No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في وقت تتسارع فيه التحولات السياسية المرتبطة بمستقبل سوريا، أطلقت تنظيمات نسائية في روج آفا وشمال وشرق سوريا حملة دولية واسعة تطالب بدستور ديمقراطي يضمن الشراكة المتساوية ويمنع تهميش النساء في مرحلة إعادة تشكيل مؤسسات الحكم. وتقول القائمات على الحملة إن الهدف يتجاوز المطالب الحقوقية التقليدية، ليصل إلى تثبيت الاعتراف القانوني بدور النساء في الحماية والإدارة وصناعة القرار، بوصفه جزءاً تأسيسياً من شرعية الدولة المقبلة.
في خطوة وُصفت بمحاولة لنقل قضية المرأة من هامش النقاش الحقوقي إلى صلب العملية السياسية، أطلقت تنظيمات نسائية في روج آفا وشمال وشرق سوريا حملة دولية واسعة تطالب بدستور سوري ديمقراطي يضمن الشراكة المتساوية ويمنع تهميش النساء في مرحلة إعادة تشكيل الدولة.
الحملة التي أُعلن عنها في 18 شباط المنصرم، تشارك فيها 26 مؤسسة تمثل الشعوب الكردية والعربية والسريانية والأرمنية والإيزيدية، وبانخراط أكثر من 300 امرأة من خلفيات سياسية ومجتمعية متعددة. وتؤكد المنظمات المشاركة أن هذه الخطوة تأتي في ظل ما تصفه بغياب ضمانات دستورية واضحة في أي تفاهمات سياسية جارية، الأمر الذي يثير مخاوف من إعادة إنتاج الإقصاء عبر صيغ إدارية أو مركزية جديدة قد تُقصي النساء من مفاصل القرار.
مخاوف من إعادة المركزية
عضوة مجلس المرأة السورية في شمال وشرق سوريا، “أمينة عمر” أكدت: “الحملة تنطلق من إدراك عميق بأن التحولات السياسية غالباً ما تعيد ترتيب موازين القوة على حساب الفئات الأكثر مشاركة في الدفاع المجتمعي”. وأوضحت أن النساء اللواتي شاركن في حماية المجتمع لا يمكن اختزال حضورهن في أطر اجتماعية تقليدية، بل يجب تثبيته دستورياً باعتباره جزءاً من بنية الدولة المقبلة.
وأضافت، العام الحالي يختلف عن الأعوام السابقة بسبب التغيرات السياسية والأمنية: “أي خطر يهدد سوريا هو خطر يهدد النساء بشكل مضاعف، في ظل محاولات ممنهجة لإبعاد النساء عن مفاصل الحكم، وإن إعادة المركزية تحت أي مسمى قد تؤدي إلى تقليص حضور النساء وإفراغ التجربة الديمقراطية من مضمونها، وأن الدمج الإداري وإعادة هيكلة المؤسسات قد تُستخدم كأدوات لتهميش الدور النسائي”.
شرعية سياسية لا مطلب فئوي
وترى أمينة إن المرأة في روج آفا لم تدخل المجال العام باعتباره امتداداً تقليدياً لدور اجتماعي، بل بصفتها “فاعلاً سيادياً شارك في الدفاع العسكري والإدارة المدنية وصناعة القرار”.
وتضيف، ضمان حقوق المرأة في الدستور السوري الجديد “مسألة شرعية سياسية لا مطلب فئوي؛ فإن أي دستور لا يعترف بهذه الحقيقة سيبقى منقوص الشرعية المجتمعية”.
وتشير إلى أن النساء شاركن في هيئات الرئاسة المشتركة بنسبة تقارب النصف، وأسهمن في إدارة المؤسسات المحلية، إضافة إلى قيادتهن لجهود الإغاثة ورعاية المهجرين والمطالبة بعودتهم الآمنة.
وترى، هذا الحضور يمنح النساء موقعاً تأسيسياً في صياغة مستقبل البلاد، ويجعل مشاركتهن في كتابة الدستور “شرطاً لضمان الحقوق، لا تفصيلاً إجرائياً”.
مطالب دستورية واضحة
وتتضمن مطالب الحملة دسترة جميع مكتسبات المرأة، والاعتراف بنظام الرئاسة المشتركة المعتمد في مناطق روج آفا، وتضمينه في الدستور السوري الجديد. كما تطالب بكوتا نسائية لا تقل عن 50% في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، إلى جانب إدراج مادة صريحة تضمن حماية حقوق المرأة وعدم المساس بها في أي تعديلات لاحقة.
