No Result
View All Result
محمد عيسى
لم يكن كانون الأول 2025 شهراً عادياً في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ففي لحظةٍ بدت للوهلة الأولى تقنية – إعلان حكومي عن رفع أسعار الوقود المدعوم وإعادة هيكلة شرائح التسعير – انكشفت طبقاتٌ عميقة من أزمةٍ تراكمت على مدى أعوام. القرار، الذي دخل حيّز التنفيذ في الأسبوع الثالث من كانون الأول، نصّ على زيادة سعر ليتر البنزين المدعوم بنسبة تراوحت بين 35 و60 في المائة وفق الشرائح، مع اعتماد آلية مراجعة كل ثلاثة أشهر ابتداءً من آذار 2026. في بلدٍ يعتمد أكثر من 70 في المائة من سكانه على الدخل الثابت أو غير المنتظم، كان ذلك الإعلان بمثابة شرارةٍ في مستودعٍ مكتظ بالوقود الاجتماعي.
لم يكن الغضب وليد اللحظة. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وإعادة فرض العقوبات، دخل الاقتصاد الإيراني في دوامة تضخمٍ مزمن تجاوز في بعض الفترات عتبة 45 في المائة سنوياً. وفي عام 2024، قُدّر معدل البطالة الرسمي بنحو 11 إلى 12 في المائة، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى نسب أعلى بين الشباب والنساء. ومع نهاية 2025، كان الريال الإيراني قد فقد جزءاً كبيراً من قيمته أمام الدولار، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية. غير أن الوقود ظلّ، تاريخياً، خطاً أحمر اجتماعياً، تستخدمه السلطة كصمام أمان لتخفيف الضغط عن الفئات الفقيرة والمتوسطة. وعندما رُفع هذا الغطاء، بدا وكأن الدولة تخلّت عن آخر أدوات التهدئة. 
من أزمة أسعار إلى أزمة شرعية
انطلقت الاحتجاجات في الأيام الأخيرة من كانون الأول 2025 من العاصمة طهران، حيث أغلق عدد من التجار وأصحاب المحال أبوابهم في مناطق تجارية حيوية، بينها بازار طهران التاريخي، الذي لطالما كان مؤشراً حساساً على المزاج الاقتصادي والسياسي. خلال أقل من أسبوع، امتدت التحركات إلى مدن كبرى مثل أصفهان، شيراز، تبريز، والأهواز. وفي 5 كانون الثاني 2026، شهدت طهران موجة احتجاجات واسعة تخللتها مواجهات مع قوات الأمن التي انتشرت بكثافة، واستخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، فيما أُبلغ عن اضطرابات حادة في خدمة الإنترنت، في محاولة واضحة لعزل الداخل عن الخارج.
غير أن اللافت لم يكن حجم الاحتجاجات فقط، بل طبيعة الشعارات المرفوعة. لم تتوقف الهتافات عند المطالبة بخفض الأسعار أو تحسين الرواتب، بل عادت لتستحضر أسماء شهداء ضحايا القمع، وفي مقدمتهم جينا أميني، التي تحولت منذ أيلول 2022 إثر استشهادها على يد ما تسمى بشرطة الأخلاق إلى رمزٍ لانتفاضة نسوية عابرة للطبقات والقوميات. دوّى مجدداً شعار “المرأة، الحياة، الحرية” في شوارع طهران وسقز وكرج، ليعيد وصل الخيط بين انتفاضة 2022 والاحتجاجات الاقتصادية في 2025 ـ 2026. في هذا التداخل، برزت حقيقة أن الأزمة تجاوزت كونها أزمة معيشية، لتصبح أزمة شرعية سياسية وأخلاقية.
تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى توقيف مئات المتظاهرين خلال الأسبوعين الأولين من كانون الثاني 2026، مع تسجيل إصابات في صفوف المحتجين وقوات الأمن. وبينما تحدثت السلطات عن “أعمال شغب محدودة”، أظهرت مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الافتراضي ـ رغم القيود ـ انتشار الاحتجاجات في أحياء شعبية وجامعات، ما عكس اتساع قاعدة الغضب.
اقتصاد مأزوم
لفهم الخلفية البنيوية للاحتجاجات المتجددة، لا يكفي التوقف عند قرار رفع أسعار الوقود بوصفه حدثاً معزولاً، بل ينبغي تفكيك البنية الاقتصادية التي راكمت شروط الانفجار على مدى سنوات. فبحسب أرقام الربع الأخير من عام 2025، سجّل معدل التضخم السنوي نحو 42 في المائة، في حين تجاوز تضخم السلع الغذائية 55 في المائة مقارنة بعام 2024، وهو ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر، ولا سيما تلك التي تعتمد على رواتب ثابتة في القطاعين العام والخاص. عملياً، تآكلت الدخول الحقيقية بوتيرة أسرع من أي زيادات اسمية في الأجور، ما دفع شرائح واسعة إلى ما دون خط الفقر أو إلى حافته الهشّة.
