No Result
View All Result
حمزة حرب
بعد سنوات من الأزمة السورية لا زالت جراح السوريين نازفة لم تلتأم ورغم سلوك الحكومة المؤقتة المنتهج في مناطق عدة من سوريا “الساحل، السويداء، شمال وشرق سوريا” والقائم على محاولات الاقصاء عوض الشراكة والقوة بدل الحوار إلا أن اتفاقاً لاح بالأفق بعد عدة اتفاقات أفشل تطبيقها وهو اتفاق الـ 29 من كانون الثاني حين أعلنت الحكومة السورية المؤقتة و”قوات سوريا الديمقراطية توصلهما إلى “اتفاق شامل” لوقف النار، والتفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.
الاتفاق الشامل الذي يتضمن 14 بندا وأربع مراحل يمتد تنفيذها لمدة شهر، إضافة إلى مرحلة خامسة تتضمن التزامات دائمة بين الطرفين بحسب ما أفصحت عنه مصادر مطلعة يسير على قدمٍ وساق من طرف قوات سوريا الديمقراطية لكن لا زال هناك خطوات خجولة ومماطلة فيما يخص سير عملية التطبيق لبنود الاتفاق من قبل الحكومة المؤقتة بحسب متابعين.
اتفاقٌ شامل
في صباح اليوم الذي أُعلن فيه الاتفاق بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، بدا المشهد وكأن صفحة جديدة تُفتح في كتابٍ أنهكته الفصول الثقيلة لم يكن الاتفاق مجرد بيان سياسي عابر، بل كان أشبه برسالة طمأنة إلى الداخل والخارج أن التفاهم ممكن، وأن ما فرّقته سنوات الحرب يمكن أن تعيد صياغته طاولة واحدة.
غير أن الحكايات السياسية لا تُكتب بالحبر وحده، بل تُختبر على الأرض ورغم إن اللحظة الأولى كانت مبشرة بتهدئة غير موثوقة إلا إن التنفيذ كان جدياً ومتسارعاً فيما يخص دخول قوات الامن التابع للحكومة المؤقتة لمراكز مدن قامشلو والحسكة ودخول المؤسسات المختصة الى حقول النفط والغاز والمطار والمعابر وغيرها من النقاط الحيوية التي ينص عليه الاتفاق وذلك بتنسيق مباشر من قبل قوات الأساييش.
كل هذا جرى مع تسارع وتيرة العمل لدى مؤسسات الإدارة الذاتية لتهيئة الظروف المناسبة لعملية الدمج المنصوص عليها في الاتفاق مع دمشق بواقع يشوبه بشيء من الحذر الممزوج بالأمل بينما الشعب في المنطقة جلس يتابع سير الاتفاق ويتساءلون إن كانت هذه بداية نهاية القلق المزمن، أم فصلًا جديدًا من الانتظار.
قسد تحركت بسرعة أصدرت تعليمات بإعادة انتشار جزئي في بعض النقاط الحساسة أُعيد ترتيب الحواجز جرى تخفيف مظاهر العسكرة والتوتر داخل المدن وعلى الطرق الرئيسية في مناطق كانت بالأمس القريب مسرحاً للاحتكاك كان ثمة حرص واضح من قبل قسد على إرسال رسالة مفادها أن الاتفاق ليس حبراً على ورق.
بدأت اجتماعات اللجان الأمنية المشتركة والتعاون على أفضل ما يرام بحسب تصريحات الجانبين وجوه جديدة دخلت غرف التنسيق، وخرائط فُتحت على الطاولات، وأحاديث طويلة دارت حول آليات الضبط ومنع أي تصعيد مفاجئ بدا المشهد، للوهلة الأولى، كأن عجلة التنفيذ بدأت بالدوران. لكن؛ في الجهة الأخرى لم تكن الصورة بالسرعة ذاتها ففي العاصمة دمشق كانت الحكومة المؤقتة تدير حساباتها وتتباطئ مع كل يوم يمضي ولم يكن الاتفاق مجرد تفاهم مع طرف عسكري، بل خطوة لها ارتدادات سياسية داخلية وخارجية كان على صناع القرار أن يوازنوا بين الوقوع بالغلط أمام أنظار المجتمع الدولي وكيف لها أن تتعاطى مع جدية قسد في تطبيق الاتفاق الذي بات محرجاً بالنسبة لها ومجبرة على تطبيقه لأن التنصل منه يعني مجابهة المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي الذي يتابع ويراقب التحرك بدقة.
