No Result
View All Result
محمد عيسى
في مساء الثامن والعشرين من شباط 2026 بدأت الضربة التي وُصفت بأنها «الأدق والأوسع» منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وفي صباح الأحد الأول من آذار أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي مع أربعين قائداً كبيراً في ضربة واحدة استهدفت موقعين في عمق طهران على بعد أكثر من 1600 كيلومتر من إسرائيل، فيما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مقتل 48 قائداً إيرانياً، وتدمير تسع سفن حربية، وإغراق سفينة إيرانية، وتدمير مقر قيادة البحرية «إلى حد كبير»، مع سقوط ثلاثة جنود أميركيين في أول حصيلة خسائر معلنة. خلال 48 ساعة فقط، ارتفعت حصيلة القتلى داخل إيران إلى أكثر من 200 شخص وفق أرقام رسمية، بينما سقط تسعة قتلى في بلدة بيت شيمش الإسرائيلية جراء دفعات صاروخية إيرانية، لتدخل المنطقة طوراً جديداً من الاشتعال المتسلسل، يمتد من طهران إلى تل أبيب، ومن جنوب لبنان إلى الخليج والبحر الأحمر.
الضربة الأولى غيّرت المعادلة
حسب البيانات العسكرية الصادرة يوم الأحد الأول من آذار الجاري، فإن الضربة التي نُفذت ظهر السبت 28 شباط استهدفت مجمعاً قيادياً في قلب طهران، كان يضم المرشد الإيراني علي خامنئي وعدداً من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين. المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي المقدم نداف شوشاني وصف العملية بأنها «المرحلة الأولى» من حرب أوسع، مؤكداً القضاء على 40 قائداً كبيراً «في دقيقة واحدة»، فيما تحدثت مصادر أميركية عن رقم 48 قائداً. الضربة لم تكن رمزية، بل استهدفت البنية القيادية العليا: مقرات تُنسب إلى هيئة الأركان، محيط المجلس الأعلى للأمن القومي، قيادة الشرطة، ووزارة الاستخبارات، إضافة إلى مقتل رئيس جهاز استخبارات الشرطة. 
في الساعات اللاحقة، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تشكيل «مجلس قيادة مؤقت» لتولي مهام المرشد، فيما صرّح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن اختيار مرشد جديد سيتم خلال «يوم أو يومين»، في إشارة إلى محاولة احتواء فراغ دستوري قد يفتح الباب أمام اهتزاز النظام. لكنّ الصدمة لم تكن سياسية فحسب، بل عسكرية أيضاً، إذ أعلنت إسرائيل أنها دمّرت «غالبية أنظمة الدفاع الجوي في غرب ووسط إيران»، وقرابة نصف مخزون الصواريخ الإيرانية، ومنعت إنتاج ما لا يقل عن 1500 صاروخ إضافي كانت طهران تعتزم تصنيعها خلال الأشهر المقبلة، بمعدل عشرات الصواريخ أرض – أرض شهرياً، مع خطة لرفع الإنتاج إلى مئات شهرياً.
بهذه الأرقام، أرادت تل أبيب وواشنطن توجيه رسالة مزدوجة: أولاً، إحداث صدمة استراتيجية تعيد ميزان الردع؛ وثانياً، تقليص القدرة الإيرانية على الرد طويل الأمد. غير أن الرد جاء سريعاً عبر دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل، أسفرت عن تسعة قتلى، فيما أكدت «سنتكوم» سقوط ثلاثة جنود أميركيين، ونفت إصابة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن». الأرقام هنا لا تعكس مجرد خسائر، بل تشير إلى أن الحرب لم تبقَ أحادية الاتجاه، وأن دائرة النار بدأت تتسع.
ما بين كسر الردع وإعادة رسم الإقليم
في قراءة أهداف الولايات المتحدة، تبدو العملية محاولة لإعادة تثبيت معادلة الردع التي تآكلت منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، مروراً بسلسلة الهجمات على القواعد الأميركية في العراق وقطر والكويت والإمارات والسعودية، وصولاً إلى التصعيد البحري في الخليج والبحر الأحمر. إعلان الرئيس الأميركي موافقته على «الحديث» مع الإيرانيين بالتوازي مع استمرار القصف «طالما كان ذلك ضرورياً» يكشف عن استراتيجية العصا والجزرة: ضغط عسكري لفرض شروط تفاوض جديدة، تتجاوز الملف النووي إلى برنامج الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي.