وتشدد أمينة على ضرورة الاعتراف بخصوصية التنظيمات النسوية واستقلاليتها، بوصفها ركيزة أساسية في حماية مكتسبات المرأة، وضرورة تمكينها قانونياً لضمان استمرار دورها في الحياة العامة.
الحملة لا تقتصر على مطالب المشاركة السياسية، بل تربط بين السلام المستدام والعدالة الاجتماعية. وتشير أمينة إلى أن المرحلة الماضية شهدت انتهاكات واسعة وملفاً مفتوحاً للمفقودين والأسرى، ما يفرض إدراج مبادئ العدالة الانتقالية في أي تسوية سياسية، كما تدعو إلى الاعتراف الدستوري بكافة المكونات الثقافية واللغوية، ومنها الحقوق الثقافية للشعب الكردي، باعتبارها ضمانة للاستقرار وليست بنداً تفاوضياً قابلاً للتأجيل.
وتشدد أمينة، بناء دستور ديمقراطي تعددي يقر بالمساواة السياسية ويمنع الإقصاء البنيوي هو الطريق الوحيد لترسيخ الاستقرار، مؤيدة أن السلام لا يمكن أن يقوم على ترتيبات أمنية مؤقتة، بل على عقد اجتماعي يربط بين المشاركة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
وتؤكد أمينة، المطالب المطروحة لا تخص منطقة بعينها، بل تشمل نساء سوريا بمختلف انتماءاتهن، من الدروز والعلويين والعرب والكرد والسريان وغيرهم. وأن تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا، التي تشكلت خلال أربعة عشر عاماً، تمثل نموذجاً يمكن البناء عليه على المستوى الوطني.
وشددت، أي لجان تُشكّل لكتابة الدستور يجب أن تضم النساء بصورة متساوية، لأن “المرأة هي التي ستكتب حقوقها”، وفق تعبير القائمات على المبادرة، معتبرات أن الضمانة الحقيقية تكمن في دسترة الحقوق بشكل كامل وصريح.
الثامن من آذار.. من الاحتفال إلى التعبئة
في سياق متصل، قالت عضوة لجنة التدريب في هلال زيرين “هيفي محمد عبد القادر”، فعاليات هذا العام بمناسبة الثامن من آذار تختلف عن الأعوام السابقة، إذ تحولت من احتفالات تقليدية إلى جبهات نسوية تعبّر عن رفض تهميش المرأة.
وأوضحت أن النساء أطلقن مسيرات ضمن حملة الثامن من آذار لدعم القوات النسائية، والتنديد بمحاولات تقليص دور المرأة في الإدارة والحياة السياسية. وأضافت أن التطورات الأخيرة في مناطق منبج والطبقة ودير الزور، واستهداف بعض المناطق التي كانت تُدار بمشاركة نسائية فاعلة، عززت المخاوف من تراجع المكتسبات: “إن الذهنية قد تسهم في إعادة إنتاج سياسات إقصائية، ما يتطلب تصعيداً في العمل السياسي والمدني”.
ضغط دبلوماسي وتحالفات عابرة للحدود
الحملة الممتدة حتى الثامن من آذار ستترافق مع فعاليات جماهيرية وبيانات وتحركات مدنية، إضافة إلى نشاط دبلوماسي يهدف إلى شرح الواقع النسوي السوري للمجتمع الدولي، وممارسة ضغط سياسي لحماية حقوق المرأة في المرحلة الانتقالية. وترى المنظمات أن تقوية التحالفات النسوية داخل سوريا وخارجها، وتعزيز استقلالية التنظيمات النسوية، يشكلان عنصرين حاسمين في تثبيت المكتسبات ومنع تراجعها.
وتختم القائمات على الحملة بالتأكيد على أن التجربة التي تشكلت خلال سنوات الحرب لم تعد تجربة محلية فحسب، بل نموذجاً قابلاً لأن يكون أساساً لسوريا ديمقراطية حديثة، تُبنى فيها شرعية الدولة على مشاركة النساء بوصفهن شريكات في الحماية وصناعة القرار وضمان الاستقرار المجتمعي. وفي ظل مسار سياسي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، تضع الحملة النسوية قضية المرأة في قلب النقاش حول مستقبل سوريا، مؤكدة أن أي عقد اجتماعي جديد لا يكرّس الشراكة المتساوية سيبقى هشّاً، وأن الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا بإدماج النساء بوصفهن فاعلات سياسيات كاملات الحقوق، لا مجرد حضور رمزي في مشهد إعادة الإعمار السياسي.
No Result
View All Result