صدرت تصريحات إيجابية، وتكررت عبارات “الالتزام بالاتفاق” و”المصلحة الوطنية” لكن على الأرض، لم تظهر خطوات ملموسة من قبل الحكومة المؤقتة بالسرعة التي توقعها السوريين فتأخر إعلان تشكيل بعض اللجان التنفيذية وبقيت آليات إدارة الموارد دون حسم.
لم يصدر جدول زمني واضح يحدد ما الذي سيُنفذ ومتى ومع مرور الأسابيع بدأ الإيقاع يختل فقسد رمت الكرة في ملعب الحكومة وفي دوائر الحكومة كان ثمة من يقول إن التنفيذ يجب أن يكون متباطئ فملف الموارد كان أشبه بعقدة في منتصف الخيط النفط، القمح، المعابر، كلها تفاصيل تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة جوهر السيادة والقرار وهو ما تم البدء فيه وإتمامه.
قسد أبدت مرونة كافية في الخطوات الميدانية التي اتخذتها وكانت ترى أنه يجب أن تُقابل بخطوات سياسية واقتصادية واضحة بينما كانت الحكومة المؤقتة تتحرك بحذر وتخشى أن تغضب طرف ما إقليمي أو دولي في أي خطوة يتم اتخاذها وبالتالي تفتح باباً يصعب إغلاقه لاحقاً.
بين التطبيق والمماطلة
عدة نقاط طبقت في الاتفاق فعلى سبيل المثال الإعلان وقف إطلاق نار دائم وشامل وإيقاف كافة عمليات الاعتقال والمداهمات بناء على الأحداث الأخيرة إلى جانب توطين قوات سوريا الديمقراطية في الثكنات العسكرية المتفق عليها، مقابل انسحاب قوات الحكومة إلى بلدة الشدادي جنوب الحسكة فور استلام حقل رميلان والسويدية ودمج الموظفين المدنيين من قبل وزارة الطاقة وهذه البنود انجز منها الجزء اليسير.
بينما بقي تشكيل فرقة عسكرية لمحافظة الحسكة من قبل وزارة الدفاع السورية، مع دمج قوات “قسد” ضمن ثلاثة ألوية مع دمج القوة العسكرية في كوباني ضمن لواء يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب هذا على الصعيد العسكري مع فك الحصار عن كوباني هذا ما تم التباطؤ فيه من قبل دمشق ولم ينجز على الأرض بعد.
على الصعيد السياسي والتعيينات جرى تعيين محافظ للحسكة بترشيح من “قسد” رغم إن القرار الرسمي من دمشق تأخر كثيراً مقارنةً بالقرار الذي صدر بتعيين قائداً للأمن في المحافظة بترشيح من الحكومة السوريّة ولا زال تعيين معاون لوزير الدفاع بترشيح من “قسد” لم يتم بعد وذلك بمماطلة من قبل الحكومة.
هذه المماطلة من قبل دمشق جرت بالتوازي مع التزام كامل من قسد بتسليم المواقع الحيوية كحقل رميلان والسويدية ودمج الموظفين المدنيين من قبل وزارة الطاقة كتسليم مطار قامشلو من قبل هيئة الطيران المدني والتعاون مع فريق من هيئة المنافذ البرية لتثبيت الموظفين المدنيين وتفعيل المعابر. كما إن تأمين عودة جميع المهجرين إلى مدنهم وقراهم، وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات المدنية في تلك المناطق والحديث عن عفرين وسري كانيه والشيخ مقصود والأشرفية لا زال غير مفعل بعد حيث تجري مماطلة من قبل دمشق تثير الشكوك حول الجدية في تطبيق الاتفاق.
