No Result
View All Result
حمزة حرب
لم يعد مصطلح “الانسداد السياسي” توصيفاً إعلامياً فحسب، بل أصبح واقعاً حقيقياً ملموس على أرض الواقع في العراق فبعد مسارات من الانتخابات والتحالفات والتفاهمات يتعطل كل شيء وتدخل البلاد مجدداً في دوامة من الشروط المتبادلة والاعتراضات المباشرة والغير مباشرة الداخلية منها والخارجية والسبب هو تقاطع مصالح القوى الكبرى داخل البرلمان مع حسابات إقليمية ودولية، فتتجمد المؤسسات الدستورية، ويصبح الشارع رهينة صراعات النخبة.
الأزمة العراقية لا تتعلق فقط بالأشخاص أو التحالفات، بل ببنية النظام السياسي نفسه، القائم على توازنات دقيقة بين المكونات، والقوى الدولية والإقليمية التي تجعل أي خلل صغير قابلاً للتحول إلى أزمة شاملة ففي كل دورة سياسية، تتكرر المعادلة ذاتها “كتل متنافسة، خطاب تعبوي، ووعود بالإصلاح، لكن سرعان ما تصطدم التفاهمات بجدار المحاصصة والشكوك المتبادلة” ومع غياب أغلبية واضحة قادرة على الحسم، يتحول البرلمان إلى ساحة مساومات أكثر منه مؤسسة تشريعية فاعلة في ظل ظروفٍ أمنية بالغة الحساسية والشدة. 
الواقع العراقي.. أزماتٌ متراكمة
العراق ليس بلد بلا تجارب فقد مر بحروب وحصار واحتلال وصراعات داخلية، لكنه في كل مرة أعاد بناء نفسه بدرجة أو بأخرى واليوم يقف على مفترق طرق جديد إما أن يتحول الانسداد السياسي إلى لحظة مراجعة وإصلاح، أو أن يستمر كحلقةٍ مفرغة تستنزف الدولة والمجتمع.
فالعملية السياسية العراقية التي تشكلت عقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003 برعاية وترتيب وتخطيط أميركي كامل، وتحت إشراف الحاكم المدني بول بريمر الذي كان بمثابة عراب ولادة نظام “المحاصصة” وتقاسم المناصب بناءً على الهُويّات الفرعية من مذاهب وعرقيات.
فكان مجلس الحكم الانتقالي، الذي ضمّ 25 شخصية جاء أغلبها من خارج العراق، النواة الأولى لنظام قام على “الترضيات” لا على الكفاءة فكان أشبه بنظام بُني على أساس التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط النظام السابق، من دون رؤية حقيقية لبناء “دولة مواطنة”.
توزّعت المقاعد الـ25 في ذلك المجلس بناءً على نسب سكّانية افتراضية ادّعتها واشنطن، في وقت لم يكن فيه العراق يعرف هذا النوع من التصنيف العرقي أو المذهبي الحادّ في دوائره الرسمية، ولم يكن هناك أي إحصاء سكّاني يدعم تلك التقسيمات.
فلم يعد سراً حجم وتأثير التدخلات الدولية والإقليمية ومن الجلي أن الولايات المتحدة وضعت يدها بقوة وبصورة مباشرة على تفاصيل الملفّ العراقي من جديد ولم يعد سرّاً أن الأمر لا يتعلّق بمجرّد مناكفات سياسية بشأن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، أو بفيتو الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هذا الاسم.
الواقع في العراق أعمق وأبعد بكثير من شخص المالكي أو طموحاته، فالرسائل الأميركية التي وصلت إلى المنطقة الخضراء في بغداد أُعلن بعضها وبقي بعضها الآخر طي الكتمان لخطورتِه كانت صريحة إلى درجة الصدمة فواشنطن هذه المرّة ليست معنية فقط بتشكيل حكومة “توازن” لا تخضع للنفوذ الإيراني المطلق، وإنما هي بصدد الشروع في إعادة هيكلة شاملة وجذرية للنظام السياسي كاملاً الذي ترهّل وفشل في إدارة الدولة. 
بقيت الولايات المتحدة أكثر من عقدين الراعي والحريص على بقاء هذا النظام بل يمكن القول إنّ ما من نظام سياسي في المنطقة حظي بالدعم المالي والدبلوماسي والعسكري كما حظي به نظام “ما بعد 2003” في العراق إلا أن واشنطن وجدت نفسها مع مرور الزمن متورطة مع “شريك” إقليمي شرس وهو إيران أراد مقاسمتها الغنيمة بالكامل ورأى له “حقاً تاريخياً” في العراق، لأنّه ضالعٌ في التخطيط والتحريض لما يسميه غزو البلاد وإسقاط خصمه اللدود.