أما إسرائيل، فترى في اللحظة الراهنة فرصة استراتيجية نادرة. منذ عام 2012 وهي تحذر من «التهديد الوجودي» الإيراني، ومع تسارع برنامج تخصيب اليورانيوم بعد 2019، باتت تل أبيب تعتبر أن كلفة الانتظار أعلى من كلفة المواجهة. إعلان الجيش الإسرائيلي أن هدف عملياته هو «فتح الطريق إلى طهران» يحمل بعداً رمزياً وعسكرياً: إظهار القدرة على الوصول إلى عمق الخصم، وتفكيك شبكة الدفاعات الجوية، وتقويض ما يُسمى «محور المقاومة» عبر ضرب الرأس في طهران.
في المقابل، تسعى إيران إلى الحفاظ على تماسك النظام ومنع الانهيار الداخلي. تشكيل مجلس قيادة خلال أقل من 24 ساعة يعكس إدراكاً لخطورة الفراغ، فيما توعد «الحرس الثوري» برد «حازم وقاسٍ». لكنّ طهران تدرك أن مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية، خصوصاً في ظل عقوبات ممتدة منذ أكثر من عقد، وانكماش اقتصادي متكرر، وتضخم تجاوز في بعض السنوات 40%.
هكذا تتقاطع الأهداف: واشنطن تريد إضعاف إيران وإعادتها إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة؛ تل أبيب تريد تحييد التهديد الصاروخي والنووي وإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي؛ وطهران تريد البقاء والحفاظ على دورها ونفوذها الممتد من العراق إلى لبنان واليمن.
من لغة الحوار إلى واقع النار
حتى مطلع عام 2026، كانت المنطقة تتحرك على إيقاع مسارين متوازيين: تصعيد عسكري محسوب من جهة، ومحاولات احتواء دبلوماسية من جهة أخرى. فمنذ توقف المحادثات النووية في حزيران 2025، على خلفية الهجمات الإسرائيلية ـ الأميركية التي استهدفت مواقع داخل إيران في ذلك الشهر، دخلت القنوات السياسية في سباتٍ حذر استمر نحو سبعة أشهر. غير أنّ السادس من شباط 2026 شكّل نقطة إعادة تشغيل للمسار التفاوضي، حين استضافت سلطنة عُمان الجولة الأولى من مفاوضات غير مباشرة بين طهران وواشنطن، في محاولة لإعادة ضبط الاشتباك ووضع سقفٍ للتصعيد. وبعد اثني عشر يوماً فقط، وتحديداً في 18 شباط، احتضنت مدينة جنيف الجولة الثانية، وسط حديث عن «تفاهمات مرحلية» تشمل تجميد بعض أنشطة التخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات الإنسانية والمالية. ثم جاءت الجولة الثالثة يوم الخميس أواخر شباط في جنيف أيضاً، لتؤكد أن مسار التفاوض لم يكن شكلياً، بل دخل في تفاصيل تقنية تتعلق بنسبة التخصيب التي تجاوزت في مراحل سابقة 60%، وبآليات الرقابة الدولية، وببرنامج الصواريخ الباليستية الذي يشكّل عقدة الخلاف الأعمق. لكن الفاصل الزمني بين 18 و28 شباط كان كافياً لقلب الطاولة بالكامل؛ إذ إن الضربة العسكرية الواسعة في 28 شباط 2026، التي استهدفت القيادة العليا في طهران وأدت إلى مقتل المرشد الذي تولّى منصبه منذ عام 1989، لم تُسقط شخصية سياسية فحسب، بل نسفت عملياً الإطار الذي كانت تُبنى عليه تلك الجولات. فبين السادس من شباط و28 منه، كانت هناك 22 يوماً من الاتصالات والرهانات على خفض التصعيد، تحولت في غضون ساعات إلى مواجهة مفتوحة ذات طابع وجودي. الخطاب الأميركي الذي تحدّث عن «فرصة للشعب الإيراني لاستعادة بلاده» ترافق مع توصيف إسرائيلي اعتبر الضربة جزءاً من استراتيجية حسم، ما عكس انتقالاً من إدارة أزمة نووية إلى مقاربة تتجاوزها نحو إعادة صياغة التوازن السياسي داخل إيران نفسها. وهكذا، خلال أقل من شهر ـ من السادس من شباط إلى الأول من آذار 2026 ـ انتقلت العلاقة من مفاوضات بوساطة إقليمية إلى حرب معلنة، لتصبح جنيف التي احتضنت ثلاث جولات تفاوض في غضون 23 يوماً شاهداً على سرعة التحول من لغة الطاولة المستديرة إلى منطق الميدان. 