سلوك متشابه
مع مرور الوقت بدأ خطاب “المماطلة” يتردد أكثر في سوريا لم يكن الاتهام مباشراً للحكومة لكن الخطوات على الأرض تشير إلى ذلك وكأنما هناك من يتحكم بقرار الحكومة المؤقتة وهنا أصابع الاتهام تُشهر في وجه الجانب التركي الحاضر الدائم بين سطور أي اتفاق مبرم في سوريا. فالحقيقة لم تكن بيضاء أو سوداء بالكامل بل كانت مزيجاً من الحذر والطموح، من الرغبة في التقدم والخشية من نتائجه فالاتفاق بين الجانبين لم يكن الهدف بحد ذاته، بل بداية مسار طويل لكن المسارات الطويلة تحتاج إلى ثقة، والثقة لا تُبنى بالتصريحات فقط.
كل تأخير صغير كان يترك أثراً في المزاج العام كل خطوة غير مكتملة كانت تفتح بابًا للتأويل ومع غياب جدول زمني واضح، صار الزمن نفسه طرفاً ثالث في المعادلة فاليوم، وبعد مرور الوقت اليسير على توقيع الاتفاق، يبدو المشهد أشبه بقصة لم تصل إلى فصلها الحاسم. فالتنفيذ الذي بدأ بخطوات متقدمة من طرف، يقابله تقدم بطيء من طرف آخر والاتهامات دوماً نحو الحكومة المؤقتة التي تتحمل الوزر الأكبر في تسريع عملية الاتفاق وإن لم تُعلن بصيغة صريحة دائماً لكنها تتسلل إلى الخطاب العام حيث توضع جدية التطبيق على طاولة أي مسار تفاوضي بين الجانبين.
فهناك من يعيث تطبيق الاتفاق وهذا ما يتفق عليه جملة من المتابعين وهو الطرف التركي المتدخل في أي قضية لها علاقة بالملف الكردي وهو سلوك مشابه اليوم يجري في سوريا وانعكاس للسلوك القائم في تركيا سيما بعد إطلاق عملية السلام والمجتمع الديمقراطي وإعلان حزب العمال الكردستاني إنهاء مرحلة الكفاح المسلح، فلم يكن من الدولة التركية الا المماطلة وهو ما يهدد عملية السلام ولا يمنحها فرصة أن ترى النور في الشرق الأوسط المثقل بالعقد المستعصية
فرغم تهيئة الأرضية والعوامل الموجودة لإنجاح العملية، والرسائل المتبادلة إيجابية، والوسطاء موجودون، لكن كل شيء يتوقف على نية التنفيذ، وهذه النية معدومة حاليا سواء كان في سوريا أو في تركيا لذلك يتابع مراقبون تشابه في السلوك والتعاطي مع الملف الكردي في كلا البلدين وهو دليلٌ إضافي على ان المتحكم في هذا الملف هو طرف واحد يحاول عرقلة أي مسارٍ ديمقراطي في المنطقة.
فما هو واضح أن البلاد لم تعد تحتمل تجارب غير مكتملة وأن أي اتفاق لا يجد طريقه إلى التنفيذ المتوازن، سيتحول بمرور الوقت إلى عبء إضافي على الثقة الهشة أصلاً وهذا ما لا يمكن ان تحتمله سوريا مع كل الاحتقان والأزمات التي اثقلت كاهل السوريين بمختلف انتمائاتهم.
فبين التنفيذ والمماطلة، تقف الحكاية عند مفترق طرق فإما أن تتقدم بخطوات متوازنة تُعيد صياغة العلاقة بين المركز والأطراف، أو تبقى عالقة في دائرة الانتظار، حيث تتآكل الآمال بهدوء، وتتحول الاتفاقات إلى ذكريات عن فرصة كانت ممكنة وفي السياسة، كما في الحكايات، ليست البداية هي الأهم، بل ما إذا كان الأبطال يملكون الشجاعة لبلوغ النهاية.
No Result
View All Result