فكانت إيران حاضرة في المشهد منذ اللحظة الأولى، شريكاً لواشنطن في كواليس ما عاشه العراق ومسهّلاً لمخطّطاته على الأرض وهذا ليس استنتاجاً، بل حقيقة كشفها السفير الأميركي الأسبق، زلماي خليل زاد، حين تحدّث عن لقاءات سرّية في عواصم أوروبية جمعت مسؤولين أميركيين وإيرانيين للتنسيق لإسقاط النظام العراقي، وهو ما تباهى به المسؤولون الإيرانيون لاحقاً بقولهم “لولا طهران لما سقطت بغداد وكابول”.
لم تكتفِ إيران بالفتات بل أرادت حصّة الأسد من “الكعكة العراقية” كما صار العراق يوصف في أروقة السياسة الأمر الذي دفع واشنطن، في مراحل ضعفها وتحديداً إبّان إدارة أوباما للرضوخ للأمر الواقع ومع انسحاب القوات الأميركية بين عامي 2010 و2011 بناءً على اتفاقية صوفا، تُركت الساحة العراقية بالكامل “هبة” لطهران التي باتت اللاعب الوحيد، والمحرّك الفعلي للقرار، والمستثمر الأكبر في طبقة سياسية تدين لها بالولاء أكثر ممّا تدين للوطن.
الفراغ الذي خلّفته واشنطن عرفت طهران كيف تملؤه، مستغلةً غطاء “الديمقراطية الهشّة” لتثبيت أقدام أذرعها وقواها السياسية إلا أن المشهد اليوم انقلبت موازينه ليس بسبب تغيّر ساكن البيت الأبيض، أو تبدّل أولويات واشنطن فقط، بل بسبب المتغيّرات الجيوسياسية الزلزالية التي أعقبت “7 تشرين الأول 2023 وأحداث غزة وتقليم أذرع إيران في المنطقة”.
العراق جزء من أزمة إقليمية
الشرق الأوسط الجديد الذي بشّرت به كونداليزا رايس يتشكّل الآن، ولكن على أنقاض أنظمة فقدت مبرّرات وجودها، وفي ظلّ “جغرافيا سائلة” لا ترحم الضعفاء وحان دور إيران التي يبدو أنّها ستكون الثمرة الأخيرة الواجب قطفها لتكتمل صورة هذا “الشرق” المنشود أميركياً وإسرائيلياً.
فالعراق يقع في قلب منطقة مضطربة، ما يجعله ساحة لتقاطع مصالح إقليمية ودولية فعلاقاته مع دول الجوار، وتوازنه بين قوى كبرى، تضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد الداخلي ففي أوقات الانسداد، تزداد المخاوف من أن يتحول الخلاف الداخلي إلى بوابة لتدخلات خارجية أوسع وهو ما نتابعه على أرض الواقع اليوم. 
ومع أن الحكومات العراقية المتعاقبة حاولت انتهاج سياسة “التوازن الإيجابي”، فإن الانقسام الداخلي يضعف قدرة الدولة على التفاوض من موقع قوة فكل طرف داخلي قد يستقوي بدعم خارجي، ما يعمق الانقسام بدل معالجته فالطرف التركي يتغلغل والإيراني متجذر والأميركي متحكم بالمشهد ناهيك عن التوازنات الخليجية والروسية والصينية فالعراق اليوم بات ساحة مفتوحة لكل هذه القوى.
لم يكن العراق بمركزه الاستراتيجي وثقله الطاقي، يوماً بعيداً عن تداعيات ما بعد “7 تشرين الأول”، ويبدو أن الإدارة الأميركية الحالية، مدفوعة بضغط الأحداث، قرّرت استرداد “وديعتها” في العراق فما إن انتهت الانتخابات العراقية في تشرين الثاني الماضي، حتى بدأ التدخّل الأميركي يأخذ طابعاً صارخاً وغير مسبوق فالفرصة التي مُنحت للقوى السياسية التقليدية التي أدارت البلاد منذ 2003 قد نفدت صلاحيتها، وبات لزاماً على “الفاعل الأميركي” إعادة إنتاج النظام بصورة تضمن مصالحه، وتقطع “رئة التنفّس” عن طهران.