تداعيات الحرب على الشرق الأوسط
وبينما كانت جنيف تطوي أوراق جولتها الثالثة التي عُقدت أواخر شباط 2026، لم يمضِ أكثر من 24 ساعة على إعلان مقتل المرشد الإيراني حتى انتقلت ارتدادات الضربة من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. ففي ليل الأحد ـ الاثنين مطلع آذار 2026، شنّت إسرائيل سلسلة غارات جوية استهدفت الضاحية ومناطق في جنوب لبنان، بعد إعلان «حزب الله» إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه شمال إسرائيل، في أول هجوم من نوعه منذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الثاني 2024، والذي أنهى أكثر من عام من المواجهات الحدودية. الحزب أعلن أنه استهدف موقع «مشمار الكرمل» للدفاع الصاروخي جنوب حيفا، فيما ردّ الجيش الإسرائيلي ببيان أكد فيه ضرب «أهداف تابعة لحزب الله في كل أنحاء لبنان»، في إشارة إلى توسّع بنك الأهداف جغرافياً ونوعياً. بهذا المعنى، تحوّلت الأيام الفاصلة بين 28 شباط والثاني من آذار 2026 إلى سلسلة مترابطة من الجبهات المفتوحة، تؤكد أن أي مواجهة واسعة مع إيران لا يمكن احتواؤها ضمن حدودها السيادية. فشبكة التحالفات الممتدة من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء تجعل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ساحات قابلة للاشتعال المتزامن، فيما يبقى الخليج مرشحاً لدخول المعادلة عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يومياً، أي ما يقارب خُمس الإمدادات البحرية للطاقة. وفي البحر الأحمر، تعود المخاوف من استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة، بما يعيد خلط خطوط التجارة الدولية. اقتصادياً، لا تبدو التداعيات أقل خطورة؛ فأي تصعيد طويل الأمد قد يدفع أسعار النفط لتجاوز عتبة 120 دولاراً للبرميل، وهو مستوى كفيل بإعادة إشعال موجات تضخم عالمية كانت قد بدأت بالانحسار منذ أواخر 2025. كما أن أسواق المنطقة – من بورصات الخليج إلى العملات الهشة مثل الليرة اللبنانية والسورية – ستبقى تحت ضغط تقلبات حادة، في مشهد يربط بين قرار عسكري اتُخذ في 28 شباط وبين ارتدادات مالية وأمنية تمتد على مساحة الشرق الأوسط بأكمله.
الشعب الضحية الأولى… وفرصة تاريخية للتغيير
وسط أرقام القتلى – أكثر من 200 في إيران خلال الأيام الأولى، وتسعة في إسرائيل، وعشرات الإصابات في لبنان – يبقى المدنيون الحلقة الأضعف. الضربات التي طالت محيط بازار طهران ومباني حكومية قريبة من مناطق مدنية تعني أن الحرب دخلت قلب المدن. النزوح من الضاحية الجنوبية لبيروت يعيد مشاهد 2006، فيما يعيش الإيرانيون حالة قلق وجودي منذ لحظة إعلان مقتل المرشد. لكنّ؛ الحرب تفتح أيضاً سؤالاً داخلياً في إيران: هل تتحول الصدمة إلى فرصة تغيير؟ منذ انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» في 2022، يعيش المجتمع الإيراني حراكاً صامتاً بين رغبة في الإصلاح وخوف من القمع. اليوم، مع اهتزاز رأس النظام، قد تتسع النقاشات حول شكل الدولة ومستقبلها. غير أن أي تحول ديمقراطي يحتاج إلى مسار سياسي داخلي، لا إلى فوضى مفروضة من الخارج.
التاريخ يثبت أن المجتمعات التي تبني تحولها عبر مؤسسات مدنية وحوار وطني أقدر على الاستقرار من تلك التي تُلقى في فراغ أمني. لذلك، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في إسقاط منظومة، بل في بناء بديل قادر على إدارة دولة بحجم إيران، سكانها يتجاوزون 85 مليون نسمة، واقتصادها من الأكبر في المنطقة.
هكذا، مع دخول الحرب يومها الثالث في الثاني من آذار 2026، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاد: إما تصعيد متدرج يقود إلى مواجهة إقليمية شاملة، أو ضغط عسكري ينتهي بعودة إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة. بين هذين الاحتمالين، يقف الشرق الأوسط على حافة إعادة تشكيل خرائط النفوذ، فيما يبقى المدنيون، في طهران وتل أبيب وبيروت، هم من يدفع الثمن الفوري لأي قرار يُتخذ في غرف العمليات. الحرب بدأت بأرقام صادمة: 40 قائداً في دقيقة، 48 اسماً في قائمة قتلى، أكثر من 200 ضحية في أيام قليلة، تسع سفن مدمّرة، 1500 صاروخ مُنع إنتاجها. لكن؛ الأرقام الأهم لم تُكتب بعد: كم سيبلغ عدد الضحايا إن اتسعت الدائرة؟ وكم سنة سيحتاج الشرق الأوسط ليضمد جراحه.
No Result
View All Result