسائر المادية، لكن ثمة أمراً آخر يستوجب متابعة الأوضاع المعيشية في الداخل.
ما يزيد من صعوبة رصد ومتابعة هذه الأوضاع ليس الأوضاع الأمنية وحدها، فانقطاع الإنترنت بشكلٍ شبه كامل في أجزاء واسعة من البلاد مشكلة كبيرة تحول دون ذلك في أحيانٍ كثيرة.
تضخم قياسي غير مسبوق
رغم التحديات السياسية والأمنية التي تعيشها إيران، تبقى الأزمة الاقتصادية العامل الأكثر حضوراً في حياة المواطنين اليومية. فقد تمكنت “الحرة” من التواصل مع مصادر داخل البلاد أكدت أن حالة الخوف والقلق لا ترتبط فقط بالتصعيد العسكري، بل أيضاً بالضغوط المعيشية التي تتفاقم يوماً بعد يوم. ووفقاً لتقارير البنك المركزي الإيراني ومركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل التضخم النقطي في شباط 2026 نحو 68.1%، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ عقود. كما وصل التضخم الشهري إلى 9.4%، في مؤشر على تسارع خطير في وتيرة ارتفاع الأسعار خلال فترة زمنية قصيرة، هذه الأرقام تعكس واقعاً معيشياً شديد الصعوبة، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار تدريجياً، بل أصبح متسارعاً ومفاجئاً في كثير من الأحيان.
الارتفاع طال معظم السلع الأساسية، وعلى رأسها المواد الغذائية التي تشكل العبء الأكبر على ميزانيات الأسر، فقد زادت أسعار الغذاء بأكثر من 110% مقارنةً بالعام السابق، فيما ارتفعت أسعار الخبز والحبوب بنسبة 142%. كما قفزت أسعار اللحوم بنسبة 117%، ومنتجات الحليب والجبن والبيض بنسبة 108%، بينما ارتفعت أسعار الفواكه بنسبة 113%، أما الزيوت النباتية فسجلت واحدة من أعلى نسب الزيادة، إذ بلغت 207%، ما جعلها من أكثر السلع تأثراً بالتضخم.
هذا التضخم الحاد أدى إلى تآكل القدرة الشرائية بشكلٍ واضح، إذ لم تتجاوز زيادات الرواتب في عامي 2025 و2026 حدود 45%، وهو ما يعني عملياً أن رواتب المواطنين فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية، ونتيجة لذلك، اضطرت العديد من العائلات إلى تقليص استهلاكها، خاصةً في ما يتعلق بالغذاء والدواء، والاكتفاء بالحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
اضطراب الإمدادات والطاقة
إلى جانب التضخم، ساهمت الضربات العسكرية الأخيرة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر التأثير على البنى التحتية النفطية واللوجستية، فقد أفادت تقارير إعلامية إيرانية بتضرر بعض المنشآت، ما انعكس مباشرةً على عمليات النقل والتوزيع داخل البلاد. أدى ذلك إلى تفاقم أزمة الإمدادات النفطية، وظهور انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في عدد من المدن، فضلاً عن طوابير طويلة أمام محطات الوقود. كما ارتفعت أسعار البنزين والغاز المنزلي نتيجة تراجع الإنتاج واضطراب شبكات التوزيع، ما أضاف عبئاً جديداً على كاهل المواطنين.
الأسواق بدورها بدأت تشهد نقصاً في بعض السلع الأساسية، مثل الزيوت النباتية والأدوية وعدد من المواد الغذائية، خاصةً مع ارتفاع تكاليف الاستيراد نتيجة تراجع قيمة العملة وزيادة المخاطر المرتبطة بالنقل والشحن. ومع استمرار هذه الاضطرابات، تزداد المخاوف من اتساع فجوة العرض والطلب، الأمر الذي قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة.
اتساع الفقر والبطالة
في ظل هذه الظروف، ارتفع معدل البطالة إلى نحو 7.8% في الربع الأخير من عام 2025 وبداية 2026، وفق تقارير إيرانية. ورغم أن النسبة قد تبدو محدودة مقارنةً ببعض الدول، فإنها تكتسب خطورتها من تزامنها مع تضخم مرتفع وانخفاض في القدرة الشرائية، ما يعني أن شريحة أوسع من السكان أصبحت مهددة بالفقر.
التقارير تشير إلى أن التضخم في بعض قطاعات المواد الغذائية تجاوز 100%، وهو ما دفع العديد من العائلات إلى تغيير أنماط استهلاكها بشكلٍ جذري، والاعتماد على بدائل أقل تكلفة، أو تقليل عدد الوجبات اليومية. كما أصبح تأمين الدواء والعلاج يشكّل تحدياً متزايداً، خاصةً للأُسر ذات الدخل المحدود.
أزمة متراكمة ومتجذرة
يمكن القول إن الأزمة الاقتصادية في إيران ليست وليدة التصعيد العسكري الأخير، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من العقوبات الدولية، وسوء الإدارة الاقتصادية، والاختلالات الهيكلية في بنية الاقتصاد، إلا أن الإنفاق العسكري والتوترات الإقليمية الأخيرة ساهما في تعميق هذه الأزمة عبر تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
اليوم، يجد المواطن الإيراني نفسه في مواجهة ضغوط مركبة: تضخم قياسي، نقص في بعض السلع، اضطرابات في الطاقة، وتراجع في مستوى الدخل الحقيقي. وبينما تتواصل التطورات العسكرية والسياسية، تبقى التداعيات الاقتصادية هي الأكثر تأثيراً في الحياة اليومية، ما يضع شرائح واسعة من المجتمع أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.
No Result
View All Result