تريد واشنطن “عراقاً بلا نفوذ إيراني”، وهو طموح يصطدم بواقع مرير فقوى “الإطار التنسيقي” وحلفاؤها ليسوا مجرّد أسماء عابرة، بل هم قوى تجذّرت في مفاصل الدولة، وامتلكت المال والسلاح والسلطة عبر عقدَين من الحكم، لذا فإنّ عملية الهيكلة لن تكون “نُزهة”، بل قد تكون جراحة قيصرية مؤلمة.
وعلى المستوى الأمني، يبدو المشهد أقل ضجيجًا مما كان عليه في سنوات الحرب المفتوحة ضد مرتزقة داعش الإرهابي، لكن الهدوء الحالي يوصف في الأوساط الأمنية بأنه “هدوء هش” لأن خطر داعش يعود الى الواجهة كما يعود الى الواجهة اسم المالكي الذي شهد عهد حكمه تمدد داعش وهيمنته على أجزاء شاسعة من العراق على رأسها الموصل واليوم يعود نشاط مرتزقة داعش للبروز مجدداً عبر تنفيذ هجمات خاطفة في مناطق متفرقة، مستغلًا الثغرات الأمنية والتضاريس الوعرة.
إلى جانب خطر المجموعات المتطرفة، تبرز تحديات أخرى اليوم على رأسها انتشار السلاح خارج إطار الدولة، صراعات نفوذ بين مجموعات مسلحة، واحتكاكات متكررة بين قوات اتحادية وقوى محلية وهذه التحديات تجعل المشهد الأمني مرتبطاً بشكل وثيق بالاستقرار السياسي فكلما طال أمد الفراغ، زادت احتمالات الانفلات.
فالأمن ليس مجرد انتشار قوات، بل قرار سياسي موحد وعندما ينقسم القرار يتصدع الأمن وهو ما يعيشه العراق وهذا أبرز ما يهدد الواقع الحالي في العراق الذي يجد نفسه اليوم امام تحدٍ خطير قد يعيد تكرار سنوات الحرب ضد داعش الإرهابي والدخول في حالة الفوضى والفراغ الذي كلف العراق والمنطقة أثماناً باهظة. 
خيارات معقدة
العراق اليوم ورغم كل ما يمر به من تحديات جسيمة الا انه يقف امام خيارات واسعة لكنها معقدة بحسب توصيف خبراء فهو اليوم يقف إما أمام تسوية سياسية شاملة تقوم على تنازلات متبادلة، وتشكيل حكومة توافقية ببرنامج إصلاحي واضح، يركز على الخدمات والاقتصاد ومحاربة الفساد وهذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتغليب المصلحة الوطنية.
لكن هذا الخيار يصطدم بحجم التدخلات الخارجية والمصالح المتباينة. لذا؛ يرجح الكثير من المتابعين للشأن العراقي أنه بعيد المنال ويصعب تطبيقه على أرض الواقع ما يفتح الباب أمام سيناريو آخر وهو استمرار المراوحة مع بقاء حكومة تصريف أعمال أو حكومة ضعيفة، واستمرار الخلافات وفي هذا السيناريو، يستمر الاستقرار الهش، مع مخاطر تصاعد الاحتقان الشعبي.
كما يطفو على السطح سيناريو أكثر قتامة وهو التصعيد السياسي والأمني في حال تفاقمت الخلافات وتحولت إلى صدامات ميدانية، قد يدخل البلد في مرحلة أكثر خطورة، تعيد إلى الأذهان فترات عدم الاستقرار السابقة ويفسح المجال أمام التنظيمات الإرهابية على رأسها داعش من إعادة التنظيم والتموضع وهو ما سيكون له تداعيات كبيرة على الساحة الإقليمية وهذا ما تخشاه واشنطن والمنطقة. ولا سيما بعد الضربات الأمريكية لإيران واستهداف قياداتها، إلى جانب الرد الإيراني على المواقع الأمريكية في الشرق الأوسط.
العراق اليوم يمر في أسوء حالاته السياسية والأمنية والاقتصادية فالقوى السياسية تدرك كلفة الانزلاق إلى الفوضى، لكنها في الوقت ذاته متمسكة بمصالحها والأطراف الإقليمية تدرك خطورة ان يصبح العراق مجدداً بؤرة ومرتعاً للإرهاب بينما تصر الأطراف الدولية على تغيير المشهد جذرياً في المنطقة، وفي المحصلة يبقى العراقيين قابعين بين الانسداد السياسي والمخاطر الأمنية يدفعون ضريبة المصالح الخارجية التي لن تبني لهم بلداً مستقر.
No Result
View All Result