في المحافظات الطرفية مثل سيستان وبلوشستان، وكردستان، وخوزستان، تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع تهميش قومي مزمن وضعف في الاستثمارات التنموية. هناك، تشير تقديرات محلية إلى أن بطالة الشباب لامست 25 في المائة، فيما ترتفع النسبة بين النساء إلى مستويات أعلى بكثير، ما يعمّق الفجوة الاجتماعية ويغذي شعوراً مركباً بالإقصاء الاقتصادي والسياسي في آنٍ معاً.
يعتمد الاقتصاد الإيراني بصورة أساسية على صادرات النفط والغاز التي تشكل العمود الفقري للموازنة العامة. غير أن العقوبات الأميركية المستمرة منذ عام 2018 قيّدت القدرة على التصدير بحرية، وفرضت تكاليف إضافية على عمليات الشحن والتحويل المالي والتأمين. وعلى الرغم من توسيع قنوات البيع غير المباشر وعقد تفاهمات مع شركاء آسيويين، فإن الإيرادات بقيت أقل من مستويات ما قبل العقوبات، ما حدّ من قدرة الحكومة على تمويل الدعم الواسع الذي اعتادت استخدامه كأداة تهدئة اجتماعية.
في هذا السياق، جاء قرار اعتماد آلية مراجعة أسعار الوقود كل ثلاثة أشهر ابتداءً من آذار 2026 كإشارة إلى انتقال الدولة من سياسة تثبيت الأسعار إلى سياسة “التكيّف الدوري” مع الضغوط المالية. هذه الآلية تعني عملياً أن تكاليف النقل والإنتاج ستظل عرضة لارتفاعات متتالية، ما ينعكس تلقائياً على أسعار السلع والخدمات. وهكذا، لم يعد الوقود مجرد بند في الموازنة، بل تحول إلى مؤشر حساس على عمق الأزمة وإلى محفّز مباشر لاحتجاجات ترى في السياسات الاقتصادية عنواناً لاختلال أوسع في إدارة الدولة والموارد.
طبول الحرب تُقرع
في ظل هذا الاختناق الاقتصادي المتصاعد، لم تبقِ طهران أزمتها داخل حدودها، بل وجدت نفسها في مواجهة تصعيد خارجي يعقّد المشهد أكثر. فبينما كانت الحكومة تمضي في سياسة “التكيّف الدوري” للأسعار وتقليص الدعم تحت ضغط العجز المالي، ارتفعت في واشنطن نبرة التهديد العسكري. في 20 شباط 2026، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يدرس خيار توجيه ضربة عسكرية محدودة لإيران، بالتوازي مع تسريبات عن استعداد وزارة الدفاع الأميركية لعملية قد تمتد لأسابيع، وتشمل استهداف منشآت أمنية وبنى تحتية مرتبطة بالبرنامج النووي. كما جرى الإعلان عن تعزيزات عسكرية إضافية في قواعد أميركية بالشرق الأوسط، في خطوة فُهمت على أنها رسالة ردع مزدوجة: لطهران ولحلفائها الإقليميين.
تضع واشنطن على الطاولة حزمة مطالب واضحة: تفكيك أو نقل مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، وهو مستوى يقترب تقنياً من عتبة الاستخدام العسكري، ووقف دعم فصائل مسلحة في المنطقة، والقبول بقيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية. في المقابل، تصرّ طهران على أن نشاطها النووي ذو طابع سلمي، وتعلن استعدادها للعودة إلى قيود تقنية مقابل رفع فعلي للعقوبات المالية والنفطية، لكنها ترفض إدخال ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي في سلة التفاوض النووي.
وفي 22 شباط 2026، أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى احتمال لقاء المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في جنيف، متحدثاً عن “فرصة جيدة” لمسار دبلوماسي. هذا التزامن بين الحشد العسكري والإشارات التفاوضية يعكس استراتيجية حافة الهاوية: ضغط أقصى لتحسين شروط التفاوض، دون الانزلاق الفوري إلى مواجهة شاملة.
إلا أن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع. فإيران تمتلك قدرات صاروخية وشبكات حلفاء قادرة على الرد غير المباشر، ما قد يحوّل أي ضربة محدودة إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات. وفي الداخل، قد تستخدم السلطة خطاب “التهديد الخارجي” لإعادة ترتيب صفوفها وتعليق الاحتجاجات تحت شعار الأمن القومي، ما يضع الحراك الشعبي بين فكي كماشة: أزمة اقتصادية خانقة وتصعيد عسكري يهدد بإعادة رسم الأولويات بالقوة.
بين الصمود والتصدع
في ظل التهديدات الخارجية المتصاعدة واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، يحرص الخطاب الرسمي في طهران على إظهار صورة “الصمود” والثبات، مؤكداً أن البلاد لن ترضخ للضغوط ولن تقايض سيادتها بالأمن الاقتصادي. غير أن هذه اللغة التعبوية تخفي خلفها واقعاً داخلياً أكثر تعقيداً، حيث تتراكم مؤشرات التصدع الاجتماعي والسياسي بوتيرة متسارعة. فالتحدي الذي يواجه النظام لم يعد محصوراً في العقوبات أو في الرسائل العسكرية القادمة من واشنطن، بل بات يتمثل في مجتمع يعبّر عن اعتراضه بصورة دورية ومتصاعدة منذ احتجاجات 2017، مروراً بانتفاضة البنزين في تشرين الثاني 2019، وصولاً إلى انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في أيلول 2022، ثم موجة 2025 ـ 2026 التي ترافقت مع الانهيار المعيشي والتصعيد الإقليمي.
تعتمد السلطات في إدارتها لهذه الدورات الاحتجاجية على معادلة مزدوجة: قبضة أمنية مشددة تترافق مع إجراءات اقتصادية محدودة لامتصاص الغضب. إلا أن الفجوة بين الدولة والمجتمع، خصوصاً لدى الأجيال الشابة، اتسعت إلى حد بات يصعب ردمه بالأدوات التقليدية. فجيل ما بعد عام 2000، الذي نشأ في بيئة رقمية مفتوحة نسبياً على العالم، لم يعد يتعامل مع القيود الاجتماعية والسياسية باعتبارها قدراً ثابتاً، بل كقواعد قابلة للتحدي والتغيير. 
في قلب هذا التحول تقف المرأة الإيرانية، التي لم تعد مجرد شريك في الاحتجاج، بل أصبحت محركه الرمزي والميداني. منذ أيلول 2022، تحوّل شعار “المرأة، الحياة، الحرية” إلى إطار جامع يعيد تعريف الصراع بوصفه صراعاً على شكل الدولة وطبيعة السلطة. لم يعد الأمر متعلقاً بقوانين الحجاب فحسب، بل ببنية نظام أبوي ـ ريعي يحتكر القرار السياسي والثروة معاً. في احتجاجات أواخر 2025 وبدايات 2026، تصدرت النساء المشهد مجدداً: طالبات ينظمن اعتصامات داخل الجامعات، وناشطات يؤسسن شبكات دعم لعائلات المعتقلين، وأصوات نسوية عابرة للقوميات ـ كردية وفارسية وأذرية وعربية وبلوشية – تلتقي عند مطلب بناء دولة ديمقراطية تضمن الحقوق المتساوية للجميع. هكذا يتقاطع التحدي الخارجي مع تحوّل داخلي عميق، يجعل معادلة “الصمود” الرسمية محاطة بأسئلة وجودية حول مستقبل النظام ذاته.
إيران بين شبح الحرب وأفق التغيير
المشهد الإيراني في مطلع 2026 يقف عند مفترق طرق. داخلياً، تتراكم عوامل الغضب: تضخم، بطالة، تراجع عملة، وقمع سياسي. خارجياً، تتصاعد التهديدات العسكرية، بالتوازي مع مسار تفاوضي هش في جنيف. السؤال المركزي: هل تنزلق المنطقة إلى حرب، أم ينجح المسار الدبلوماسي في احتواء التصعيد؟ وهل تستطيع السلطة احتواء الداخل، أم أن الاحتجاجات ستتطور إلى حركة تغيير أعمق؟
التجربة التاريخية تشير إلى أن الأنظمة التي تواجه أزمات شرعية عميقة قد تلجأ إلى التصعيد الخارجي لتوحيد الداخل. لكن في إيران اليوم، يبدو المجتمع أكثر وعياً وتنظيماً، خاصة مع بروز قيادة نسوية وشبابية عابرة للانقسامات التقليدية. في المقابل، أي حرب واسعة قد تدمر البنية التحتية وتفاقم المعاناة الإنسانية، دون أن تضمن تغييراً سياسياً إيجابياً.
بين كانون الأول 2025 وشباط 2026، تتقاطع مسارات ثلاثة: اقتصاد يترنح، شارع ينتفض، وتهديدات عسكرية تتصاعد. في قلب هذا التقاطع، تقف المرأة الإيرانية، رافعة شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، كعنوان لمرحلة جديدة من الصراع على مستقبل البلاد. قد لا تكون الإجابات واضحة بعد. لكن؛ المؤكد أن إيران لم تعد كما كانت قبل هذه الأشهر. الأزمة لم تعد أزمة أسعار أو تخصيب يورانيوم فقط، بل أزمة هوية ونظام وحلم بدولة ديمقراطية تضمن حقوق جميع أبنائها، بعيداً عن الاستبداد الأبوي والرأسمالية الريعية التي أثقلت كاهل المجتمع لعقود.
No Result
View All Result